هلمّوا نحدّد زمان ومكان إعلان الجمهوريّة اللّبنانيّة الفدراليّة!

02/09/2023 - 01:23 AM

Arab American Target

 

 

سيمون حبيب صفير

 

قد يقول قائل أن طرح فكرة تغيير النظام في لبنان، في هذه المرحلة الدّقيقة من التاريخ، مغامرة خاسرة أو ضرب من ضروب الجنون لا تحمد عقباه. وكيف يمكن تحقيقه لا سيّما تحت قبة مجلس النّواب اللبناني، وهو المجلس التشريعي، حيث يتمّ التّصويت على أي مشروع وإقراره فيصير نافذاً بعد تصويت أكثريّة النّواب عليه؟!
وهنا مكمن المشكلة بل المعضلة إذ كيف ننتقل من نظام قديم إلى نظام جديد في ظل تمسّك أكثرية النوّاب بالنظام القائم على حماية نقاط نفوذ مكوّنات معيّنة وتجريد مكوّنات أخرى من الدّور والمشاركة والحقوق. وأخذ الدستور ذريعة لحماية اتفاق حمل تواقيع أكثريّة النواب، وهو اتفاق الطائف لكنه أوصل لبنان إلى تهلكة سواء عبر سوء التطبيق او اختلال التوازن بين الشركاء!
 
ويبقى مجلس النواب في نظامنا الحالي الممر الإلزامي للتشريع وتطبيق الدّيمقراطيّة ؟!
 
لقد انتهت صلاحية اتفاق "الطائف" الذي كان نتاج توافق دُولي - عربي غربي سنة ١٩٨٩، لوضع حد لحرب تحرير لبنان من جيش الإحتلال السّوري الذي تفرّج العالم بأسره على ممارساته الشنيعة بحقّنا، والتي أعلنها آنذاك قائد الجيش العماد ميشال عون، بعد استلامه مقاليد الحكم لمرحلة إنتقالية من الرّئيس أمين الجميل المنتهية ولايته سنة ١٩٨٨، يتم خلالها انتخاب رئيس جديد..
 
كان ما كان.. ووصلنا إلى هنا.. إلى هذا المأزق وإلى هذا المفترق الخطير حيث يتحتّم علينا تقرير المصير بأنفسنا وبمساعدة دوليّة !
 
ما الحلّ إذاً أمام تشعّبات الأزمة التي نتخبّط بها والعقد والعوائق والمطبّات والتناقضات وحالة الإنفصام التي نواجهها ؟!
 
بما أنّ الشعب هو مصدر السّلطات، بحسب الدّستور، وبما الاستفتاء الشعبي لكلّ شريحة في المجتمع، من شأنه أن يحدد مساراً جديداً وجدياً في الحياة السياسية، فلنبادر إلى اعتماد هذه الوسيلة أي الاستفتاء واستطلاع الرأي، داخل كل مكوّن من المكوّنات الطائفيّة لمجتمعنا، لا سيّما بعد وضع menu الأنظمة التي يتمّ طرحها وتوضيحها وتفسير ما يخفى من تفاصيلها على المواطنين الذين تقدّم أطباق هذه الأنظمة على مائدة عقولهم التي تأكل ما تستثيغه وما يفيدها ويغذّيها وينمّيها ويمنحها الصحة والحيويّة..
 
ومن البديهي أن يظهر جليّاً، على ضوء نتيجة الاستفتاء الشعبي الحر والشّفاف، أن المسيحيون يرفضون في المُطلق الحكم الإسلامي، وينضم إليهم، في المبدأ وبحسب اعتقادنا، غالبيّة الموحّدين الدّروز، أمّا الشّركاء الآخرون في الوطن من المسلمين المتمسّكين بتعاليم الإسلام، من السنة والشيعة، فإنّهم يُؤثِرون تطبيق الشريعة الإسلاميّة في الحكم لا بل يجاهدون في سبيل بلوغ هدفهم هذا. 
وبالتالي فإنهم يرفضون أي نظام عصري ومتطوّر يكون بديلاً عن الحكم بموجب القرآن، ويصوّتون في الاستفتاء لمشروعهم هذا، أما بالنسبة إلى المثقفين المُستنيرين من السّنة والشيعة، من أتباع الدّولة المدنيّة ومناهضي الدولة الثيوقراطية، فإنهم يصوّتون لأي نظام مدني عصري، وإن طرحت الفدرالية على النحو الذي يريح لبنان، فإنّهم لا يتردّدون في اختياره بحكم معرفتهم به واختباره من قبل الكثيرين منهم في دول أجنبيّة متطوّرة يعيشون في كنفها، ويدركون إيجابيات هذا النظام الذي يحترم خصوصيّة وفرادة كل شريحة من شرائح المجتمع، سيّما انهم من عشاق الحرّية والانفتاح ويناضلون من أجل حقوق الإنسان وهي حدودهم!
 
لنكن صادقين أولاً مع أنفسنا، كمسيحيّين، ثم مع شركائنا المسلمين والموحّدين الدروز في هذا الوطن الذي يتّسع للجميع على اختلاف طوائفهم، كما هو الحال في العديد من دول العالم المتطوّر حيث الانتماء للوطن هو المعيار وليس الانتماء إلى الدين أو الطائفة أو الحزب.. !
 
كيف نكون صادقين؟! بالإعلان على الملأ، وبكل صدق وصراحة ومن دون مواربة وتلميح وتمسيح جوخ وخوف، أن صيغة التعايش أو العيش المشترك أو العيش معاً قد سقطت، بفعل انعدام الكيمياء بين مكوّنات مجتمعنا التي تنقسم إلى قسمين، لكل منهما ثقافته التي تتعارض مع ثقافة الآخر، ولا يخفى على أحد أن كلّ مسلم سنّي أو شيعيّ متمسّك بتعاليم قرآنه، وهو دستوره الأوّل، (كما أن إنجيلنا هو دستورنا الأوّل) يأبى إلا أن يحكمه حاكم مسلم وفقاً للشّريعة الإسلاميّة، وهذه عقيدة ثابتة لا يساوم عليها، ويسعى دائماً لفرض سلطته على الآخرين متى استطاع إلى ذلك سبيلاً.. إلّا أن الصّراع السّني - الشيعي التاريخي المُستعر منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، والذي يخبو حيناً، من دون أن ينطفئ، ويشتغل حيناً آخر، هو الذي يستنزف المسلمين جميعاً، أينما وجدوا، ويعرقل بالتالي إقامة الدولة الإسلاميّة السنيّة هنا والدّولة الإسلاميّة الشيعيّة هناك! وأمام هذا الصّراع العقائدي المحتدم بين طائفتي الدين المحمّديّ الواحد، لأي فريق من الفريقين اللّدودين تكون الغلبة فيما كلّ منهما يريد اجتياح الكرة الأرضيّة كلها بسيف عقيدته ليحوّل كلّ الدّول التي يسيطر عليها إلى ولايات تنضوي تحت لواء دولته الإسلاميّة التي يحكمها أمير واحد ويكون له جيش واحد وهوّية واحدة.. 
 
من ينكر أن هذا هو المشروع السياسي الحقيقي لكلّ مسلم في العالم وخصوصاً في لبنان حيث نشهد انقلاباً فظيعاً على الدستور من قبل فريق سياسي ينتمي إلى محور العقيدة الفارسية المُسلّحة المتمثلة ب "حزب الله" الفقيهيّ الذي يمارس السّياسة عبر المؤسسات الدّستوريّة للدّولة اللّبنانيّة الّتي لا يؤمن بها أصلاً ولا بالهوية اللّبنانيّة ولا بالكيان اللّبناني !
 
وهل يمكن أن يتم الاتفاق بين هذين الخصمين على اقتسام دول العالم وخيراتها بعدل ومساواة أي fifty fifty، حيث يتم تدمير كل الأنظمة السّياسيّة القائمة في كل دول العالم، فتصير الولايات المتّحدة الأميركيّة، تابعة، على سبيل المثال، للدولة الإسلاميّة السنيّة على طريقة داعش، وتصير بريطانيا تابعة للدولة الإسلاميّة الشّيعيّة الخاضعة لحكم الولي الفقيه..؟!
 
ماذا عن سوريا وفلسطين والمملكة العربيّة السّعودية والعراق وغيرها من الدّول العربيّة والغربيّة ؟!
 
كيف يتمّ التحاصص فيها ؟
 
للمسلمين مشروعهم أو مشاريعهم.
 
فأين مشروعنا المسيحي في قيامة الدّولة؟! وأين دور الشّركاء المُؤسّسين الّدروز آباء الكيان التاريخيّين مع مواطنيهم الموارنة ؟
 
أين نحن كمسيحيّين من التبشير ؟!
 
كم إنجيل توزّع كنائسنا سنويّاً وبطريقة مجّانية على غير المسيحيّين، على غرار ما يفعله اخوتنا الإنجيليّون.. هذا مع علمنا وتقديرنا للكثيرين من معلّمي الكتاب المقدّس والمُبشرّين المسيحيين اللبنانيين الذين يرتد كثر من غير المسيحيين من خلالهم..  ؟!
 
أين مشروعنا الماروني الرّوحي، الإجتماعي، السّياسي الإقتصادي، الحضاري.. أين هو في لبنان ولكل أفراد عائلتنا المارونية الكبرى في بلدان الإنتشار.. ولمصلحة جميع اللّبنانيّين ؟!
 
أبدأ بالنقد الذاتي، منطلقاً من البيت الماروني فلا أرى إلا ساسة موارنة ضالّين، لاهين، لاهثين، زاحفين، منبطحين، أمام الشريك المسلم الذي يفرض عليهم سلطته، فيما هم يوغلون في نفق غبائهم بعد أن فقدوا زمام المبادرة بفعل سوء أدائهم ومشاركة الفاسدين فسادهم.. ليصير هذا الفساد، كما تنشق الهواء، القاسم المشترك الذي يجمعهم.. ويصير المعيار هو مستوى التنافس الذي يبلغه "المسؤولون" في الكذب والسرقة وشهادة الزور والتخريب.. إرضاءً لأمير الظلام سيّدهم !
 
نقف، ويقف المراقبون المحلّلون الحاذقون، أمام ثقافتين متناقضتين في لبنان لا يمكن أن يلتقيا، بل يتنافران، ليس لعيب منّا نحن الذين نريد التفاعل والتكامل مع الشريك المسلم في الوطن، فيما يريد فريق شيعيّ تغليب منطقه (المسلّح) على منطقنا (الأعزل)، فيما نريد نحن أن يحذو حذونا في الانفتاح والتحليق في فضاء الحرية والإبداع. وبما أنّ الاتفاق بيننا على هذا المستوى مستحيل، وهذا ما أثبتته التجربة، وقد سقطت كل محاولات التفاعل الإيجابي لما فيه مصلحة لبنان، وبما أن صيغة التكاذب السّياسيّ المشترك لا يمكن أن يستمر فيستمرّ الخراب.. بات من الواجب اختيار واختبار نظام جديد للبنان يلائمه ويدفع به إلى الأمام وإلى العُلى.. وهو النظام الفدرالي المعتمد في الكثير من كبريات دول العالم الأوّل !
 
وإذ أفكر بصوت عالٍ فإنّي أسأل: ما هي حصّة المسيح على مدار النّهار والليل، من الإذاعات والمحطّات التلفزيونيّة التي يملكها مسيحيون في لبنان، ومن ٢٤ ساعة بث ؟!
فهل مسؤوليّة التثقيف المسيحي تُلقى فقط على كاهل تيليلوميار (وأخواتها) و شاريتي تي في، وصوت المحبة وغيرها من الإذاعات والتلفزيونات المسيحيّة المحليّة القليلة العدد ؟!
 
نعرف أنها محطات وإذاعات تجاريّة.. ولكن أين نحن كمسيحيّين وخصوصاً كأصحاب هذه المؤسّسات الإعلاميّة من رسالتنا المسيحيّة التي تدعونا إلى التبشير واستثمار الوزنات التي مَنَّ الله بها علينا، إذ ما نقدّمه خدمةً للكنيسة يظلّ قليلاً إذا ما قيس بتضحيات السّلف الصّالح بحيث قدّمت كنيستنا قوافل الشّهداء الأبطال والقدّيسين الأبرار.. لنبقى ونستمرّ مُتحدّين كل اعاصير الاضطهادات والمؤامرات على مرّ الأجيال والعصور حتى يومنا هذا ؟!
 
هل يكفي تسجيل أو نقل القدّاس مباشرة على الهواء لا سيّما صبيحة الأحد.. أو تخصيص حيّز من الوقت لحلقات أسبوعية ذات محتوى مسيحي تثقيفي أو وقفة تذكاريّة في حلقة خاصّة عن هذا القدّيس أو ذاك أو هذا العيد أو ذاك الحدث العجائبي..؟!
 
لا يمكننا كلبنانيّين حضاريّين، وكمسيحيّين تقودنا المحبّة، إلّا أن نتمسّك بالتّعدّدية في وجه العدّدية التي يتمترس خلفها بعض شركائنا في الوطن لا سيّما من الاخوة الشيعة المتمسّكين بالسّلاح العقائديّ الجِهاديّ الفقيهيّ !
 
وتحتّم علينا ثقافتنا الإنفتاحيّة قبول الآخر كائناً من يكن، من دون اضطرارنا إلى مجاراته وتأييد أي من طروحاته لا سيّما على المستوى السّياسي خصوصاً إذا كانت مَبنية على أساس أي عقيدة أحاديّة إلغائيّة، ويبقى الحوار جزء لا يتجزأ من ثقافتنا وتربيتنا كيف لا ومعلّمنا الإلهي يسوع المسيح حاور كل الخطأة وحوّلهم إليه بعد تحريرهم من أمراضهم!
 
نتمسّك بمنطق العقل في مواجهة منطق السّلاح !
 
وانطلاقاً من حرصنا على مفهوم الدولة ككيان بكلّ مؤسّساتها الدّستوريّة، وحفاظاً منّا على لبنان الرسالة المنفتح على الشرق والغرب، فإنّنا نرفض المساس بهويّته وكيانه والإنقلاب على الدّستور وتفسير وتطبيق بعض بنوده وفق مصالح زعماء الطوائف وقادة الميليشيات للسّيطرة على باقي مكوّنات مجتمعنا وتدجينهم وترهيبهم.. وهذا ما يفعله "حزب الله" بالتّكافل والتّضامن مع حلفائه بهدف الإجهاز على أركان الدولة التي يحاول تفخيخها من الداخل وإسقاطها على رؤوس الجميع.. ما يتيح له فرصة تحقيق مشروعه المزمع بناؤه على أنقاض الجمهوريّة اللّبنانيّة التي يتوق إلى التّخلّص منها وجعلها ولاية من ولايات دولة الوليّ الفقيه الحاكم الأوحد صاحب الزمان والمكان!
 
هلمّوا نحدّد زمان ومكان إعلان الجمهوريّة اللبنانيّة الفدراليّة !

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment