العندليب الخالد (1)

04/03/2023 - 09:03 AM

Prestige Jewelry

 

 

 

 


بقلم: ألفة السلامي 

 

حلّتْ الذكرى الـ 46 لرحيل عبد الحليم حافظ حيث توفي يوم 30 مارس سنة 1977 عن عمر لم يتجاوز 47 عامًا.

ولا أخفي عنكم سرًا أني كلما هممت بالكتابة عن عبد الحليم تحضرني أغنيته "نبتدى منين الحكاية" لأنها تلخص مشوار العندليب بموسيقاها الجنائزية الذى وضعها عبد الوهاب، وكأنه كان يعلم أنها الأغنية الأخيرة التي سيغنيها من ألحانه قبل وفاته. 

ودائما أتساءل لماذا أكتب عن العندليب الأسمر؟ ولماذا حرصت على زيارة منزله ومدفنه ولقاء أقارب وأصدقاء عرفوه عن قرب؟ هل لعبقريته وإبداعه لأغاني خالدة، أم للتجديد الذي أدخله على الموسيقى أم للتوليفة الذكية بين الأغنية واللحن والكلمات والصوت الذي يتسلل للقلب ويدغدغه ويستقر داخله؟ لكن الإجابة الصادقة هي الحب، بل العشق لعبد الحليم حافظ الذي شارك في غزل أحلامنا ونحن صغار وحتى  عندما كبرنا، كأنه يغزل الحرير من الخيوط لينسجَ سجادة بديعة الألوان والأشكال. حلمت أجيال وراء أجيال طيلة أكثر من ربع قرن منذ أنبدأ حليم يبزغ نجمه ويتألق بأغانيه عام 1951 وحتى رحيله عام 1977. 

حلمت بالاستقلال وإنهاء التبعية والعدالة الاجتماعية والحريةوالكرامة الانسانية والمشروعات التنموية وبالوطن مزدهرًا رغم الصعوبات والتحديات. وعاش حليم يغني للحبِّ في كل معانيه. نفس هذا الحب الذي تجرع الحرمان منه طيلة مسيرته القصيرة. كانت حياته مرادفًا للمعاناة التي تجسدت في حياته بكل صورها بدءً من اليتم من الوالدين معًا في طفولته المبكرة حيث ماتت أمه بعد ولادته تبعها والده بعد عدة شهور، وصولاً إلى مرض البلهارسيا الذي فتك بكبده وهو في عزشبابه. ولعل هذه المعاناة بالذات هي التي جعلت الفن ينضج موهبته على تقاسيم الشجن ويرهف الروح والخيال لديه. 

وانعكس هذا الحزن الداخلي على شخصيته ونبرات صوته التي تشربت الأسى وتشبعت بالشجن. ولعل ظروف يتمه القاسية مع ضعف بنيته إضافة إلى إنه كان يشترك مع معظم الناس في انتمائهم إلى القرى والمناطق الفقيرة التي تشعر بالظلم كما أنه تقاسم معهم حتى مرضهم، حيث أن وفاته كانت بسبب البلهارسيا مرض الفلاحين البسطاء.. كلُّ ذلك ساهم في تكوين حليم ومجده وفتح قلوب الناس ليتربع فيها وأهّله ليكون فنانًا بعلامةمسجلة سرعان ما أصبحت رمزًا مصريًا وعربيًا للعبقرية والمجد الخالد حتىَّ أنه يُذكرُ اسمه بمجرد ذكر مصر مثله مثل رموز أخرى في شتى المجالات.

وكان حليم كوكتيلًا من المشاعر المرهفة وهو يغني، وهو يمثل، بل وحتى حين يتحدث. الجميع يصدقونه، وهذا هو السرُّ في ذلك الإجماع الجارف على حبه. لذلك، أصبح ملكًا متربعًا على عرش الرومانسية دون منافسة، ليس فقط طيلة عمره الفنيّ بل وحتى الآن، لأنه فارقنا جسديًا لكن نجمه مازال متوجًا دون منافسة. استطاع أن يعبّر عن مختلف المشاعر العاطفية وبذر في القلوب حبًا كبر وترعرع وأصبح أشجارًا وارفة تكفي بظلالها البشرية كلها وزرع في العديد من الأجيال بأغانيه خلال الانتصارات والهزائم حب الوطن والذود عنه.

عرفت عبد الحليم في منتصف السبعينات من خلال أغانيه.كنت أحفظها عن ظهر قلب من خلال حفلاته وترديده للأغاني لعدة مرات، وكان ذلك ذكاءً منه، بحيث كنت وأصحابي نغنيها في اليوم الموالي مباشرة لحفله ونحن في طريقنا إلى "الليسيه" أو حتى خلال الراحة بين الفصول. 

والحقيقة أيضًا أن حضور الصحافة المصرية في سبعينات القرن الماضي كان قويًا وكانت الصحف والمجلات تدخل العديد من البيوت المصرية وحتى العربية. وكان والدي يشتري صحف الأهرام ومجلات الكواكب والهلال وآخر ساعة. وكنت أجلبها معي إلى المدرسة لقضاء الوقت في متعة قراءتها مع أصدقائي. وتتيحُ لنا القرب من تفاصيل حلمٍ وطني نتلمس خطاه في أم الدنيا وكذلك القرب من نجوم نعشقهم في السينما والموسيقى والغناء ويتمددون في خيالنا ويغذون أحلامنا. كانت الصحافة والفنون والفنانين القوى الناعمة التي عززت مكانة مصرفي محيطها العربي، وحتى عندما أغضبت زيارة السادات للقدس العرب، ظل الفنانون المصريون سفراءها القادرون على الحفاظ على مخزون الحب في قلوب العرب تجاه مصر.

ويوم اشتدت وطأة المرض على عبد الحليم ازداد قلقنا عليه ونحن تلاميذ صغار، وتابعنا أخبار علاجه في لندن والقاهرة. كانت أخباره لا تنقطع في الإذاعات. ونظرًا للارتباط الروحي بالعندليب رفضنا أن نصدق أنه سيرحل! ولا أنسى لما توفي بعد أزمته الصحية الأخيرة في لندن، كيف خرجنا أفواجًا دون اتفاق في مسيرة حزينة نبكي فيها فنانًا كبيرًا أحببناه وتربع داخل وجداننا. ولابد أن أسجلَ أن هناك إجماعًا على حب حليم ربما لم ولن يشهد مثله فنان آخر سكن القلوب ولم يبرحها. 

لكنْ هذا لا يعني عدم وجود قلة كانوا لا يحبون حليم، ويسخرون من طريقته في التعبير عن الحبّ ويرونه ضعيف الحنجر، سمجًا وسخيفًا ومبالغًا في تمثيله، وينتقدون طرق تطويره للأغنية ويرجعون شهرته الكبيرة إلى أنه كان فنان ثورة يوليو وزعيمها عبد الناصر وأكثر من غنى لهما في تلك الفترة. ولا ننسى أن من كانت لهم خصومة سياسية وخاصة اجتماعية وطبقية مع جمال عبد الناصر كانوا أيضًا يكرهون بالتبعية عبد الحليم حافظ الذي غنى لجمال حبيب الملايين، وللعدالة الاجتماعية والاستقلال عن المستعمر والتبعية.

أخيرًا، حليم فنان أصيلٌ عاش ومات وهو ملتزم بقضايا شعبه وأمته، لذلك لم يبخل عليه الزمن والتاريخ بالذكر والتمجيد وظل وسيظل في الذاكرة الشعبية الحية التي لا تموت مع انقضاء الوقت أو الزمن. رحمه الله وجزاه خيرًا على كل ما قدمه على صعيد الفن والثقافة الموسيقى العربية. ونذكره بخير هذه الأيام ربما أكثر مما فات من أيامنا نظرًا للتدهور الذي طرأ على الأغنية وكلماتها وايقاعاتها ونفهم أكثر فأكثر لماذا مازال خالدًا في ذاكرتنا ويظلُّ كذلك مع أجيال كثيرة قادمة! ويتواصل الحديث عن العندليب الأسمر في مقال قادم من خلال زياراتي لمنزله وضريحه ولقائي بعائلته.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment