الموقع الذي صانه الطائف وأطاح به الأقزام

02/12/2023 - 06:27 AM

Atlantic home care

 

 

المحامي فؤاد الأسمر

 

لم يشهد لبنان، طوال عقود مديدة بعد الاستقلال، تعطيلاً متعمداً للانتخابات الرئاسية، إذ كانت تجري بمواعيدها دون أي ابطاء، وإن أول تعطيل لها تحقق في العام ١٩٨٨ بعد انتهاء ولاية الشيخ أمين الجميل.

خلال فترة الفراغ المميت والحرب التي عصفت بلبنان آنذاك، جرى توقيع اتفاق الطائف الذي أدخل سلسلة تعديلات دستورية، بما فيها اعادة توزيع صلاحيات السلطة الاجرائية بشكل ينسجم مع النظام البرلماني.

مع التأكيد على أن اتفاق الطائف لم يلغِ دور وحضور الرئيس بل حرص على ايلاء الاحترام لموقعه كرمز لوحدة البلاد والمؤتمن على تطبيق الدستور والقوانين، والساهر على مؤسسات الدولة، كما حَفظ له جزءاً من صلاحياته.

مع العلم أيضاً، أن الدستور منَعَ بشكل جازم الفراغ في سدة الرئاسة، واعتبر أن شغور منصب الرئيس يفرض على المجلس النيابي أن يلتئم "فوراً" وفقط بصفته "هيئة انتخابية"، وحرّمَ عليه ممارسة أية مهام أو صلاحيات سوى انتخاب الرئيس.

وكذلك، نص الدستور، على أنه عند خلو سدة الرئاسة لأية علة كانت تناط صلاحيات رئيس الجمهورية "وكالة" بمجلس الوزراء، أي بصورة مؤقتة واستثنائية ومحصورة بتسيير شؤون المرافق العامة منعاً لحدوث الفراغ فيها. ومن باب أولى، فإن صلاحيات الحكومة المستقيلة، عند فراغ سدّة الرئاسة، أضيّق بكثير من صلاحيات الحكومة غير المستقيلة.

ومع العلم أيضاً، أن العرف الدستوري أعطى للرئيس حصة وازنة في الحكومة وكرس له دوراً واسعاً في الحياة السياسية والدستورية.

وبالتالي، مَن أساء فعلاً للرئيس ومقامه وصلاحياته، ليس اتفاق الطائف، بل بعض زعماء المسيحيين الذين قزّموا الموقع وتاجروا به واستغلوه لإقصاء منافسيهم وتحطيم معارضيهم، وقايضوا السلطة بالبازارات الآثمة، فكبّلوا الرئيس وألبسوه ثوب العجز، الأمر الذي حطّ من هيبة المقام ورمزيته واحترامه.

وما يزال بعض مرضى السلطة يمارسون الشعوذات ذاتها ممعنين بالفراغ وتعطيل الانتخابات على قاعدة "أنا أو لا أحد" ما ادى الى ذهاب مجلس النواب وكذلك مجلس الوزراء المستقيل الى استغلال "صراع الموارنة على السلطة"، وعمدا الى مخالفة الدستور بوقاحة، وممارسة مهامهما العامة بصورة عادية تحت ذريعة تأمين المصلحة العليا للدولة، وصولاً الى الاحجام عن تعيين جلسة لانتخاب الرئيس، بحيث أصبح موقع الرئاسة مجرد فولكلور ولزوم ما لا يلزم.

فهل يرتدع من ينادي بحماية حقوق المسيحيين عن التهشيم بهم وبموقع الرئاسة الأولى؟ أم أن مرض السلطة لا بد وأن يفني الجميع؟

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment