عاد الوطن "النونو" يتأهّبّ للدماء ......

02/20/2023 - 13:45 PM

Bt adv

 

 

 

الدكتور نسيم الخوري *

 

منذ أسبوع، بدا هذا اللبنان "النونو" الهزيل الصامت الخنوع المتوّج بسياسييه واقتصادييه ومصارفه وسارقيه ومخربيه بقلوبٍ وعيون من جمرٍ وفولاذ... ووووو... يتلذذون بطشاً بشعوبهم الهزيلة الضامرة الجائعة وكأنها مزق قماش عتيق تحت مكاوي نار التجّار وعُشاق الدولار وعشيقاته، كان يسترقّ نتائج الاجتماع الخُماسي (الفرنسي الأميركي السعودي المصري القطري) في باريس في 7/2/2023، لكن الكرة عادت أشبه بقنبلةٍ فارغة فوق ملعب الداخل لكنها محشوةً بارتدادات داخلية أقوى من 9 ريختر لطالما خبرنا مثيلاتها شباباً.

هذا إجتماع سياسي كواليسي تقني لا قيمة له حاصل ويحصل كلّ يوم ولا يمكنني أدراجه لا في خانات التفاوض ولا المساومة ولا التوصيات ولا الحلول ولا الحوار ولا انتظار القرارات المؤجّلة المستوردة، هو لا يعنيني ولا يليق بي وبمن هو مثلي بقدر ما يلهيني ويُعميني عن النار التي راحت تشتعل في قلب الدار.

أوّلاً، ليُضاعف الحبر سواده أوّلاً، ولتكرج الدمعات والأحزان حتّى شرايين القلب المُتعب بعد مشاهد الزلازل في إنطاكية وسوريا وتركيا وبلدان سائر المشرق، ولنرصد "تفشّي الذعر والضياع في وسائد اللبنانيين يفترشون الصقيع والرعب والفقر والجوع والقهر والذل بخلاف السياسيين والسياسيات والإقتصاديين والإقتصاديات والراقصين والراقصات والممثلين والممثلات والإعلاميين والإعلاميات..ألخ.

أراني انسحب نصف قرنٍ إلى الوراء نحو الـ 1972 التي بدت لنا رحماً يصرخ بالحروب والهروب نحو حفر القبور أو سلالم الطائرات ومآسي الموت اليومي في الغربة وغرائبها.

أمامي ثانياً، موسوعة من 5 أجزاء غلافاتها خضراء، عنوانها: "سلسلة الوثائق الأساسية للأزمة اللبنانية" في 2112 صفحة، لمؤلفها عماد واكيم. تتضمّن 704 وثائق يمكن التذكير بها كواجب وطني يتجاوز الكيديات المذهبية التي ينغمس فيها المسؤولون متناسين التاريخ الدموي العنيف والتدميري. لا يُقيمون وزناً لمستقبل وطنهم المُحبط في الداخل والخارج، ولا يتلمسون ذاكراتهم وقد دمغتها الحروب المقيتة وحقائق التاريخ الرهيب الذي كابده اللبنانيون من الـ 1973 حتى 1989 وهم يمطّون نزاعات الماضي والانشقاقات مجدّداً مستعيدين ملامح وطنٍ أكثر شراسةً وخراباً.

أناشد الزعماء والسياسيين مهما اختلفت مواقفهم تصفّح الموسوعة التي تغلّف تواريخ ضحاياهم والدمار. تكفي المقارنة بين عناوين الموسوعة بأجزائها الخمسة لتمهر مقالك وعقلك بتاريخ يُعيد نفسه مُضاعفاً وبمؤشّرات واضحة أمامك. كنت وما زلت أنصح بها طالباتي وطلاّبي كسفرٍ من أسفار التوبة الأبدية في لبنان.

جاء الجزء الأوّل بعنوان "ملامح الأزمة وانفجارها والدور الفلسطيني والدور المحلي 1973...." في 176 وثيقة بالغة الأهمية، وتضمن الجزء الثاني بعنوان "الأدوار الإقليمية في لبنان 1973...." 175 وثيقة، أما الجزء الثالث بعنوان "الأدوار العالمية...." ففيه 98 وثيقة، وحوى الرابع بعنوان "مواقف الأطراف ومشاريع الحل..." 129 وثيقة. أمّا الجزء الخامس والأخير فحمل عنوان :"الحوار في سبيل الحل 1975- 1984" أي 9 سنوات من التفاوض العقيم المحلي والإقليمي والدولي في 126 وثيقة تهدف كلّها لتخليص اللبنانيين من جحيم الحروب التي دمّرت لبنان وأسماها الأستاذ غسّان تويني رحمه الله بـ "حروب الآخرين على أرض لبنان" صارخاً في وجه الأمم: "دعوا شعبي يعيش".

كانت دهوراً لا سنيناً من حروب ودماء لم تبق ولم تُذر، لكنّ بذورها بقيت مخزّنة داخل الرؤوس الحامية الصوّانية إيّاها في وطنٍ صغير شرّع الأبواب والجبال والصدور نحو كلّ خارج. تُطرح البذور السوداء مجدداً وبطثافةٍ في الأرض وتُروى منهم جميعاً وأراها تبزغ من جديد لتدمير هذا "النونو" المسكين وتجرف مستقبل أجيالنا الطريّة بناتاً وأولاداً وأجنّة من بطون الأمهات.

حاولت ثالثاً، مع مجموعة من الزملاء الإشارة إلى هذا السفر التوثيقي الدقيق لدى بعض السياسيين الذين احتفظوا ببعض عقولهم تذكيراً وتنبيهاً وإدراكاً وخوفاً وتطويقاً لما هو آتٍ لأنه سيكون أضعاف أضعافٍ لما كنّاه نحن الآباء والأجداد وعشناه. دفشنا لأجل دوران أحجار الطواحين السياسية والإعلامية لفكّ عقدة إنتخاب رئيس جديد للجمهورية في لبنان وحفظ تشرذم الدستور الباقي يتيماً شحّاذا منذ ولادته في الطائف 1989 على أبواب الأمم، لكننا وجدنا أنفسنا في أفخاخٍ مهدورة متواصلة من الأشواك والأحقاد إلى طوفانٍ من النصوص والأفكار والمواقف المقصودة العميلة التي لا تقول شيئاً لكنها حافلة بالتناقض والرفض والأنانيات والكيديات والإنشقاقات والإدعاءات المرضية ورسم الفيالق الهائلة المتورّمة التآمر العام بين شخصيّاتٍ سياسية هي هي متعددة المشارب والمواقف والمذاهب يتبعها بعض برلمانيين ورؤوساء كتل برلمانية وزعماء أحزاب طائفية ومرجعيات دينية ومذهبية وأجيال شبابية صافية متلاصقة ومتفرّقة وفارغة الحجج ومتصلبة المواقف أضعاف رؤوسائهم، والأسلحة تتكدّس في الحناجر وخلف الأبواب وفي المخازن .....

يُظهر كلّ فريق لجماعته وللعالم بفوزه وبأنّه الأقوى والأحق إنطلاقاً من متانته وتأسيساً على نِقَاط الضعف لدى الفريق الآخر الذي يجب أن ويبقى خاسراً ولكنّه يكابر على إظهار النجاح. هكذا تختلط الهويات المتناقضة مجدداً بعيداً من الحوار والتسويات والتحكيم البعيد عن مناخات الحوار والمصالحة لتتراكم الإستحالات ويفقد التفاوض معانيه بما يظهر الخصم أبداً في مواقع السقطة والدونية والتشويه في عالمٍ مجنونٍ لا تعنيه الملفات والحجج والأسانيد المتقابلة بل يغالي بانتظار الكلمة بل الإشارة الدولية السريّة عبر سبابةٍ لطالما تمرّست بحكّ الرؤوس الفولاذية وتحويل لبنان حقل تجارب خطير وحروبٍ مرّة ومريرة ليجترّ التاريخ الدماء وتُكتب الوثائق في الموسوعات حتّى الأبد اللبناني.

 

*أستاذ مشرف في المعهد العالي للدكتوراه

عضو الهيئة العليا للإشراف على الانتخابات

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment