مواسم الهجرة نحو الجنوب

01/26/2023 - 12:54 PM

Atlantic home care

 

 

البروفسور نسيم الخوري *

 

لا تعني عودة مئات ألوف المهاجرين اللبنانيين عبر رحلتي الصيف والشتاء الخاطفتين نحو وطنهم كثيراً خصوصاً للباقين في بقايا "الخيمة" اللبنانية الذليلة الحقيرة المكشوفة كوارثها على الدنيا. قد تعني شحذ العواطف والأشواق والخيبة المشوبة بالتحدّيات المذهبية الهائلة من كافة أبناء الطوائف الذين أضاعوا بلدهم في ما يتجاوز الجحيم.

 تعني الفاسدين عبر 14 مليار دولار أميركي تقديراً بين ما يصرفه العائدون أو يحوّلونه لعائلاتهم وأقاربهم من الخارج ليصب في أضلع التجار والوكلاء الحصريين وجيوب والفاسدين المرابعين على أبواب سياسيين نافذين من حيث عددهم وأحزابهم وطوائفهم المسكونينبنهب الثروات والأكاذيب والبطش وتغذية الهجرات الجديدة، وحشو شرايين بقايا الأهل والأقارب بالدموع الحبيسة والقهر و...... إملأوا الفراغ بالصفات التي تناسب "مقامات" هذا الطاقم السياسي المترهل المتشبث بعنق لبنان حتى الموت خنقاً.

أعترف بالموت البطيء العارم للبنانيين محشورين في زوايا متلبّدة بالغرابة والخوف وقصص الفقر والعجائب والغرائب ذئاب السياسة في لبنان بما يتجاوز حجم ألف ليلة وليلة:

الزاوية الأولى:

في لبنان: ذبول وإحباط أقسى من "الموت" حيال ظاهرة هجرات الشباب وخصوصاً المسيحيبن أسراباً تُدير ظهورها إلى بعض ديناصورات السياسة الذين قضموا أخضر لبنان وجذوره وفصلوه عن المحيط والإقليم والعالم تاركين تحوّلات عبثية بل سلاسل مدروسة من الإجتياحات الديمغرافية الكبرى وكأننا في زمنٍ من الجوع العارم زالت فيه الحدود نهائياً بين الدول أو ذابت معالم الجغرافيا وتمّ تمزيق الهويات وجوازات السفر حتآ أنهم يدمرون كلّ ما طالت أياديهم ويمسحون أنوفهم بالأعلام المنكّسة والممزقة. الإعتداءات السريّة على المقار الدينية وتحقير رجال الدين ورفع الحواجز المذهبية وحشو وسائل التواصل بقاذورات الأوصاف المتبادلة القبيحة. إنّنا وكأننا في قبضة جمال باشا المعاصر حيث الهجرات نحو بلاد العرب أوطاني قبلتهم مصر حيث شعّت والصحافة واللغة من بين أصابع المسيحيين.

لنقل بصراحة أنّ معظم "زعماء" لبنان وممثليهم ورجالهم وأولادهم وأحفادهم إن بقي أحد يعترف بهم وبمن إنتقاهم لا يهزّهذا الكلام وبرةُ من جفونهم فهم غارقون كليّاً في الأوحال القذرة التي مزّقت وجه التاريخ.

رحم الله ريمون إده لكن مراكب الترحيل لن تعود مجددا قبالة الشاطيء.

المطار شغال وجاهز وطيران الشرق الأوسط يصفّق والرصاص يلعلع.

الزاوية الثانية:

في لندن وباريس والعديد من عواصم أوروبا وفي رأسها إيطالية حيث وقف مسلم ليبي عند الشاطيء شاهراً سيفه إلى فوق ومتوعّداً أو واعداً بذبح بابا رومية هناك. منظر لا يُنسى. لا يُفاجئك بالطبع الإنحسار المسيحي هناك، بل التدفّقات الإسلامية الهاطلة من أرجاء المعمورة وخصوصاُ من تركيا وسوريا والعراق وتونس والجزائر ومصر والبلدان الإفريقية، فقط لأنّ المسيحية أصبحت تشيخ هناك بعد النهضات الفكرية التي أعقبت الحربين العالميتين فتحوّلت الكنائس اليوم إلى متاحف ولأماكن للنزهات والسياحة والتراث وبيع الصور القديمة.

وقف شابان عند زاوية من جادة "السان جيرمان في باريس" وأمامهم صندوق ضخم مليء بالكتب يقدمونها القرآن الكريم هدايا للمارة بالعربية والفرنسية والإنكليزية وما عليهم سوى التأكّد من سحنتك أو سؤآلك عن اللغة التي تريد.

قال لي مسلم ليبي في لندن مشيراً إلى ذكوريته:" سنحرّر بريطانيا العظمى بهذا".

 لن أتقدّم أكثر في التعبيروالتفسير لأنّ نلك المظاهر المعولمة صارت محنة العصر تُقيم اليوم في وسائد الطامحين إلى أي مقعد في برلمانات العالم أو رئاساته وحكوماته.

الزوايا التي تحوّلت مستطيلات ومساحات دافئة "للطافشين" من لبنان:

تشغلني تلك الزوايا حيث الأحضان مفتوحة تتلقّف "الطافشين من لبنان" هرباً من "الطافشين بلبنان". صاروا كثراً في المملكة العربية السعودية والإمارات ودبي والشارقة والكويت وقطر والبحرين وعُمان والفُجيرة وغيرها ويتذكّرون أن الفاتيكان بنوافذه المفتوحة على الدنيا قصد الجنوب مرّتين بصفتها مساحات "كوزموبولوتية" تمّ التعبير عنها والصلاة فيها مواسم رضيّةً للهجرة من الشمال نحو الجنوب.

اذكّر بالخميرة الأولى المباركة ألصقها المغفور الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان موصياً ب 6 كنائس للجاليات المسيحية هناك، لتنتشر دور العبادة لأبناء الطوائف المسيحية وكان القدّاس الأوّل في المملكة العربية السعودية منذ يومين تعبيراً عن خطى العبور في خطّة العشرين ثلاثين، وهذا ما يُريح الإستقرار والإنتاج ويبلسم جروح المؤمنين في أزمنة القحط.

هذا ما كنت ألمسه في أحرام الجامعات عبر تطلّعات الشابات والشباب من مختلف الطوائف والفرق توقاً للقوانين والرؤى المسكونة بإرادة التطوير والتغيير والإحترام الحضاري المتبادل والقوانين المرهفة التي تُغذّي طموحاتهم بالهجرات لتبلغ فعاليات الترفيه اللبناني والعالمي في خطى المملكة الحضارية. كانت العيون اللبنانية والعربية تتعلّق بالشاشات لتتبّع بانبهار تلك المهرجانات الدولية الرائعة في الرياض. كان للوجوه اللبنانية والعربية الحضور البارز الذي أضفى وسيفضي تباعاً مشاعر الرقي الإنساني.

أتذكّرهنا، ولي العهد السعودي عندما أطلق مثلاً، فكرة السماح للمرأة بقيادة السيّارة. وضع يومها طالباتي وطلابي في المعهد العالي للدكتوراه آذانهم يسترقّون الخبر، وكانت حلقة نقاش أكاديمية راقية تمنوا عليّ بعنونة مقالي الأسبوعي المقبل بـ: "أوّل الغيث" تمّ نقله ونشره في في صحيفة "الخليج" كما في أكثر من صحيفة وموقع وهو مُثبت عبر نقرة بسيطة على "الغوغل". قالت الطالبات بأنّ المرأة تحمل الصغير وتتحمّل آلام المخاض وتحضنه وترضعه وتربّيه وترعاه وتهندسه وهي تحمل أيضاً الكبير والكبار بحنانها وتهذيبها.

والأنثى جسد متحول خصب يحمل بذور التغيير ومعالمه ومظاهر التبدل البيولوجي والنفسي والتطوري بكونها خُلقت هي الأصل المسكون بمتغييرات بيولوجية وتحولات دموية عملية شاقة لا نظرية وحسب ترافقها.

جاء هذا بدايات مسار حضاري يتقدّم بخطىً مضيئة كان آخرها العبور نحو الصين والعالم في عصر العولمة لأنّ الجغرافيات والحدود قد فتحت وتفتح أحضانها لأجيال الأرض للتعارف والإبداع بحثاً عن استراتيجيات التحديث والحداثة وأفاقهما في عالم نقيم فيه ويُقيم فينا بما يتجاوز الحواس الخمس مشاركين الدنيا المتحركة بشرقنا التي تبيت الشمس فيه كما كان يردّد طلاّبي الفرنسيين الحالمين بالشرق على سبيل المثال.

أستعيد أيضاً هنا ما أعلنه ولي العهد محمد بن سلمان، في ال٢٠١٨ من أن "الدول العربية شهدت تطورا كبيرا على مستوى اقتصادها في السنوات الماضية، والشرق الأوسط سيكون أوروبا الجديدة خلال 5 سنوات قادمة"، مضيفا "هذه حربي التي أقودها ولا أريد أن أفارق الحياة إلا وأنا أرى الشرق الأوسط مثل أوروبا الجديدة"، أصر طلابي على حلقات نقاش تكررت لهذا الوعد الذي شغل احلام الشابات والشباب اللبناني والمجتمعات العربية قطعًا .

لا بدّ من الحداثة والتحول إذن.

كنت أعجز، بصراحة، من إقناع أستاذي في السربون أندريه ميكال آخر المستشرقين الكبار المتوفي في 27 كانون الأوّل الماضي، أنّ "كان" وأخواتها أفعال ناقصة وأن "كان" هي الماضي وهي شقيقة "أصبح" الحاضر والمستقبل مع أنّ المسافات شاسعة بينهما إلاّ بتقديسنا الجامد للماضي الرحم الأوّل الحاضن للحاضر والمستقبل. كان يردد أنّ المسافات بين الماضي والمستقبل في العالم في ضمور سريع في هذا القرن وهي مدموغة بعظمة التطوّر والتغيير وبما لا يمسّ قطعاً جوهر الدين و"جواهره".

 

* أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه، لبنان

عضو الهيئة العليا للإشراف على الإنتخابات، لبنان

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment