مكافحة " المحتوى الهابط" بين عورة السياسة و مفاتن الانتخابات

02/15/2023 - 12:29 PM

Atlantic home care

 

 

 

 

 

مسار عبد المحسن راضي- كاتب و باحث عراقي

و

جوزيف صليوا - برلماني عراقي سابق

 

يبدو إنَّ نظام العُصب الحزبية؛ الذي يحكم العراق، قرر باسم السُلطات الثلاث، أن يستخدم حكمة: "كلما كانت الحقيقة أكبر، كلما كانت الجريمة أكبر" (رودني أ. سموللا، حرية الفكر في مجتمع مفتوح). لتنحيف "المحتوى الهابط" على السوشيال ميديا. استخدامهُ تحديداً مثل (الكورسيه – المشد)؛ الذي تستخدِمُه المرأة لإعطاء انطباعٍ جمالي، عن رشاقة الجسد؛ الذي لا تمتلِكُه في الحقيقة. هذا الكورسيه الإنجليزي، يستخدم لقياس جريمة "القذف و التشهير".

أهمُّ رأسٍ في تنين العراق الديموقراطي.. السُلطة القضائية، اعتبر صُنّاع المحتوى المرئي (الفيديو)، أو ما يعرفون بـ "الفلوغرز، من الرجال و النساء، و الذين يُقدِّمون محتوىً مُخِلَّاً بالنظام العام و الآداب، مُمارسين نوعاً ما لجريمة القذف و التشهير بالمجتمع العراقي. لهذا لجأ للمادة (403/ عقوبات)، لتكون كورسيه أخلاقي، قُدرته الإلزاميَّة، مرتبطة بكمِّ المطاط؛ الذي تستطيع غابات الأمازون السياسية توفيره، و مُفصَّلاً بالثقب التشريعي في البرلمان العراقي، المُصاب قلب الصالح العام فيه، بفتحة أوزون كبيرة.

هنا سؤالٌ ذو رأسين، بات مهماً طرحُه: من يعرِضُ "المحتوى الهابط" و هل كان التنينُ الثلاثي بسبب انشغاله في "صراع العروش" الحزبيَّة معزولاً عن الواقع؟

الإجابة الواقعيَّة: إنَّ معظم القنوات الفضائية العراقية؛ التي تمتلِكُها العُصب الحزبية، كانت تعرِضُ مُسلسلاً موازياً من "عائلة كارداشيان". البطولةُ فيه ذات رأسين أيضاً: فتاة تحكي عن فِهمِها الجسدي للعالم السياسي، و مسؤولٌ خفي تتكلَّمُ عنه! لا نعرف طبعاً إن كان هذا المسؤول، من وزن أبن خالة الخيَّاط؛ الذي جهَّز ثوب العُرس (مقطع من مسرحية الخيط و العصفور العراقيَّة، وظَّفناهُ هنا كي يدُل على حاشية المسؤول و صِغار المسؤولين)، أم من أولئك الكِبار الذين يختفون في قمة الحياة السياسيَّة؟

زميلي في كتابة المقال، كتب كثيراً من التفصيلات عن تلك الحقيقة، تحت عنوان (فياغرا رينجرز)، قبل أكثر من ثلاثة شهور! إذاً "المحتوى الهابط" كان نوعاً ما من الوعظ الديني البائس، المُستخدم أحياناً في الدراما العربية، و الذي مفادُه: الأغنياء، السياسيون، و المسؤولون الكِبار يعيشون في عالمٍ بلا أخلاق.. لذا عليكم أن لا تكسروا عُنقكُم بالنظرِ إلى فوق!

 عودُ الثِّقاب الحقيقي؛ الذي حَرَقَ لا مُبالاة الثُلاثي، كان مقتل المدوِّنة العراقية طيبة العلي، بسبب مُلابسات مقتلِها، و التي نُشِرت في أوائل فبراير 2023. الاتهامات التي وجهتها العلي – رحِمها الرب - لأقرباءٍ لها من الدرجة الأولى، كانت صادِمة، و في مجتمعاتٍ مُحافِظة، مثل المجتمعات العراقيَّة، كان ذلك فضيحةً، لا بُدَّ من دفنِها عميقاً، و بعيداً عن سطح الاهتمام الشعبي.

أنا أجِدُ صدور أحكامٍ بالسجن، بحقِّ ناشِريْ "المحتوى الهابط"، بأسمائهم الواضحة، بأنها تضعُ هذهِ الحملة القضائيَّة، ذات الرأس الأخلاقي، تحت بلطة الشك! لأنها الآن وقبل ذلك، انزلت بِلاطةً سميكة، على ذِكر الأسماء الصريحة لـ تجار المواد المُخدِّرَة، المؤثرات العقلية، البوَّاقون الطائفيون و العرقيَّون، و سُرَّاق أموال الشعب.

أعلمُ أن الاستقطاب الحزبي؛ الذي يبتلِعُ السُلطتين التنفيذية و التشريعيَّة في جوفِه، يُصعِّبُ المهمة على السُلطة القضائية. ربّما يدفعُها أحياناً، إلى الازدواجية في التعامل مع القانون، كما هو الحال الآن، لكن ذلك يُضعِف ثقة المواطن العراقي بأهم مؤسسة، ألا و هي القضاء.

هذا العَدو البرَّي للأحكام القضائية، و بدون وجود سرجٍ قانوني واضح، لا يُساهم في القبض على القيم الفاضلة لصالح المجتمع، ولا يُحافِظُ عليها. منع هروب الفضيلة، لا يكون بترهيب المواطن بسوط القانون، إنّما إقناعُه، بأنَّ القانون موجودٌ لأجله، ولحمايته. النتيجة الحتميَّة ولو ببطء، لا يُناسب البورصة السياسيَّة، إنَّ المواطن سيحترمه. لاجئاً إليه كُلَّ مرَّةً، حينما يشعرُ بالغبن.

هنالِك أيضاً استغلالٌ سياسي لمكافحة "المحتوى الهابط"، يُرادُ منه أن يكون حصان السبق، في الانتخابات القادمة، من قبل الأحزاب الدينيَّة و العرقيَّة، المستولية على "طابو" العملية السياسية، المختوم إيرانياً و أمريكياً، مع توقيعات دولية بخطٍّ اقتصادي، يظهرُ مع هذا الختم أو ذاك.

كيف يجري الاستغلال السياسي إذاً و لماذا؟

الفقر، البطالة، و اليأس، الناتِجة من الصراع الحزبي العراقي، بأجندتِه المعوَّلَمة سياسيَّاً، إضافةٍ إلى قِلَّة اختلاط العراقي، بالعالم الخارجي عن طريق السفر (علاقة المواطن معه،ـ تذكِرةُ سفر، تكفي لذِهابٍ دون عودة.. إمَّا لجوء و إمَّا هُجرة)، جعلته "المواطن الرقمي"، بحسب المصطلح الذي صاغهُ مارك برينسكي، و هو خبيرٌ تقني. شروط برينسكي، للحصول على الجنسيَّة الرقمية: "البراعة و الأُلفة و التلقائية في التعامل مع التقنيات الرقمية" (سوزان غرينفيلد، كيف تترك التقنيات الرقمية بصماتها على أدمغتِنا) .

المواطنةُ الرقميَّة الكاملة، تشمِلُ الفئات العمرية الصغيرة؛ التي تصِلُ نسبتُها إلى ستين في المائة، بناءً على إحصاءاتٍ عراقية و عالمية. دور"الفلوغرز" معهم، مهمٌ جدّاً سياسيَّاً. توم روش، خبيرُ تخطيط و تنفيذ حملات إعلانية، بيَّن قُدرتهم على: " الوصول إلى الجمهور الصعب الوصول إليه، خاصَّةً الفئة العمريَّة، من السادسة عشر إلى الرابعة و العشرين".

فيلة "المحتوى الهابط"؛ التي تعيشُ في الحظائر السياسية، آن لها أن تستمتع، بتقليل أعداد الخراطيم المنافسة لها، في أحراش السوشيال ميديا. هكذا، سوف يُعاد تدوير الذباب الفضائي (لا الإلكتروني) الشهير للأحزاب العراقية، من أجل الانتخابات القادمة.

قانون سانت ليغو الانتخابي، القضاء على أي نوعٍ من المُعارضة، تصفية الخصوم السياسيين و.. إلخ، تحتاجُ ما تقدَّم. أمَّا "الفلوغرز" الذي قُلِّبَ على نار الأحكام القضائية؛ فقد اُستخدِموا كتحذيرٍ سياسي، بلغةٍ رقميَّة، للنشطاء المدوِّنين، الإعلاميين، و كُلِّ لِسانٍ و موقف، لا يفهم قوانين الغابة.

 المذهبيون و العرقيَّون الفاشست في العراق، أرادوا من "الفلوغرز" و ما زالوا، أن يعملوا و بكلمات روجر أوين كـ: " الاستراتيجية المُثلى لأي نظام فاشستي. تدمير من لا يستطيع أن يُسيطر عليه، وإعادة خلق وتنظيم من يتمكن من احتوائه" (الدولة و السلطة و السياسة في الشرق الأوسط).

ندعو المثقفين العراقيين بدورنا، أن لا يُخدعوا بـ "الهُدأة العارفيَّة" بينهم و بين النظام السياسي. فوزي كريم الذي سكَّ هذا المصطلح، ليشرح حال المثقفين العراقيين، في ستينيات القرن الماضي، في عقدِ سنين حُكم الرئيسين الشقيقين، عبد السلام و عبد الرحمن عارف: " حققوا هويتهم داخل حركة ثقافية استثنائية في مرحلة حكم العَارِفيْن؛ التي جاءت مثل هُدأة صمت، بعد مرحلة "البعث" الانقلابية الدموية. لم تكن مرحلة إصلاحية، بل مرحلة فراغ، و السُلطة فيها ليست كُليَّة الحضور في حياة الفرد و المجتمع" (تهافت الستينيين). نحنُ لا نُريد لمثقفنا أن يكون مِبرداً للأنياب الحزبية؛ التي ستخلعهُم، بعد فوزِها الدولي بالانتخابات القادمة!

الحملةُ هذه بإطارها الخارجي، ترهيبٌ للشعب. أمّا عمَّن أعلن الخوف على سمعة المرأة العراقية، بسبب "المحتوى الهابط"، مُستذكِراً ما فعلهُ النظام السابق، مع عاملات الجنس، فقد كان عليه الولوج، إلى حقيقة الأشياء، باستخدام "الباب الضيَّق" الذي كرَّز به السيدُ المسيح، و دخلت منه كلماتُ الإمام علي: أينما ذهب الفقرُ إلى بلدٍ قال لهُ الكُفر خذني معك! و الذي طارَدَهُ الفاروق عمر في الأسواق، لكي يُنقِص طبَّاخات الماءِ حساءً. إنَّ تعرية سيقان الخطايا السياسية، أفضلُ ألف مرَّة من تنوَّرةٍ أخلاقيّة، مملوءة بنقوش مربعات بقاء الحال على ما عليه.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment