الدكتور عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *
عانت إيران عزلة منذ الثورة الخمينية 1979 حتى عام 1997 عندما توصلت السعودية إلى اتفاق جزئي مع الرئيس محمد خاتمي لكسر حالة الجمود التي مرت بها إيران والتي اتسمت بعد الثورة، كذلك وقعت السعودية مع طهران عام 2001 بنودا لمكافحة الإرهاب، ومراقبة الحدود البحرية والمياه الإقليمية، لكن مرحلة ما بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 أعطت إيران حافزا لإحياء إمبراطوريته التاريخية لم تستفد من درس صدام حسين في أن أمريكا دائما ما تقدم الطعم لتوريط حلفائها.
فعندما علمت أمريكا باحتلال صدام حسين الكويت لم تمنعه أو تقدم له تحذيرا، بل غضت الطرف، وكأنها توحي له أنها موافقة على احتلاله الكويت ولن تتدخل إلى أن شكلت دول الخليج تحالفا بقيادة أميركا لإخراج صدام حسين من الكويت تحملت تكاليف باهظة جد افي استضافة القوات وإخراج صدام حسين من الكويت، أثرت على تنمية المنطقة بما في ذلك العراق، حلم عودة أحلامها التاريخية جعلها تتعمد التغافل، بل اعتقدت إيران أن بعد مساعدتها أمريكا في احتلال أفغانستان والعراق ستكفأها أمريكا.
اتسمت تلك الفترة بالتوترات السياسية، ثم أتت مرحلة ما بعد الثورات العربية التي كانت مرحلة التمدد الإيراني على حساب السعودية، وبدأت إيران تتفاخر من أنها تحتل أربع عواصم، ما جعل السعودية تشكل تحالفا لمواجهة النفوذ الإيراني في اليمن.
كانت تتابع السعودية التدخل الإيراني في صراع الحوثيين مع الحكومة اليمنية، لكن أخذ هذا الدعم طابعا سافرا وتغيرا واضحا منذ عام 2011، وهي الأوضاع التي شكلت مشهدا سياسيا معقدا ومضطربا، أتاح لإيران مجالا رحبا لتعزيز دورها، وتوسيع نفوذها على الساحة اليمنية، باعتبار أن اليمن أهم النُّقَط التي تشرف على ممرات دولية في البحر الأحمر بهدف التأثير على المعادلات السياسية والتوازنات في الجوار الإقليمي، وهو ما يثير تساؤلات حول انعكاس الدور الإيراني في اليمن بواسطة استقطاب الحوثي الذي يعتمد التعامل مع فاعلين دون الدولة على أسس مذهبية على نحو معزز للانقسامات، والأثر على الأمن الإقليمي المخل بالتوازنات السياسية والمقوض للاستقرار.
وكلما كان هناك فراغ سياسي ناشئ عن هشاشة الدولة اليمنية نتيجة الصراعات والتجاذبات وامتلاك الحوثي الأسلحة أو تحالفه مع علي عبد الله صالح ومن ثم استحواذه على سلاح الدولة ثم التخلص منه حتى أصبح الشعب اليمني رهينة الحوثيين، ما جعلهم يصادرون مؤسسات الدولة.
اعتبرت السعودية أن الدور الإيراني في اليمن عنصر مهدد للأمن والاستقرار الإقليمي وانعكاسها على الأمن الإقليمي وعلى توازن القوى في الإقليم، وانعكاسه على استقرار البني المجتمعية والسياسية في دول الجوار الإقليمي، وانكاسه على أمن الممرات المائية، وانعكاسه على تنامي التنظيمات المتطرفة، حتى أصبح اليمن خاصرة رخوة في جنوب الجزيرة والسعودية بشكل خاص.
نحن أمام مرحلة جديدة بعدما أصبحت السعودية تتصدر المشهد ببعده الطاقوي على المستويين الإقليمي والدولي التي أعطاها مساحة للعب دور أكبر مقابل تضاءل تأثير إيران، الذي تمدد النظام الإيراني عبر النظام الدولي السابق، لكن قواعد النظام الدولي الجديدة تغيرت وأصبح يدعم هذا الحراك الذي ترعاه السعودية، خصوصا بعد الهجمات التي طالت قلب إيران في أصفهان، وكانت رسالة من أن المشهد السابق توقف، وزيارة مبعوث أوروبا والسفراء للرئيس العليمي في عدن رسالة لإيران أن المشهد تغير، خصوصا بعد مصالحة العلا وحدوث تقارب سعودي عماني.
وفي نفس الوقت يرى الحوثي أن مصالحه لابد وأن تلتقي مع الجهود الدولية، والسعودية لديها أوراق كثيرة خصوصا وأن الحوثي أدرك أنه لم يتمكن من احتلال مأرب، وإذا لم يستجيب فالموقف الدولي قد تغير، خصوصا بعدما أصبح تأثير إيران ضعيف، وهناك اتفاق مجتمعي في وقف تهريب الأسلحة للحوثي.
تنظر السعودية للوحدة اليمنية من خلال نظرتها المتساوية لجميع مكونات الشعب اليمني، وهي تتجه نحو ترتيب البيت اليمني الداخلي، وطوعت من أجله دبلوماسيتها، وقدمت دعمها للرئيس العليمي وحكومته اليمنية الجديدة، وترفض السعودية فصل الحوثي الجانب الإنساني عن الجانب السياسي وترحيله، وتؤكد رفض هذا الابتزاز، وعودة الرئيس العليمي إلى عدن له دلالات خصوصا في دعم السعودية تشكيل قوة عسكرية تحت اسم درع الوطن تحت رئاسة الرئيس العليمي من أجل توحيد كافة القوات تحت قوة واحدة، وهي مرحلة تصب في بناء الدولة اليمنية الجديدة التي ستهمش تدريجيا قوة الحوثي، وسيجد نفسه بلا أجنحة وبلا دعم عندها سيتم الانقضاض عليه لكن تفضل السعودية اقناع الحوثي بالاندماج في المجتمع اليمني الجديد.
* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا













02/12/2023 - 11:17 AM





Comments