هل يتبنى بايدن استراتيجية وطنية لمكافحة إرهاب أنشطة إيران؟
د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
منذ أن انقلب الغرب على شاه إيران المؤيد للغرب، والاتيان بنظام الملالي الفاشي في 1979 بداية مرحلة الفوضى في المنطقة، لتحقيق عدد من الأهداف منها وقف تمدد الشيوعية التي كانت تبحث عن الوصول إلى المياه الدافئة في منطقة الخليج، والهدف الثاني تغيير خريطة سايكس بيكو التي ارتبطت بالحرب العالمية الأولى، لإعادة تشكيل خارطة أكبر مذهبين إسلاميين في المنطقة ومحاولة الموازنة بينهما، ورفع نسبة التمثيل الشيعي ليقترب من المكون السني، فيما السعودية هي قبلة لكل المذاهب وترفض تصنيف المسلمين وتقسيمهم وفق قول الله سبحانه وتعالى ( إنما المؤمنون إخوة )، وكل مسلم يدخل مكة المكرمة دون السؤال عن مذهبه وفرقته.
سارع السوفيت إلى الرد على الخطوة الغربية في إيران في احتلال أفغانستان في 25 ديسمبر 1979 إلى أن انسحب السوفيت من أفغانستان في 1989 مع انهيار الاتحاد السوفيتي، عندها أعلنت الولايات المتحدة أنها القطب الأوحد في العالم، وبدأت في 1991 تأسيس نظام عالمي جديد أتى بعد تحرير الكويت من نظام صدام حسين.
منذ اندلاع الثورة الخمينية الفاشية أحيت جميع الحركات الإسلامية الراديكالية، وعلى رأسها حركات الجهاد الإسلامي في مصر، التي تم مواجهتها في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، بل اعتبرت الثورة الخمينية نموذجا ملهما لها في الاقتداء بها لممارسة نفس الدور، وكان من أبرزهم الذين امتدحوا تلك الثورة الشيخ عمر عبد الرحمن زعيم تنظيم الجماعة الإسلامية في مصر، وكذلك الظواهري الذي ابدى اعجابه بها، وكان من نتائجها اغتيال الرئيس أنور السادات في 6 أكتوبر عام 1981، رغم أن السادات تصالح مع جماعة الإخوان المسلمين، وأخرجهم من السجون، وسمي أحد الشوارع في طهران باسم قاتل السادات خالد الاسلامبولي.
لكن نشأت جماعة التكفير والهجرة داخل السجون المصرية من 1971 – 1978 وأكثر أتباعها في صعيد مصر، وبين طلبة الجامعات، وأبرز أدبياتهم تكفير الحكام بعدم حكمهم بشرع الله، امتدت أدبياتهم إلى المحكومين أنفسهم لرضاهم بهم، وتكفير العلماء لعدم تكفيرهم، ومن أدبياتهم الهجرة لاعتزال المجتمع الجاهلي، وسبقها حركة جهيمان في اقتحام الحرم المكي الشريف في 20 نوفمبر 1979 مدعين ظهور المهدي المنتظر، وهناك العشرية السوداء في الجزائر بين عامي 1992 – 2002 في الصراع بين الجبهة الإسلامية للإنقاذ والحكومة، بل أعلن متطرفو الجماعة الحرب على الجبهة التي وافقت على عقد مفاوضات مع الحكومة في 1994 نتج عنها مذابح مسلحة ضد المدنيين.
بعد إخراج التحالف الدولي صدام حسين من الكويت عام 1991، وأسس بن لادن القاعدة في 1988، وفي 7 أغسطس 1990 بدأ بن لادن استهداف القوات الأميركية التي وصلت إلى السعودية للمشاركة في إخراج صدام حسين من الكويت، فطردت السعودية بن لادن عام 1991 انتقل بعدها إلى السودان، ثم حارب القوات الأميركية في الصومال عام 1992، استهدف مبنى التجارة العالمية في 1993، وشارك في قتل 13 أميركي في الصومال في كمين نصب لهم، ما جعل السعودية تسحب الجنسية من بن لادن في 1994، وبدأت عمليات القاعدة في السعودية عندما تم تفجير شاحنة في العليا عام 1995 استهدفت جنود أميركيين، طرد السودان بن لادن وانتقل إلى أفغانستان لبداية نشاطه من هناك، وأعلن الجهاد ضد الولايات المتحدة.
استثمرت إيران في القاعدة للعبث بأمن الشرق الأوسط وبشكل خاص العبث بأمن السعودية عدوتها التي تود منازعتها على الاشراف على الحرمين الشريفين، وحاولت تشكيل حزب الله الحجاز على غرار حزب الله في لبنان، ولكن بالشراكة مع القاعدة التي استهدفت برجي الخبر في 1996 وقتل فيها أميركيين، حيث بدأت العلاقة بين إيران والقاعدة بعد اغتيال الأب الروحي لتنظيم القاعدة عبد الله عزام في نوفمبر 1989، وبعد خروج بن لادن من السعودية بسبب اصطدامه مع سياسة السعودية نتيجة استدعاء السعودية للقوات الأجنبية لإخراج صدام حسين، وتوجهه نحو السودان، استثمرت إيران طرد بن لادن وكانت أولى الخطوات المباشرة بين الجانبين رغم اختلال الأيديولوجيات، لكن تتوافق الأهداف والمصالح جعلت استقبال بن لادن لعماد مغنية زعيم الجناح العسكري لحزب الله اللبناني للتنسيق والتعاون معه.
هذا اللقاء كان بداية التعاون المشترك بينهما لتدريب وتسليح أعضاء جدد للقاعدة، ساعد في ذلك تطابق مواقف السودان مواقف بن لادن، وكانت فرصة إيران في تحقيق استراتيجيتها الراسخة التي تعتبر السودان منصة مثالية لاستهداف السعودية ومصر، لكن اصطدمت هذه العلاقة بين إيران وحسن الترابي التي لم تتنازل إيران في أي وقت من الأوقات في محاولات نشر المذهب الشيعي في كل منطقة تستهدفها خصوصا وأن إيران استخدمت شعارات مثل الانتصار لجميع المظلومين على الأرض والثاني تاجرت بالقضية الفلسطينية فسمت مليشياتها بمحور الممانعة والمقاومة، رغم ذلك استمرت علاقة حسن الترابي بالقاعدة جيدة والذي نسق هذه العلاقة أيضا عماد مغنية باعتباره وكيلا للحرس الثوري الإيراني، وتم تدريب مقاتلي القاعدة في البقاع جنوب لبنان لتدريبهم على استخدام المتفجرات خاصة الشاحنات التي تستهدف الثكنات العسكرية الأميركية، كما توطدت علاقة القاعدة بإيران عبر عماد مغنية خلال حرب البوسنة والهرسك في 1994، وهناك تعددت اللقاءات أيضا بين عماد مغنية وايمن الظواهري.
تلعب إيران على المتناقضات، فقد لعبت دورا رئيسيا لتطوير تنظيم القاعدة كمؤسسة، وبدا ذلك منذ تأسيس القاعدة عام 1988، وسعى بن لادن للحصول على الخبرة الإيرانية، وبالفعل تم تدريب سيف العدل على استخدام الشاحنات المفخخة في معسكرات حزب الله في لبنان، وتعتبر إيران والقاعدة أنهما يواجهان أعداء مشتركة أمريكا والسعودية، بل حتى في أحداث 11 سبتمبر التي كان هناك 11 عضوا شاركوا في هذه التفجيرات من السعودية، لكن جاء في أوراق لجنة تقصي الحقائق الأميركية في أحداث 11 سبتمبر 2001 أن إيران سهلت سفر الجهاديين من القاعدة إلى أفغانستان عبر أراضيها، وأضافت أن عدد من منفذي الاعتداءات سافروا إلى إيران بين أكتوبر 2000 وفبراير 2001، وهناك أدلة قوية على أن إيران من خلال حزب الله كانت تتابع سفر عدد من مختطفي الطائرات، خلص التقرير إلى أن إيران وحزب الله كانوا على علم بالتخطيط لما أصبح فيما بعد هجوم 11 سبتمبر رغم نفي إيران وحزب الله بشدة بحجة الاختلاف المذهبي بينها وبينهم.
إيران كانت تشارك بشكل فعال في تأسيس شبكة القاعدة في اليمن وطبقا للأدلة المقدمة إلى القاضي الأميركي رودلف كونتر براس، وجه الظواهري الشكر للإيرانيين على مساعدتهم في إنشاء شبكة القاعدة في اليمن، هذا إلى جانب العلاقة التاريخية بينها وبين الحوثيين خصوصا بعد الثورة الخمينية دعت الشباب اليمني على التعرف على ثورتها، ومن أبرزهم محمد عزان وعبد الكريم جدبان وحسين الحوثي مؤسس الحركة الحوثية.
وكذلك زار إيران بدر الدين الحوثي والد المؤسس وعبد الملك الحوثي، حتى أن خطب حسين الحوثي يستشهد بالخميني ويقدمه كنموذج لمقاومة الاستعمار والصهيونية وكذلك حسن نصر الله، وهي الشعارات التي لا يزال الحوثيون يستخدمونها حتى اليوم لتضليل الشباب، بل زادوا عليها الموت لأمريكا والموت لإسرائيل، وبدأت المواجهة المسلحة بين الحوثيين والدولة اليمنية منذ عام 2003 لكن في 2007 بدأت تظهر تأثيرات حزب الله على أساليب قتال الحوثيين تماثل تلك التي كان يقوم بها حزب الله ضد إسرائيل، إضافة إلى تركيب الحركة من الداخل يماثل نظيره حزب الله، زاد التقارب بين الحركة الحوثية وإيران بعد ثورة 2011 وبدأت إيران تكثف حضورها.
الغريب أن إيران ساعدت أميركا في حربها ضد القاعدة في أفغانستان وقدمت لها كل الخدمات اللوجستية وفي نفس الوقت تجمع شتات قيادات القاعدة الذين تشتتوا خارج أفغانستان حتى أصبحت إيران الوجهة الأولى، لكنها تروج من أن قيادات القاعدة تحت الإقامة الجبرية، لكنها لم تسلم أحدا منهم، حتى اضطرت أميركا إلى قتل أبو الخير المصري جنوب طهران، وهو كبير خبراء المتفجرات والسموم والضليع الرئيسي في البحاث النووية بالتنظيم، بل حرصت إيران على إرسال وفد إيراني إلى أفغانستان لضمان انتقال قيادات القاعدة واسرهم إلى أراضيها وقام فيلق القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني بقيادة قاسم سليماني بتأمين مساكن لهم وتسكينهم استعدادا لاستثمارهم في مشاريع إيران الإرهابية، بل كونت إيران والقاعدة هيئة تنسيقية لإدارة الدعم اللوجستي لقادة التنظيم في باكستان وأفغانستان لتؤكد هذه الممارسات على تبني إيران والقاعدة فكرا واحدا هو الإرهاب.
أي أصبحت القاعدة ورقة خامنئ المفضلة للضغط على باقي دول المنطقة تنفيذا لسياساتها الطائفية ومصالحها الخارجية عبر زرع عناصر إرهابية في الدول العربية وبشكل خاص لمحاصرة السعودية بسبب أنها تود أن تنازعها على المكانة الدينية، لذلك نجد أن المتحدث الرسمي باسم النصرة أبو محمد العدناني بأن التنظيم يستبعد إيران تماما من دائرة العمليات الإرهابية امتثالا لأوامر قادة القاعدة، بل طالبت إيران بن لادن في 2004 التوسط لدى زعيم القاعدة في العراق أبو مصعب الزرقاوي بعدم استهداف مصالح إيران ومليشياتها في العراق.
إيران أعادت في 2013 في إنتاج تنظيم الدولة الإسلامية، لإقامة الخلافة الإسلامية لجذب أكبر عدد ممكن من الجهاديين من أنحاء العالم من نحو 100 دولة شاركت كثير من الدول المتقدمة واستخباراتها ضمن هذه الجماعة لقيادتها من أجل تحقيق الأهداف المرسومة وكان خلال هذه الفترة مشاركة كبيرة بما فيها استخبارات إسرائيل لكن فيما بعد وجدت إسرائيل أن إيران توحشت وبدأت تهدد مصالحها في المنطقة وغيرت استراتيجيتها في زمن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب واستحدثت الاتفاقية الإبراهيمية وتطبيع بعض الدول العربية معها.
فشاركت كثير الدول في تسهيل انتقال شبابها المجاهدين إلى منطقة القتال للتخلص منهم كما يعتقدون لكن نشطت الذائب المنفردة بعد ذلك، وكانت النواة من سجناء القاعدة في سجن أبو غريب عام 2013 تحت رعاية نوري المالكي الذي خدم إيران ومشروعها على حساب العراق، طبيعي أن يكون هناك تنسيق بين إيران وأمريكا لأن أمريكا لم تمكن إياد علاوي الذي نجح في الانتخابات العراقية من الحكم بل سلمت الحكم لأصحاب العمائم الذين لهم صلة وثيقة بإيران ولا يملكون فكرا سياسيا وجعلوا العراق ساحة مستباحة لملالي إيران الحاقدين على العرب، وأمر نوري المالكي بانسحاب الجيش من الموصل، وترك أسلحته لداعش الذي هو أكثر توحشا من القاعدة وتوسع في سوريا لتسهيل سيطرة إيران على هذه المناطق.
ليس هناك فيلم سئ كالفلم الذي أنتجته الأذرع الإيرانية لمحاربة داعش من أجل تهجير السنة واللعب بالنسيج الاجتماعي في العراق وسوريا، ما يجعل السعودية تتساءل عن أسباب غض أوباما الطرف عن إرهاب إيران؟، واتجه إلى توقيع الاتفاق النووي مع إيران عام 2015؟، بحجة مقابل استغلالها في حرب وتطويق الإرهاب السني، أعطى إيران رسالة للتوسع في المنطقة، ما جعلها رأسا تقدم دعمها للحوثيين في اليمن وتم احتلال صنعاء مباشرة، مما اضطر السعودية إلى القيام بعاصفة الحزم بشكل سريع أيضا ردا على النفوذ الإيراني في اليمن لمنع التمدد الإيراني في المنطقة.
لكن بمجئ ترمب تغيرت الاستراتيجية الأميركية لمكافحة الإرهاب التي اعتبرت أنشطة إيران خبيثة في الشرق الأوسط، وهي أحد اهم التهديدات التي تواجهها المصالح الأميركية، إضافة إلى إعادة التحذير من مخاطر تنظيم القاعدة التي قللت إدارة أوباما منه خلال فترة حكم أوباما التي خرجت داعش من قلبها وليست منفصلة عنها كما يعتقد البعض، وشكلت إدارة ترمب تحالف عربي إسلامي دولي لمحاربة الإرهاب في أول زيارة له خارجية إلى السعودية تتوج هذا التحول بقتل قاسم سليماني المسؤول عن الإرهاب في المنطقة القاعدة وداعش والمليشيات الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان واليمن مع بداية عام 2020.
لكن بمجئ إدارة بايدن عاد إلى استراتيجية أوباما، ورفع الحوثيين من قائمة الإرهاب من أجل العودة إلى اتفاق عام 2015، لكن إيران طالبت من أجل التوصل إلى هذا الاتفاق لابد من رفع الحرس الثوري الإيراني من قائمة الإرهاب، لقيت إدارة بايدن ممانعة عنيفة من الكونغرس الأمريكي ليس فقط من قبل الجمهوريين بل أيضا من قبل الديمقراطيين، خصوصا بعدما رفضت السعودية المشاركة في معاقبة روسيا على حربها في أوكرانيا، ورفع إنتاج النفط، وأصرت على الالتزام بالاتفاق الموقع داخل أوبك بلس، وبدأت تتجه السعودية نحو الصين وروسيا، وهو ما يهدد المصالح الأمريكية في المنطقة، وبشكل خاص لصالح الصين.
يتلمس المتابع للدبلوماسية الأميركية بعض التحولات والاشارات تعكس مراجعة لتوجهاتها لتنحو إلى شيء من التوازن، حيث هناك جولة مرتقبة للرئيس بايدن إلى السعودية في يونيو 2022 تفيد أن هناك متغيرات كثيرة وعلى أكثر من صعيد أهمها انحسار التراجع والانكفاء الأمريكي الذي اختاره بايدن على غرار عهد أوباما بعد الحروب المكلفة التي قادها بوش الإبن، والسؤال هل تختار إدارة بايدن نهجا بين الجانبين، وهل هو أيضا هناك وعي متأخر لأهمية المنطقة في مواجهة التمدد الروسي وبشكل خاص الصيني الذي فرضته الحرب الروسية في أوكرانيا؟.
* أستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة سابقا












05/31/2022 - 16:56 PM





Comments