نظام إقليمي يتضمن سوريا بعيدا عن الحضن الإيراني

02/23/2023 - 14:53 PM

A

 

 

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

 

بعد الزلازل السياسية التي حدثت في منطقة الشرق الأوسط منذ احتلال العراق عام 2003، أتت زلازل تركيا وجنوب غربي سوريا في 6 فبراير 2023، تتسارع هذه التحولات لتأسيس نظام إقليمي مستثمرة انشغال روسيا في الأزمة الأوكرانية، وتورط نظام الملالي في مساعدة روسيا بالمسيرات دون طيار، لاستخدامها روسيا بكثافة في أوكرانيا ضد الغرب، وانشغال تركيا في الداخل التركي بعد الزلزال الذي ضرب جنوب تركيا تسبب في وفاة 47 ألف من بينهم 6 آلاف في سوريا.

منذ الحرب في 2011 تحول 90 في المائة من الشعب السوري تحت خط الفقر، نتيجة معاناتها من أسوأ أزمة تمر بها سوريا، حيث انخفضت الليرة السورية 47-50 ليرة مقابل الدولار، قبل الأزمة في 2011 إلى 3955 ليرة مقابل الدولار في أبريل 2022 انهارت إلى 7250 ليرة مقابل الدولار في فبراير 2023.

كانت تدور الاستراتيجيات في منطقة الشرق الأوسط قبل عقود من الزمن حول ثلاث قضايا تدور حول الصراع العربي الإسرائيلي، الحرب الباردة بين القطبين، وضمان ومنابع النفط وطرق وصوله إلى العالم، فظهرت نظرية بن غوريون بضم تركيا وباكستان وإيران وإثيوبيا.

 فشهد عام 1979 ثلاث تحولات كبرى في الشرق الأوسط الأولى أتت بإلقاء قنبلة شبيهة بالقنبلة الجرثومية بل أخطر منها، وهي قنبلة أيديولوجية خمينية قادمة من باريس، التي استمرت باريس تحمي هذه الثورة برعاية أمريكية، ما جعل ماكرون يسارع الخطى بزيارة بيروت بعد انفجار مرفئ بيروت في أغسطس 2020 لحماية حزب الله من تحميله المسؤولية.

والتحول الثاني جاء في رد الاتحاد السوفيتي بعملية مماثلة باحتلال أفغانستان، والتحول الثالث اتفاقية كامب ديفيد الاتفاقية التي رفضها العرب وقاطعوا مصر، ثم عادوا إليها، بل شهدوا اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل في 1994، إلى أن قبل العرب بتطبيع بين إسرائيل ودولة الإمارات والبحرين مقابل إيقاف أمريكا نفوذ إيران، وبالفعل تم التخلص من قاسم سليماني في بغداد مع بداية عام 2020، وبهذا التطبيع تمكنت الدول العربية بقيادة السعودية إماتة الاتفاق النووي بين الدول الغربية وإيران، ما يعني إعادة إيران إلى تطبيق عقوبات سناك باك المطبق قبل اتفاق 2015 قبل أن ينسحب منه ترمب عام 2018.

لم يكن الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق سوى لإعادة الشرق الأوسط الواسع إسرائيل جزء منه، لكن بحثت إيران عن استعادة طموحات تاريخية، وكذلك بحث رجب طيب أردوغان عن استعادة شيء باسم العثمانية الجديدة، ومشاركة إيران في احتلال أجزاء من العراق وسوريا وإرسال مليشيات سورية إلى ليبيا لتحقيق تموضوعات تركية في المنشآت النفطية، واصطدم بدول الغرب وبشكل خاص اليونان وقبرص وفرنسا من أجل غاز شرق المتوسط، وبدأ العرب يدافعون عن مصالحهم أمام إيران وتركيا، فأشركت مصر إسرائيل في منتدى الغاز في شرق المتوسط مقره القاهرة.

تعد زيارة بشار الأسد إلى سلطنة عمان ثان زيارة منذ اندلاع الأزمة في 2011 بعد زيارة قام بها للإمارات بشكل مفاجئ دون الإعلان عنها في 18 مارس 2022، بعد محاولات عربية في احتضان بشار الأسد وإبقاءه في الحضن العربي بعيدا عن الحضن الإيراني كلها لم تثمر، ثم جاء اتصال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وكذلك الملك عبدالله ملك الردن، وأرسل وزير خارجيته، وفي تعليق لوزير خارجية السعودية الأمير فيصل بن فرحان حول الملف السوري اعتبر أنه لا يمكن بقاء الوضع على ما هو عليه، وبالتالي لا يمكن تغيير الوضع بمن عمل على اقترافه، واستخدمت السعودية الفيتو على شغل سوريا مقعدها في قمة الجزائر لأنها لم تحقق الشروط التي وضعتها السعودية على نظام بشار الأسد باعتبارها المسؤولة عن الملف السوري.

 فأتى الحراك العربي في اجتماع أبو ظبي الذي ضم رؤساء ست دول عربية الإمارات ومصر والأردن وسلطنة عمان والبحرين وقطر، حيث مطلوب من نظام بشار الأسد الانتقال إلى التفاوض السياسي، والتوقيع على شروط تمهيدا للوصول إلى اتفاق سياسي بموجب القرار 2254، أي الذهاب إلى تعديل دستوري واسع يتضمن تشكيل هيئة انتقالية، مع عدم التوقيع على مزيد من الاتفاقات الاستراتيجية الاقتصادية والعقارية مع إيران، والتفاوض على دخول قوات عربية إلى سوريا تسهم في ضبط الحدود، مع تأمين مناطق آمنة حقيقية بإشراف عربي ودولي لإعادة اللاجئين إلى مدنهم ومناطقهم، من أجل أن تشارك سوريا في القمة العربية التي تعقد في الرياض في مارس 2023.

 بالنظر إلى الحراك السياسي للسعودية وذهابها إلى الصين والحوار مع إيران في ظل انعدام الحماسة الأميركية، وتستثمر السعودية دخول نظام الأسد في مباحثات مع إسرائيل برعاية روسية، مما يشجع أمريكا على دعم الحراك العربي السعودي، الذي لن يختلف في التعاطي مع بشار الأسد عن التعاطي مع لبنان، خصوصا أن فكرة إخراج بشار الأسد من الحضن الإيراني استهلكت، فلا بد من أدوات أخرى أكثر جدية في التعاطي مع بشار الأسد هذه المرة من خلال الضغط العربي الجماعي الذين يرون أن سوريا لا يمكن أن تبقى خارج الحضن العربي، وهي بمثابة قلب الشرق الأوسط، وممر إلى تركيا ثم إلى أوروبا، ما يعني أن سوريا الغد لن تكون سوريا قبل الحرب، ولا يعتبر إعادة تأهيل للنظام كما يعتقد البعض بل يعتبر تمييع نظام الأسد في النظام العربي الإقليمي وتحريرها من هيمنة المليشيات السورية والإيرانية والفلسطينية.

 

 * أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا

          [email protected]

 

 

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment