السباحتان!

02/11/2023 - 12:11 PM

A

 

 

 

 

بقلم: ألفة السلامي

 

"اسبح من أجلي، من أجل كلِّ من ماتوا وهم يحاولون العثور على حياة جديدة؛ اسبح من أجلنا جميعًا ". هكذا لم يعد السباحون يسبحون للحصول على الميداليات، بل يسبحون من أجل حياتهم بعد أن أجبرهم الرعب في دمشق بسبب الحرب الأهلية في سوريا على خوض المستحيل. ذلك هو ملخص الفلسفة التي يدور حولها فيلم "السباحتان" استنادًا إلى قصة واقعية، وتقود أحداثها المثيرة المخرجة المصرية البريطانية سالي الحسيني من خلال شقيقتين سوريتين، سارة ويسرى مارديني، كلتاهما سباحتان موهوبتان، أثناء فرارهما من الصراع الدائر في بلدهما على أمل الفوز بفرص حياة أفضل في ألمانيا.

الفيلم الحائز على جائزة بمهرجان تورنتو الكندي يُعرضُ على منصة نتفليكس منذ الثالث والعشرين من نوفمبر الماضي، بينما كان عرضه الأول في الشرق الأوسط من خلال مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الماضية. وتنسج الكتابة الجذابة للسيناريست البريطاني جاك ثورن خيوط الأحداث. وتصور الشابتان المفعمتان بالحيوية والنشاط أثناء تدريبهما على السباحة من طرف والدهما الذي كان سباحًا أيضًا؛ وقد حالَ تطوعه لأداء الخدمة العسكرية في جيش بلاده في مطلع شبابه دون تحقيق حلم المشاركة في الألعاب الأولمبية.

ونلمس طوال الفيلم كيف أنه مايزال قابضًا على حلمه وينقله إلى ابنتيه ليصبح حلمهما أيضا، خاصة يسرى التي أصبح هدفها الأول المجد الأولمبي. لكنْ زحفت الفوضى على حياة السوريين في 2015 واقترب الخطر تدريجيًا من الفتاتين مع ارتفاع عدد القتلى يومياً في دمشق، وشمل صديقتهما المقربة، ومع سقوط صاروخ في حمام السباحة بينما كانت يسرى تجري مرانها، زاد اقتناع الأسرة بأن مستقبل الفتيات يكمن في مكان آخر.

والفيلم مُستوحَى من قصة حقيقية للاجئتين السوريتين،الأختين ناتالي ومنال عيسى، وكيف تحولت الأخت الصغرى إلى سباحة أولمبية عندما وصلت بعد رحلة شاقة إلى برلين. تلك الرحلة التي تُجبر الفتاتان على القيام بها مع ابن عمهما مع مواجهة المخاطر من كلِّ نوع، معتمدين على الاتصالات المشبوهة للمهرّبين والنقل الخَطِر والسقوط ضحايا النصب والاحتيال لتجار البشر، وصولاً إلى ركوب قارب قابل للنفخ محمّل بعدد يفوق طاقته من اللاجئين.

ونتابع تلك المشاهد المخيفة والمحبطة أيضًا، وننجرف مع اللاجئين داخل الفوضى خلال رحلتهم الشاقّة التي كادت أن تقضيَ على حياتهم داخل البحر، حتى أصبحنا "نعوم" معهم ونسابق الأمواج ونخاطبها متوسّلين حتى تهدأ فتمنحهم فرصة الوصول للشاطىء، ونتوق إلى رؤيتهم يجدون الأمان! لقد نجح السيناريو الجريء والتصوير الرائع في الزج بنا داخل تفاصيل الأحداث وخوض تجربة الرعب وعدم اليقين في طريق اللاجئين من تركيا إلى اليونان بحرًا بواسطة قارب مطاطي محمّل فوق طاقته بمهاجرين آسيويين وأفارقة.. من أفغانستان والصومال وأريتريا، إلى جزيرة ليسبوس اليونانية. إنها رحلة الموت والحياة في نفس اللحظة، تسبح فيها سارة ويسرى من أجل حلمهما، ولكنْ جزئيًا أيضًا من أجل إنقاذ حياة الركاب الآخرين الذين لا يتقنون السباحة مثلهما.

ثم تتواصل مغامرة التهريب للعبور براً إلى المجر وصربيا وصولاً إلى ألمانيا، مع ألاعيب سماسرة عبور الحدود والاتجار بالبشر. حالة من اللهاث تنتاب المشاهدين ولكنها تعكس أيضًا نجاح المخرج في حبكته الدرامية التي تتواصل .. حيث يجعلنا نعيش الحلمَ، حلم يسرَى، بدءً من التدريب مع والدها لتصبح سباحة محترفة وصولاً إلى الطريق المؤدي إلى الأولمبياد في ريو دا جانيرو، مع تعديل الحلم الذي حلمت به مع والدها حيث تدخل يسرى المنافسة ضمن فريق خاص باللاجئين وليس فريقها الوطني، بعد تحديات كبيرة وكمّ من المخاطر صاحبت هذا المشوار وتلك المغامرة.

وفي تلك اللحظات، انهارت أعصاب المتفرج وبلغت دموعه ذروتها عند تحقيق يسرى حلمها الأولمبي وحصولها على ميدالية ذهبية وتحطيمها الرقم القياسي في سباحة 200 مترًا. إنها قصة غير عادية يرويها الفيلم هنا عن تحدي المستحيل لتحقيق لاجئة سورية لحلمها الرياضي، ولكنها أيضًا أحداث غير عادية "مخزية" تعيشها البشرية بسبب جرائم يرتكبها سياسيون ويذهب ضحيتها الناس والأوطان، ولا تليق بالإنسانية في القرن الواحد العشرين!

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment