هل زيارة الرئيس الصيني لموسكو تعزيزا لنظام عالمي جديد؟

03/27/2023 - 12:17 PM

Prestige Jewelry

 

 

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

 

زيارة شي جينبينغ موسكو كانت أول زيارة دولة يقوم بها شي بعد انتخابه للمرة الثالثة، وضعت حدا لحياد بكين المفترض في الحرب في أوكرانيا، وحصلت هذه الزيارة بعد بضعة أيام من إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف دولية بحق بوتين، نظر العالم الغربي إلى هذه الزيارة على أنها شكلت توازنا مع قرار المحكمة الجنائية الدولية خصوصا عندما يقدم الرئيس الصيني شي دعوة لبوتين لزيارة بكين بمثابة دعما ضمنيا لموسكو لمواصلة القتال في أوكرانيا، وهو ما أثار شكوكا في صفوف الغربيين حول خطة السلام التي طرحتها بكين.

يبدو أن الغرب وبشكل خاص الولايات المتحدة قدم هدية مجانية لبكين في ظل التنافس الصيني الأمريكي في جعل الشراكة الصينية الروسية لصالح الصين، وهي ليست شراكة متكافئة، وسيكون اعتماد بوتين على المدى الطويل على الصين، سماه وزير الخارجية الأمريكي بلينكن بزواج مصلحة، وستكون روسيا الشريك الأضعف في هذا الزواج، ويود بوتين مد خط قوة سيبريا 2 بديلا عن ستريم 2 بنفس الطاقة 50 مليار متر مكعب، لكن الصين لا تود ان ترهن نفسها لروسيا بل وقعت مع قطر عقود غاز طويلة المدى لنحو 27 عاما، لكن ضاعفت الصين وارداتها من الألمنيوم إلى 538.6 مليون طن سنويا، وصرح بوتين لشي أن روسيا مستعدة لإحلال الشركات الصينية محل الغربية المغادرة، ويسعى البلدان إلى مضاعفة التجارة وخطة لتطوير التعاون الاقتصادي حتى 2030.

بعدما نجح كيسنجر في تحقيق تاريخي بعد زيارته السرية للصين عام 1971 أنهت عمرا من العداء بين بكين وواشنطن، والذي قضى عمره في ابعاد موسكو عن بكين اليوم لم يتحقق فقط هذا التقارب بل انضمت إيران إليهما، بل وتمكنت بكين من تحقيق مصالحة بين طهران والرياض ليصبح الطريق لها معبدا إلى أفريقيا وأوروبا، بسبب ارتكاب أمريكا خطأ استراتيجي عندما مضت في تصعيد على جبهتي الصين وروسيا في وقت واحد، دفعت نحو قيام تحالف قوتين عظميين، وهو ما حذر منه كثيرون، حتى داخل الأوساط الأميركية، وهو تحالف يرعب واشنطن.

لكن دأب الأمريكيون لما يربو على عقد من الزمن منذ عهد أوباما على الترويج لما أسموه التحول الاستراتيجي بعيدا عن الشرق الأوسط من أجل مواجهة الصين في بحر الصين الجنوبي، بينما على عكس الولايات المتحدة اتخذت الصين من الشرق الأوسط ساحة لها مستفيدة من ابتعاد الولايات المتحدة عنها، وفي نفس الوقت أدركت السعودية هذا التغير الاستراتيجي بين القوتين وأن عليها الموازنة بينهما، والاستفادة في نفس الوقت منهما في تحقيق مصالحها ودعم رؤيتها 2030 والتي لن تتحقق في ظل بقاء الصراع الإقليمي بينها وبين إيران، بعد فشل أمريكا في إنهاء الصراع في المنطقة، فقط اكتفت بإدارة الصراع من أجل التهدئة مع الإبقاء على بؤر ساخنة ظنا منها أنها تعيق تمدد الصين وتحقيق مشروعها الحزام والطريق.

 وإن كان أكد احد مسؤولي مجلس الأمن القومي الأميركي في معرض تعليقه على الصفقة بين السعودية وإيران من أجل تبرير موقف واشنطن في أنها ولدت في واشنطن وليس في بكين، لكن تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي حدث في بكين، وهو تحقيق احد الأهداف الرئيسية لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط على يد الصين لهو دلالة على توافق الأهداف الصينية الأمريكية، لكن بالنسبة للسعودية لم تكن تجد في واشنطن ما يحقق أهدافها، بل كانت تسعى واشنطن من خلال الاتفاق النووي الذي وقعته مع إيران عام 2015 لصالح غض الطرف عن النفوذ الإيراني في المنطقة، وهو ما خلق مواجهة إقليمية بين السعودية وإيران.

لكن هل ناقش شي مع بوتين حول نظام عالمي جديد، يبدو أن زيارة شي لموسكو ليس فقط هدفها انتشال بوتين من عزلته، فيما الصين تتجه نحو نظام دولي جديد سيكون مختلفا عما سبقه، سيكون نظاما أفقيا يقوم على أعمدة جديدة، اقتصاد التقنية والتعاون الإقليمي، هناك كلمات خفية من الرئيس الصيني لنظيره الروسي أثارت قلق الغرب على أنه احتفال بالنظام العالمي الجديد.

 كذلك تجني الصين ليس فقط ارتهان موسكو لها، بل كذلك الوضع داخل الولايات المتحدة في ظل الأزمة الأخيرة حول الرئيس السابق ترمب والإصرار على محاكته جنائيا في محاولة لا تخفى على الجميع أنها محاولة لإقصائه من السباق الانتخابي الرئاسي 2024 بعدما أظهرت استطلاعات عن تقدمه بفارق كبير عن أقرب منافسيه، والدولة العميقة لا تريده حتى لا يدخل أمريكا في صراعات حزبية تقود إلى حالة تشرذم، وفي تطرف يساري.

 إلى جانب معاناة الولايات المتحدة من قلاقل اقتصادية خصوصا بعد أزمة انهيار بنك سيليكون فالي، واحتمالات العدوى لغيره من البنوك، وفق تصريحات وزيرة الخزانة الأمريكية جانيت يلين، ووفق صندوق النقد الدولي يمكن أن ينخفض الاقتصاد الأمريكي الإجمالي نحو 1.4 في المائة عام 2023، ورفع الفائدة إلى 5 في المائة يرفع من تكلفة الاقتراض على نمو الشركات، وستكون هناك تداعيات اقتصادية حقيقية ودائمة حتى لو أزيل الغبار وفق صحيفة نيويورك تايمز، خصوصا وأن ديون الولايات المتحدة بلغت 31 تريليون دولار، واعتبر اندرو جروف مؤسس شركة إنتل للبرمجيات أن الأمريكيون يعيشون حالة إنكار، يربت بعضهم على ظهور بعض، بينما تتجه التايتانيك نحو جبل الجليد وبأقصى سرعتها.

بدأت تتجه الولايات المتحدة بعد زيارة بايدن إلى كندا في 24/3/2023 مناقشة تعزيز القدرات الدفاعية المعروفة باسم نوراد في أعقاب تصاعد النفوذ الصيني وقضية منطاد التجسس الذي حلق في سماء الولايات المتحدة قادما من كندا، وتم إسقاطه في ولاية كارولينا الجنوبية، وهناك جلسة حامية استمرت أكثر من 5 ساعات جلس خلالها الرئيس التنفيذي لشركة تيك توك شووي تشو أمام المشرعين الغاضبين، وسعى جاهدا لتبديد مخاوفهم بشأن التطبيق، لكن من دون جدوى، وقد عززت الجلسة من التكاتف النادر بين الحزبين هو الرفض التام لهذا التطبيق لحجة التجسس الصيني أولا ومحتواه المؤذي للمراهقين ثانيا.

 لكن يتوجه ماكرون إلى بكين ومعه رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون مطلع أبريل 2023 سعيا لتقديم صوت أوروبي في مواجهة روسيا والحرب في أوكرانيا، وتود أوروبا انخراط الصين إلى جانب أوروبا للضغط على روسيا لعدم استخدام الأسلحة الكيماوية والنووية ووقف النزاع والعودة إلى طاولة المفاوضات، وفي الخريف الماضي أكد القادة الأوربيون في حوارهم مع الصين أن لهم نهجهم الخاص دون الاصطفاف إلى جانب الولايات المتحدة، والانجرار في منطق المواجهة، رغم أن فرنسا حظرت تطبيقات تيك توك الصيني على هواتف العمل الخاصة ب2.5 مليون موظف في القطاع العام إثر إجراءات مماثلة في عدد من الدول الغربية.

تهاجم كوريا الشمالية مناورات واشنطن وسيول وهي أكبر مناورات في خمس سنوات من 13- 23 مارس 2023 وتهدد بتسونامي إشعاعي، وكوريا الشمالية غاضبة من تراجع فرص المفاوضات الدبلوماسية التي حدثت في عهد الرئيس ترمب، لكن هذه التدريبات التي تجريها الولايات المتحدة وسيول، ما جعلها تطلق صواريخ كروز القادرة على تدمير موانئ سيول بأسلحة نووية تكتيكية، واختبرت غواصة قادرة على شن هجوم نووي يمكنه التسبب بتسونامي إشعاعي واسع النطاق، كما طورت روسيا سلاحا مشابها هو توربيدات بوسايدون ذات القدرات النووية.

هناك بوادر حرب تكنولوجية باردة بين الولايات المتحدة والصين، لكن حتى الآن تسيطر الصين على 90 في المائة من قدرة المعالجة في العالم، ورغم امتلاك الصين 36 في المائة من احتياطيات العناصر النادرة لكنها تسيطر على 70 في المائة من قدرة الاستخراج، حيث تقدر الحكومة الأمريكية أن الحجم الأولي للملكية الفكرية التي سرقتها الصين خلال السنوات الأربع من 2013-2017 يصل إلى 1.2 تريليون دولار.

على مدى أكثر من قرن، أشعل التدافع على النفط حروبا، وخلق تحالفات غير عادية، وآثار دبلوماسية، لكن حاليا يتصارع أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم على مورد ثمين آخر هو أشباه الموصلات والرقائق التي تشغل حياتنا اليوم، فالرقائق الإلكترونية محور حرب طاحنة بين الصين وأمريكا، ما جعل الولايات المتحدة تشدد القيود على مبيعات الرقائق الإلكترونية إلى الصين، وتقع هذه الأجزاء الصغيرة من السيليكون في قلب صناعة تبلغ قيمتها 500 مليار دولار، ومن المتوقع أن تتضاعف مع حلول عام 2030، ومن يتحكم في سلاسل التوريد يحمل مفتاح أن يكون قوة عظمى منقطعة النظير، بسبب أن تصنيع أشباه الموصلات معقد ومتخصص ومتكامل تماما، حيث يحتوي جهاز هاتف آي فون على شرائح تم تصميمها في الولايات المتحدة، وتم تصنيعها في تايوان أو اليابان أو كوريا الجنوبية، ثم يتم تجميعها في الصين، ويمكن للهند ان تستثمر أكثر في هذه الصناعة أن تلعب دورا أكبر في المستقبل.

 ففي منتصف 2022 أصبحت سامسونج أول شركة تبدأ في إنتاج كميات كبيرة من شرائح ثلاثية النانومتر على نطاق واسع، تبعتها شركة تايوان سيميكونداكتور الصناعية ( تي إس إم سي ) أكبر صانع للشرائح في العالم ومورد رئيسي لشركة آبل، وحجم تلك الشرائح تتراوح ما بين 50 إلى 100 ألف نانومتر، وهذه الشرائح الأصغر حجما الأكثر قوة والتي تدخل في أجهزة اكثر قيمة مثل أجهزة الكمبيوتر العملاقة والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء.

 يتم تصنيع أغلب هذه الشرائح في تايوان، مما يمنح هذه الجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي بمثابة درع السيليكون التي يجب حمايتها من هيمنة الصين التي تطالب بالإقليم، بعدما جعلت الصين إنتاج الشرائح أولوية وطنية وتستثمر بقوة في أجهزة الكمبيوتر العملاقة والذكاء الاصطناعي، وهي حتى الآن لم تقترب من أن تكون رائدة عالميا، لكنها التحقت بالركب بسرعة في العقد الماضي لا سيما في قدرات تصميم الرقائق، وكلما امتلكت الدول القوية تكنولوجيا حوسبة متقدمة فإنها تطبقها في أنظمة استخباراتية وأنظمة عسكرية.

 اعتماد الولايات المتحدة على تايوان ودول آسيوية أخرى يثير قلق الإدارة الأمريكية، لذلك أعلنت شركة ميكرون أكبر شركة مصنعة لرقائق الذاكرة وهي ضرورية لأجهزة الكمبيوتر العملاقة والأجهزة العسكرية مقرها الولايات المتحدة عن خطط لإنفاق ما يصل إلى 100 مليار دولار على مدار العشرين عاما القادمة في مصنع إنتاج الكمبيوتر في شمال نيويورك.

يعتبر جيو وانغ الشريك في مؤسسة باين آند كومباني في وادي السيليكون إنه ما تسميه صناعة أشباه الموصلات بقانون مور حيث تتضاعف كثافة الترانزستور بمرور الوقت، وهذا هدف صعب التحقيق، ما يمكن الهواتف من أن تصبح أسرع، ويصبح أرشيف الصور الرقمية لدينا أكثر، كما تصبح الأجهزة المنزلية الذكية أكثر ذكاء بمرور الوقت، لذلك هدف واشنطن إبعاد الصين عن التكنولوجيا التي تصنع الرقائق، وإبعادها عن شركات الابتكار، فهل تتمكن واشنطن من تحقيق هدفها لتبقى القوة المهيمنة إلى أجل؟.

 

* أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقا

 [email protected]

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment