الحب عند الفلاسفة

02/14/2023 - 10:46 AM

Arab American Target

 

 

المترجمة دعاء عبد الكريم

 

يجتر الفلاسفة كل القصص المنسية لربما تكون إحداهن من مسببات الفيلوفوبيا التي جعلوها الآخرين صفة ملاصقة لهم لينطلقوا بعدها بوضع السبب في كفة والمسبب في كفة أخرى ليثبتوا للعالم بأن الحب ما هو إلا دستور مفروض وموجود ومقترن بالقلب تارة وبالعقل تارة أخرى.

مثلاً المحللة النفسية الروسية لو أندرياس سالومي (محبوبة فريدريك نيتشه) المرأة التي اطفئت شرارة الحب في قلبه بحبها للحكمة وجعلتهُ فيلسوفاً مجنوناً طرح أفكار وأسئلة غير مطروقة في الفلسفة، لربما لم يعجبها أحد أمهر تلاميذ المدرسة المشائية اليونانية لكثافة شاربهِ تتفق معظم النساء إن تقبيل الرجل من دون شارب مثل أكل البيضة من دون ملح لربما نيتشه قد بالغ فيهِ للحد الذي بث الرعب في نفس سالومي.

لكن لولاها لما تكلمت زرادشت بهذهِ الروعة ولما أصيب نيتشه بجنون العظمة ولما خطت أناملهُ بديع الكلام النيتشوي الذي يصف فيهِ جمال العزلة رغم أنها قاسية والترفع بالذات عن كل ما يعكر صفوها: (كبرياؤك الصامتة تتعارض دوماً وذائقتهم؛ يطربون عندما يحدث لك أن تكون على قدر من التواضع كي تكون مغرور. ذلك الذي ندركه في امرئ ما، نؤججه أيضاً إذاً من صغار الناس! إنهم يشعرون بأنفسهم صغاراً أمامك، وفي سرّ دواخلهم يضطرم ويتأجج انتقامهم.

ألم تر كيف أنهم غالباً ما يصيبهم البكم عندما كنت تقبل عليهم، وكيف كانت طاقاتهم تغادرهم مثل دخان يصعد من نار أطفئت للتو؟ أي نعم يا صديقي الضمير القلق أنت بالنسبة لأقربائك، ذلك أنهم غير جديرين بك؛ هكذا يحقدون عليك ويودون امتصاص دمك.ذباباً ساماً سيكون ذوو قرباك دوماً؛ وإن ما هو عظيم لديك هو الذي لا بد أن يجعلهم أكثر سماً وأكثر فأكثر ذُبابية. إلى الأعالي يا صديقي إلى وحدتك هناك حيث يهب هواء حاد وقوي. فليس قدرك أن تغدو منشّة لطرد الذباب).

 أما زَنبيپ حبيبة سقراط وزوجتهُ كانت امرأة عنيدة شرسة وشديدة القسوة إلا أن فصاحة لسانها ورجاحة عقلها هي التي جعلتهُ يقع في حبها الحد الذي جعلهُ يتحمل كل تذمرها وتأنيبها الدائم لهُ فعندما سألوهُ عن سبب إختياره لها قال: ( إن على مروضي الخيول تجربة أكثر الحيوانات جموحاً). لعلهُ فهم الحب أكثر من غيره وإن صح التخمين فإن للفلسفة مساحة لا حدود لها من إلتماس الأعذار للطرف الآخر فبينما كانت نساء أثينا القديمة يتدربن على آداب معاشرة الرجال لتهيئتهن للزواج كالتحدث بهدوء مع انتقاء الألفاظ كانت زَنبيپ تكيل السباب لزوجها سقراط كان يضحك بحرارة في كل مرة تسكب عليه الماء المتسخ أثناء طرحهُ للأفكار الفلسفية، ذات مرة وبخته أمام تلاميذه، ثم سكبت الماء المملوء بالقاذورات على رأسه، قال لتلاميذه: (ألم أقل لكم أن الرعد يأتي أولًا، ثم ينتهي بهطول الأمطار؟).

وحدهم الفلاسفة يدركون بإن الكون كلهُ أُسس على نظام ضريبي والدليل سقراط سألهُ تلميذهُ عن سوء معاملة زوجتهُ له أجاب:(مع مرور الوقت ستعتاد على صوت الإوز الذي يمنحك البيض تارة والقاذورات تارة أخرى). هذا الكم من النكد جعل سقراط فيلسوفاً متبحراً في فهم فلسفة الذات حين قال:(إن نفس الإنسان ليست متجانسة بل تتألف من ثلاثة عناصر، وهو يشبهها بطاقم عمل، علينا تخيله مثل عربة سباق قديمة تتشكل من جوادين وسائق عربة.

وفي واقع الأمر يتطلب ضبط العربة في المضمار مهارة فائقة، ويصبح الأمر مغامرة، فيها كسر رقبة، عندما يكون الطاقم من قبيل طاقم النفوس "فايدروس"، حيث أحد الجوادين فقط عريق الأصل، طيع ونجيب، فيما الآخر رديء، جموح وعاتِ. وفوق ذلك في حال تدخل إيروس في اللعبة الآن، أي عندما تبدأ النفس الثلاثية العناصر بأن تحب، وتصير مرئية من طرف المحبوب، عندها يفلت كلياً زمام أمر الطاقم غير المتجانس. يندفع الجواد الرديء بجموح مثل مقاتل ثمل، فلا بد من سوطه وشد لجامه بعنف عدة مرات متتالية، إلى أن تؤلمه جوانبه ويدمى فمه ويخضع أخيراً بذلٍ لإرادة سائق العربة، ويقترب من المحبوب مثل الجواد الأصيل بتهيب وتواضع. وبعد الوقوع فيشرك المحبوب وكسب رضاه، ينمو لدى المحبوب حب مقابل، فيرحب الجواد بأن يلمس ويربت عليه ويتلقى القبلات إلى أن يحط على الفراش).

فالفلسفة أرتبطت منذ انبثاقها الأول بالحب، بوصفها شكلاً من أشكالهُ العليا. كان لدى الإغريق القدماء مصطلحات شديدة الدقة والتمييز لكلمات "الحب" و "يحب". ويتجلى هذا بادىء ذي بدء، في المصطلح "الإغريقي" Eros. وقد كان يعني في البداية "الرغبة". فهو عند هوميروس في "الإلياذة" لا يعني حصراً الرغبة في المرأة، بل الرغبة في الطعام والشراب. ففي اليونان القديمة مثلاً، إذا رمى رجل تفاحة على امرأة فهذا تعبير عن الحب ويُعني أنه يريد الزواج منها وإذا قامت بالتقاطها فهذا يدل على الموافقة. فالحب فلسفياً هذا الأسم صيغت بهِ الصفات التالية: erateinos, erannos, eroeis,  التي تعني "جذاب" و "جميل" فيما يتعلق بالناس والمواد والأفعال. كما تم إستخدامهُ على نطاق واسع فعل"eran" والتي تعني "رغب" و "كان عاشقاً".

ومن هنا صيغ فعل "erathenai" وتعني ـ "عشق"،"استحوذ على الرغبة". وجميع هذه الكلمات كانت متعلقة بالجانب الجنسي. كما كان يستخدم مصطلح "philia" الذي أكتسب معنى"الحب" ولكن ليس في الجانب الجنسي بالضرورة. والنعت "philos" كان يعني "القريب"، "العزيز"، "الغالي"، وكان الأسم " philos"يعني "الصديق" أو "القريب". إضافة إلى ذلك، كان عند الإغريق مصطلح "agape" والصفة المشتقة منه "agapan" (كان راضياً، شبعاً). أن الثقافة الإغريقية القديمة لم تولد مصطلحات متنوعة، مرتبطة بمفهوم "الحب" فحسب، بل وخلقت أجناساً أدبية عديدة، مرتبطة بوصف الحب وعاطفة الحب. قد يكون من المغالطة تصورنا بأمكانية إستخلاص إتفاق بين الفلاسفة حول مسألة الحب.

فقد نفى آرثر شوبنهاور عن إناث البشر أي سحر جسدي حقيقي. وأضاف أننا نخطىء حين نطلق لفظ "الجنس الجميل" على تلك المخلوقات القصيرة، عريضة الأرداف. وكما هو الحال عند الحيوانات، فأن الذكر هو النوع الأكثر تميزاً في كل الأجناس. بينما تسمية "الجنس الضعيف" تلائمهن تماماً، إلا أن خطورتهن تكمن في قلب هذا الضعف. مثل الأسد الذي يدافع عن نفسه بقواطعه، والفيل والخنزير، فلهم وسائلهم الدفاعية. كذلك المرأة تشبه الحبار الذي يطلق حبره ليحيل الماء من حوله ماءً حارقاً، اذ لا تملك سوى التموه لتدافع عن نفسها، فهي تستغل موهبتها ببراعة تامة للأيقاع بالرجال. ويختم آرثر شوبنهاور قائلاً من هنا ينبع خداعها الغريزي وميلها الدائم للكذب.

فلا يوجد وجه تشابه بين الأذعان الكامل الذي أوصى به شوبنهاور، والسمو المطلق الذي نادى به جان جاك روسو. فهما تياران متباينان كلياً، وتعايشا على الرغم من ذلك. وعلى أثر فولتير ومقالته "حب" في كتابه قاموس فلسفي، نستطيع أن نجسدهما بأسمين رمزيين، حيث قال إنه مهما يكن من يريد أن يختبر "تلك المادة الفلسفية بعض الشيء "لابُد أن يتأمل المأدبة لأفلاطون، والتي كان فيها سقراط عشيقاً مخلصاً لألسيبيا وأجاتون، كان يتحدث معها حول "ميتافيزيقيا الحب".

أما الآخرون، ذوو المزاج الأقل حساسية، فقد مالوا ناحية لوكريس الذي "تحدث عنه كما يتحدث الفيزيائي" كما أكد الفيلسوف دو فيرني. أذن فهما محوران متعارضان جذرياً. ما من شيء مشترك في الحقيقة بين أفلاطون الذي يجتهد ليرى في شرور الحب الطرف المقابل الذي لا غنى عنه للأحتفاء اللذيذ واللاأخلاقية التي يوفرها الحب للبشر، أما لوكريس فقد دعا الى أدمان العلاقات الجنسية المفتوحة هرباً من خطر العاطفة المستمرة. فمن ناحية يبين السحر الأبيض للحب، ومن ناحية أخرى سحره الأسود. فهناك العديد من أنواع الحب، نزوة الأيام، الأستلاب المقيد، الفتور المستمر، الجموح الخاطف، الأعتياد البارد.

أما الحب نحو محيط الجمال فقد واجه أفلاطون "الرغبة المشؤومة" للشاعر لوكريس، الوهم الخادع للعاطفة الجياشة التي وصفها من بعده، بالرغبة المجنحة، والخصوبة الروحية للحب. فالحب عندهُ، يهدف الى السعادة، وليس الى الأكتفاء بأيام عابرة لنزوه شهوانية مؤقتة، إنما في إرضاء وتجديد رغبة متقدة دائماً. فقد كتب جان جاك روسو في الإعترافات إنه لم يعرف حباً حقيقياً، "فالحب حيلة معدية، رجل كاد أن يموت دون أن يعرف ذاته".

فإختيار المعشوقة مسألة حميمة جداً، في الغالب الأعم يحدث نتيجة ما يمليه التطابق غير الشخصي. أو لأسباب كأن ننجذب بشكل لا يقاوم لما ينقصنا. عرف روسو تلك الحقيقة قائلاً: ما من حب دون أن يجرح، وما من حب دون أن نذبل فيه.

ما من تعلق دون قلق يفيض من الأعين الحد الذي تطفح المُقل بالدموع الساخنة. فالمشاعر جميعها مُعذبة و معذَبة. لم يكف عن الإشارة لخيالية الحب، لكن وعلى الرغم من كونه نابغاً من الخيال، إلا أن آثاره واقعية تماماً. "الحب ليس إلا وهماً، أعترف بذلك إلا أنه يحوي حقيقة واحدة تتمثل فيما يولد فينا من شعور بالجمال الحقيقي الذي يجعلنا نحب. هذا الجمال لا يتمثل فيما نحب بل هو من صنع أخطائنا.

ماذا؟ هل تضمحل الجوانب المنحطة من ذواتنا من أجل هذا النموذج الخيالي؟ هل يجعلنا الحب نتخلى عن الأشياء الوضيعة في الحياة؟ أين هو العشيق الحقيقي غير المستعد للتضحية بحياته من أجل عشيقته، وكيف تتولد المشاعر الحسية، بل والفاحشة، عند إنسان يريد الموت؟ فنحن نسخر من ذوي الخفة! فما يعرفون عن الحب ولا نقره نحن هو العربدة". أما أفلاطون يرى أن: "العشق قوة غريزية متولدة من وسواس الطمع وأشباح التخيل، نام بنصال الهيكل الطبيعي، محدث للشجاع جبناً وللجبان شجاعة، يكسو كل إنسان عكس طباعه حتى يبلغ به المرض النفساني والجنون الشوقي، فيؤديانه إلى الداء العضال الذي لا دواء له".

ثم قال: ما أدري ما الهوى لا محمود ولا مذموم، كما وعرف الحب بقوله: الحب قوة توطد العلاقات وترسخها بين المخلوقات وإن ابتسامة الحب تلمع بين الأرض والسماء. والحب إرادة ثابتة جذابة تجذب الجنسين وتجعلهما واحداً. ويختم أرسطاطاليس: العشق عمى العاشق عن عيوب المعشوق، ولو لم تكن في المحبة إلا أنها تشج قلب الجبان وتسخي كف البخيل، وتصفي ذهن الغبي وتبعث حزم العاقل وتخضع لها الملوك وتفقد لها صولة الشجاع وينقاد لها كل ممتنع لكفى بذلك شرفاً وجميع ما قاله يشهد له الحسن والتجربة". 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment