الكولونيل شربل بركات
بعد مرور اثنان وعشرون عاما على خروج اسرائيل من المنطقة الحدودية بقرار من رئيس وزرائها يومها السيد ايهود باراك صاحب نظرية ترك لبنان ومشاكله والانسحاب السريع منه في 1982 وهي إحدى النظريات التي قدمها كبار الضباط الاسرائيليين يومها لقيادتهم بعد تنفيذ الجيش الاسرائيلي لمهمته الناجحة في الحرب التي دعيت ” عملية سلامة الجليل” والتي اقتلعت عرفات ومنظمته من لبنان لينتهوا في اليمن أولا ثم في تونس. ومنذ ذلك التاريخ بقي الجنرال باراك متمسكا بنظريته حول خروج اسرائيل مما اسماه “المستنقع اللبناني” وترك لبنان يتخبط في مشاكله.
سنة 1999 قرر باراك خوض الانتخابات النيابية الاسرائيلية عن حزب العمل الذي رئسه على اساس برنامجه الذي يتلخص بالخروج من لبنان قبل حزيران 2000 في حال فوزه بالانتخابات النيابية، وعليه فقد فاز بهذه الانتخابات وبدأ العد العكسي لخروج الجيش الاسرائيلي تنفيذا لوعد رئيس الوزراء المنتخب. وهكذا فقد تم الاتفاق بموافقة الأميركيين حول تأمين الخروج السلس لجيش الدفاع الاسرائيلي من لبنان وبدون مشاكل تذكر. في هذه الأثناء كان جيش الاحتلال السوري، الذي يهمه بقاء الاسرائيليين في لبنان ليضمن عدم قيام اللبنانيين بالمطالبة بخروج قواته، يناور محاولا اقناع الكل بأن اسرائيل لن تخرج وأن ما يقوم به باراك لا يعدو عن كونه دعاية انتخابية.
أما في الجانب العملي فقد كان الاسرائيليون يسعون لاتفاق مع الإيرانيين حول تسليم جنوب لبنان لجماعة “حزب الله” التابعة لهم شرط ضبط الحدود وتكفلّهم بمنع اية عمليات عسكرية عبرها. وقد جرت عدة اتصالات واجتماعات بهذا الخصوص بوساطة السويديين والألمان تكلمت عنها الصحف العالمية في مناسبات متعددة لم تكن “ديرشبيغل” الوحيدة في هذا المجال. وقد كان الاميركيون على اطلاع بكل تفاصيل هذه المباحثات على ما يبدو وبالطبع السوريون، ولكن لم يسمح للحكم اللبناني المشاركة بأي من هذه المباحثات أو ابداء الراي فيها كما كان حصل فيما سمي اتفاق نيسان أثر “عملية عناقيد الغضب” في 1996مع أن ما يجري يتعلق بأراض لبنانية ومصير مواطنين لبنانيين. ولذا فقد كانت الدولة وأجهزتها ومنها الجيش اللبناني مستثناة من المساهمة الفعلية بالموضوع وكأن العملية تجري في جزر الماو ماو.
وفي المنطقة الحدودية جرت عدة عمليات مخابرتية لضرب البنية التحتية للجيش الجنوبي ومحاولة اظهاره ضعيفا أمام الراي العام الاسرائيلي والدولي. وقد تكون حركة ابن الخيام رياض العبدلله المحسوب على حركة أمل والتي بدت وكأنها شكلا انقلابيا ولو أنها لم تلقَ تأييدا بين افراد الجيش أو المواطنين العاديين على السواء، شيئا من هذا القبيل، ما دفع السيد لوبراني مدير مكتب لبنان ونائب وزير الدفاع الجنرال سني يومها لزيارة اللواء لحد والقيام سوية باحتواء حالة التمرد تلك، بينما كانت بدأت عمليات الاغتيال لعناصر الأمن العاملين في المنطقة والتي تتوجت أخيرا باغتيال قائد اللواء الغربي في الجيش الجنوبي العقيد عقل هاشم والذي كان يراس جهاز المخابرات أيضا، وذلك لاضعاف معنويات ابناء المنطقة من جهة، وربما منعا لافتضاح اسماء بعض من كان يزور الاسرائيليين بواسطة هؤلاء، وقد يكونون ممن سيتسلم مراكز مهمة في التنظيم المسلح لاحقا. ومن ثم زاد تجنيد المخبرين العاملين مع حزب الله والجيش اللبناني ومنهم أحيانا كثيرة من كان يعمل مع الاسرائيليين سابقا، وذلك لحمايتهم وتحسين صورتهم. وقد كان الجيش اللبناني في تلك المرحلة شاهد زور على ما يجري من أحداث منذ اطلاق يد حزب الله على الساحة الجنوبية وتفرده بما أسماه “مقاومة”.
لم يكن المواطنون اللبنانيون أو عناصر الجيش الجنوبي بعيدين عما يجري وقد عرف الجميع بنيات الحكومة الاسرائيلية للانسحاب. ولكن الكلام كان عن اجراء اتفاق تتسلم فيه قوات الأمم المتحدة الأمن في المنطقة ريثما يتم استيعاب أبنائها ضمن قوات الدولة التي ستدخلها تحت قيادة القوات الدولية حيث تسعى لحلحلة كافة المشاكل ومحو ذيول فترة الحرب تلك بين حزب الله والجيش الجنوبي واجراء مصالحات بين السكان على طرفي حدود المنطقة تؤدي إلى الاستقرار تحت مظلة الأمم المتحدة والدولة اللبنانية. وهذا ما كانت تتضمنه المذكرة التي رفعها ممثلوا اللجان المدنية في المنطقة الحدودية والتي سلمت إلى السفير الفرنسي والسفير البريطاني في تل أبيب وإلى أحد الملحقين في السفارة الأميركية هناك والتي لم يجروء السيد لارسون على تسلمها عند زيارته للمنطقة ولو أن نسخة منها سلمت لقيادة القوات الدولية في الناقورة كما سلمت نسخة ثانية إلى الجهات المعنية في الأمم المتحدة بنيويورك مباشرة.
ولكن الإيرانيين لم يكونوا متحمسين لمثل هكذا حل لأنه سيفقدهم السيطرة على الأرض والظهور بمظهر المنتصر. فقاموا بالتعهد للاسرائيليين بأن طلقة واحدة لن تطلق عبر الحدود إذا تسلم حزب الله الأمن في المنطقة. إما في حال دخول الجيش ومن خلفه مؤسسات الدولة فإنهم لن يتحملوا مسؤولية التجاوزات التي قد تحصل. وقد وافق السفير الأميركي في لبنان ديفيد ساترفيلد يومها على المشروع معتبرا بأنه الحل الأسرع الذي يسهم في تخفيف التوتر ووقف الاعتداءات.
أما في الجانب اللبناني وعلى المستوى السياسي فقد كانت سيطرة سوريا الكاملة على الأرض بعد اتفاق الطائف أمنت للرئيس الأسد ما أراده من القبض على مفاتيح الأمن وبالتالي الحكم في لبنان. وقد اعتبر بأن بقاء حزب الله في الجنوب يصب في مصلحته كونه جزءً من قوات حليفه الإيراني الذي كان تمكن من الاستمرار بالرغم من خسارته الحرب مع العراق والتي كانت أعطت الرئيس صدام حسين فائضا من القوة جعله يحتل الكويت ويواجه تحالفا دوليا لاستعادتها ضم سوريا.
كان العمل على تفاصيل الاتفاق جاريا فيما خص الحدود بين البلدين وتم اعتبار الخرائط اللبنانية – الاسرائيلية المعترف بها منذ اتفاقيات الهدنة سنة 1948 بأنها ما يحدد الخط الأزرق والذي ستشرف عليه قوات الأمم المتحدة. وقد وافقت الدولة اللبنانية على اعترافها بتنفيذ القرار الدولي 425 بشكل كامل فور خروج اسرائيل من الأراضي اللبنانية بناءً على خط الحدود هذا.
وفي المنطقة الحدودية كان اللواء لحد قد أفهم مساعديه بأن الاتفاق يشمل وقف الاعتداءات على المنطقة وتنسيق دخول قوات الأمم المتحدة إليها بعد انسحاب الاسرائيليين للاشراف على الأسلحة الثقيلة حيث يتم استيعاب من يريد البقاء في الخدمة من عناصر الجيش الجنوبي ضمن أجهزة الدولة اللبنانية وبالمقابل يسلم حزب الله سلاحه للدولة اللبنانية كما جرى مع بقية المليشيات بعد اتفاق الطائف.
ولكن المشروع الإيراني للتمدد في الشرق الأوسط كان لا يزال في بدايته خاصة بعد تحجيم صدام حسين في العراق، ولذا فقد أصبحت خططهم تعتمد أكثر فأكثر على خلق تنظيمات مسلحة محلية شيعية المذهب منغلقة التفكير لتتقبل الأوامر الإيرانية وتنفذ المخططات التوسعية. وهكذا كان الظهور بمظهر المنتصر على اسرائيل حلقة مهمة جدا فيما يرسم لمستقبل المنطقة ما لم يدركه باراك الذي ألزم نفسه بموعد محدد للانسحاب جعله يخسر، بعد أقل من سنة على انسحابه، رئاسة الوزراء ويُدخل اسرائيل في دوامة من العنف دامت سنوات متاثرة “بنجاح” الخط المتشدد “الارهابي” في لبنان وفشل التفاهمات بتأمين الاستقرار.
من هنا محاولة الإيرانيين كسب نقاط اعلامية على الأرض حيث تبرّع السيد نصرالله بتهديد الجنوبيين بالدخول إلى مخادعهم وقتلهم في اسرتهم بكل وقاحة وفجور، ومن ثم دفع بحزب الله، فور انسحاب الاسرائيليين من موقع البياضة المشرف على البحر، لأن يحاول احتلال مركز الجيش الجنوبي عند جسر الحمرا ولكنه وقع في شبه كمين وتعرّض لهجوم مضاد من قبل عناصر الجنوبي خسر خلاله أكثر من 15 عنصر بقيت جثثهم على الطريق بالقرب من معبر الحمرا إلى ما بعد الانسحاب النهائي عدى عن الجرحى، وبالرغم من مشاركة مدفعية الجيش اللبناني بتغطية هذا الهجوم. ولما فشلت هذه العملية لم يعد يجرؤ الحزب على استعمال القوة فحاول دفع أفواج من المدنيين للدخول إلى المنطقة عند معبر الشومرية – دير سريان هذه المرة.
في هذه الأثناء كان الاسرائيليون قد أقنعوا اللواء لحد ليقوم بزيارة عائلته في فرنسا قبل موعد الانسحابات لكي يكون حاضرا أثناءها للاشراف على تنفيذ البنود المتعلقة بالجيش الجنوبي والمتفق عليها. ولكن باراك، وخوفا من سقوط الاتفاق مع الإيرانيين على ما يبدو، اتخذ قراره السريع بالانسحاب قبل شهر من الموعد المحدد وبغياب قائد الجيش الجنوبي وبدون خطة واضحة أو أي تعليمات لتصرف العناصر، ما ضيّع الجنوبيين الذين لم يتلقوا أي أمر بالقتال أو تنسيق الانسحابات، وبغياب الاسرائيليين والجنرال لحد، بدى وكأن هناك اتفاقا على تسليم المنطقة لحزب الله. ولما لم يكن هدفهم محاربة الدولة اللبنانية ولا الأمم المتحدة فقد فضل بعضهم الدخول إلى اسرائيل منعا لسفك الدماء المجاني كون “الحليف” الاسرائيلي قد رحل ولم يسمح للدولة اللبنانية أو قوات الأمم المتحدة بمفاوضتهم وكأن المطلوب أن تصبح الحرب في الجنوب حربا بين اللبنانيين أصحاب الأرض والحزب الإيراني تحت نظر الدولة وقوات الأمم المتحدة ما لم يستوعبه هؤلاء، فهم، يوم دافعوا عن بيوتهم ونسقوا هذا الدفاع مع الاسرائيليين بانتظار قيام الدولة وتحملها مسؤولياتها، كان هدفهم منع القتال عبر الحدود وليس الدخول بحرب بين ابناء الوطن الواحد ولو أن من يواجههم الآن يأتمر بدول أجنبية.
كان الجيش الجنوبي قادرا على الصمود والسيطرة على المنطقة وفرض التنسيق معه والتفاوض حول عملية التنظيم المستقبلية. ولكن غياب اللواء لحد (الذي يقول البعض بأنه غُيّب أو استغيب قصدا لتنفيذ الاتفاق الذي كان وقّع في السويد بين الايرانيين والاسرائيليين والذي يعتبر حزب الله من سيخلف الجيش الجنوبي بعملية حفظ الحدود ومنع أي اعتداء عبرها)، واستعجال باراك بالانسحاب، ومباركة ساترفيلد، قد أجهضت أية محاولة لنجاح العملية الطبيعية والتي كان يجب أن تعيد العمل باتفاقيات الهدنة وانتشار الجيش اللبناني بمساعدة الجيش الجنوبي وقوات الأمم المتحدة على كامل الحدود وبالتالي تسليم حزب الله سلاحه للدولة واستيعاب من اراد من مقاتليه ومقاتلي الجنوبي ضمن قوات الجيش. ولكن هذا الاصرار على الانسحاب المتسرع سيصبح نقطة عار ستلحق باراك وتلطخ جبينه داخل اسرائيل حيث اعتبر الكثيرون بأن هذه القيادة السياسية قد خانت أبناء المنطقة الحدودية وتخلت عن كل الدماء المشتركة التي أريقت في سبيل السلام عبر الحدود وبالتالي تسببت بكل تلك الهجمات الارهابية التي حصلت داخل اسرائيل فيما بعد والتي كانت نتيجة مباشرة لاظهار حزب الله والحرس الثوري الإيراني بالمنتصر عليها.
اليوم وبعد مرور 22 سنة على هذا الانسحاب يمكننا أن نفهم بأن تسرّع باراك بالقرار وعدم احترام حليفه الجنوبي وتأمين سلامته وبقائه عنصر توازن في التركيبة اللبنانية والجنوبية كان “دعسة ناقصة”، كما نسميها، ساهمت بتكبير حزب الله ومساعدة الحرس الثوري الإيراني للظهور بمظهر المنتصر، وأدت إلى حرب 2006 التي كلفت لبنان واسرائيل على السواء الكثير من الألم. وبالتالي، ولو أنها زرعت سوسة لهدم الكيان اللبناني (إذا كان أحد أهداف اسرائيل الغير معلنة، كما يحب أن يقول اعداءها، هو هدم هذا الكيان)، إلا أنها خففت من وهج الهالة التي تحيطها، ولو أنها أدت، وبدون حرب، إلى تفكيك الجيوش المنظمة في الدول العربية المجاورة والتي لا تربطها باسرائيل اتفاقيات سلام، لا بل سمحت بالتقارب الجاري بين اسرائيل والخليجيين العرب خوفا من السيطرة الإيرانية وحفاظا على التركيبة السكانية المختلطة مذهبيا والتي استغلها الإيرانيون لبث الذعر في هذه المجتمعات المرفهة وتهديد استقرارها كمقدمة للسيطرة على مقدراتها وثرواتها مستعملين أمثال حزب الله هذا للقيام بالأعمال القذرة.
أما في الداخل اللبناني حيث كان الاحتلال السوري قد طوّع القوى المعارضة له بعد هزيمة العماد عون ودخول السوريين وزارة الدفاع وقصر بعبدا وفرض اتفاق الطائف الذي شرّع له احتلال كامل لبنان سيما وأنه تمكن فيما بعد من قهر القوات اللبنانية وحلها وسجن قائدها والاستيلاء على حزب الكتائب وابعاد الرئيس الجميل من الساحة وقتل داني شمعون وعائلته في عملية اجرامية تشبه عملية قتل طوني فرنجية وعائلته حيث تظهر اصابعه وراء العمليتين وحتى في مقتل رئيس الوزراء رشيد كرامي بشكل واضح. وقد استتب لهم الوضع ليسيطروا على الساحة اللبنانية ويقبضوا على كامل مفاتيحها السياسية والاقتصادية على السواء.
من هنا كان تسليم الجميع بأن حزب الله المدعوم من سوريا وحليفها الإيراني هو محرر الجنوب ومنقذ لبنان من “العدو” الاسرائيلي. ولم يتنبه أي من القوى السياسية العاملة آنذاك بأن مشروع نفخ حزب الله والحرس الثوري الإيراني سينقلب ضد لبنان وسيمنع استعادته للسيادة وطموح اللبنانيين بانتهاء الحروب وتلك الساحة المفتوحة في الجنوب والتي تستجلب الخراب لهم ولأولادهم من بعدهم.
وهلل الجميع بخروج الاسرائيليين من كامل الأراضي اللبنانية ولم يسأل أحد عن أولئك الذين حافظوا على تراب الجنوب بأجسادهم ومنعوا قيام المستوطنات الاسرائيلية فيه كما كان جرى في الجولان وسيناء والضفة الغربية وغزة، وحموا حقوق الناس وممتلكاتهم وتنوّع مذاهبهم ومشاربهم وحتى انتماءاتهم السياسية؛ فالدرزي ابن حاصبيا وحتى المنتمي للحزب الاشتراكي كان يفاخر بصداقته لرئيس الادارة المدنية إذا لم يكن أحد أولاده جنديا أو ضابطا في الجيش الحنوبي، وكذلك فعل الشيعي الذي كان ينتمي لحركة أمل، والسني البدوي في الغرب أو أبن منطقة العرقوب الذي فاخر أيضا بعلاقاته الحسنة مع الجيش الجنوبي وحتى الضباط الاسرائيليين، ولم يختلف المسيحيون عن هؤلاء وهم الذين دافعوا عن المنطقة منذ سيطرة فتح وغيرها ومن ثم منعوا تهجير منطقة جزين كما جرى في شرق صيدا والأقليم، وحسّنوا العلاقات مع دروز الجبل فسمحوا بالتنقل بين حاصبيا والشوف وبين بنت جبيل وتبنين أو مرجعيون والنبطية وكانوا وصلوا منطقتهم ببيروت الشرقية قبل احتلالها من قبل السوريين بواسطة البحر وتعاونوا مع القوات اللبنانية التي كانت تحميها. ولكن بعد سقوط هذه المنطقة بيد سوريا نتيجة لتقاتل زعمائها، ما ادى لابعاد الأول وسجن الثاني ووئد اي أمل بالخلاص، لم يعد هناك من مبرر لمحاولة الاتصال بلبنان الذي يحكمه السوريون. من هنا وعندما قرر رئيس وزراء اسرائيل أيهود باراك الانسحاب من طرف واحد لم يكن هناك في لبنان من يهمه أمر هؤلاء المواطنين الذين حافظوا على العلم اللبناني مرفوعا حتى خروجهم من لبنان حيث حل مكانه العلم الإيراني والعلم الأصفر اللذان لا يمتان للبنان بصلة ويعتبر وجودهما في الجنوب رمزا لبسط سيطرة إيران على كل لبنان.
اليوم وعندما نسمع بعض السياسيين يجاهر بأعترافه لحزب الله بتحرير الجنوب وهو يعلم كل العلم بأن هذا الحزب لم يفعل سوى منع اسرائيل من الخروج من لبنان مدة 15 سنة لكي يكمل سيطرته على الطائفة الشيعية ويعود بها إلى مرحلة الانعزال والتخلف والخوف من التعاون مع الآخرين، وقبل أن ينهي سيطرته الفعلية مع أسياده السوريين والإيرانيين على البلد ويحوله لدولة فاشلة يمكن تهجير أهلها بسهولة، كما فعل في سوريا، وبعد افقارهم وهدم مؤسسات الدولة بدءً بالكهرباء التي منعوا جماعتهم عن دفع فواتيرها منذ 1982 إلى الوزارات التي ملؤها بالموظفين الذين لا يقومون باي عمل، إلى الجامعات التي أفرغوها من قيمتها والبنوك التي نزعوا الثقة عنها وحتى الضمان الصحي والاجتماعي وغيرها من المؤسسات التي كانت تنظم أمور الناس وتسهم بتقدم البلد. ومن ثم فقد تهجّموا على كل الاصدقاء وزرعوا الشقاق والخلاف معهم واطلقوا يد الفاسدين ومهربي المخدرات وعصابات السرقة لقضم كل ما تملكه الدولة من اسس ومشاريع وتحطيم آمال اللبنانيين باللحاق بالركب العالمي.
نقول بأن هؤلاء السياسيين الذين يعترفون لحزب الله بأنه حرر لبنان من الاسرائيليين هم انما يغشون اللبنانيين أو انهم يغشون أنفسهم ليعتادوا ربما على تلك الحالة الجديدة التي يخططون للالتحاق بها، وهي حالة التبعية للنظام الفارسي الجديد الذي لن يفعل سوى جرّ البلاد إلى عهد التخلّف والظلم والانعزال والتقوقع وخوف مركبات الوطن من بعضها لكي لا تحتكم إلا له ولا تجروء على التعاون فيما بينها. وقد يتحفنا هؤلاء غدا بأنهم فرضوا بعد الانتخابات النيابية اقرار “الاستراتيجية الدفاعية” حيث يسيطر حزب الله على الجيش والقوى الشرعية بدل أن يُحل ويسلّم سلاحه للدولة فيتشبه لبنان بالعراق الذي يحكمه “الحشد الشعبي” ويمنع قيام الدولة فيه. فقد كانت سيطرة حزب الله هذا تطورت منذ تسلمه الجنوب من الاسرائيليين إلى دخوله اللعبة السياسية بواسطة الحلف الرباعي ومن ثم اختراعه لنظرية الثلث المعطل التي انما عطلت الحكم حتى تمكن من فرض قانونه الانتخابي الجديد الذي سيطر بواسطته على المجلس وتحكّم بالرئاسات الثلاث. وها هو اليوم يقرر خوض الانتخابات التي يتوقع أن يفوق فيها عدد النواب الذين يتحكم باصواتهم عن السبعين الذين تبجّح قاسم سليماني بأنه نالها في المرة السابقة.
فهل إن باراك كان يخطط لهدم كل الدول المحيطة ومن ضمنها لبنان بواسطة حزب الله وسلاحه والفكر العدائي لكل دول المنطقة العربية الذي يتحكم بأحفاد قوروش العظيم وكسرى أنو شروان؟ أم أن البراغماتية التي يمارسها العسكريون لا تقدر أن ترى ابعد من العملية المحددة لهم في المهمة التي يسعون لتنفيذها بنجاح ولو على حساب خسائر أخرى قد تكون ذيولها أكبر بكثير؟
مشروع الحرس الثوري يركز على هدم كل ما حوله ليبني امبراطوريته الجديدة والتي يحكمها الولي الفقيه. وهو خرّب حتى اليوم العراق وسوريا ولبنان واليمن وحاول تخريب البحرين، وها هو يهاجم بشكل مباشر السعودية والامارات ويحرك كل يوم التطرف الفلسطيني حول مراكز الانتاج الاسرائيلية ليقوم بهدمها كما فعل في لبنان وغيره من دول المنطقة. فهل إن التفاهم الذي ظهر بالاتفاق الابراهيمي بين العرب واسرائيل سينتج تعاونا يمنع تمدد هذا السرطان ويوقف انتشاره؟ أم أن هذه الاتفاقيات لن تكون أكثر نجاحا من تلك التي غُمّست بالدم بين ابناء جنوب لبنان واسرائيل لتفتح فجرا جديدا من العلاقات السلمية بين البلدين وقد انهاها تصرّف الجنرال رئيس الوزراء “العملي” والقصير النظر، كما كان تصرّف الشيخ أمين “المتردد” أنهى مفاعيل دخول اسرائيل إلى لبنان سنة 1982 والقضاء على اسطورة عرفات ومنظمته وكل قدرات سوريا العسكرية في لبنان؟
في الخلاصة وبعد مرور 22 عاما على انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان، نقول: هل آن الأوان لنزع صفة “المحرر” عن حزب الله هذا والباسه صفته الحقيقية وهي “المحتل” بالنيابة عن رؤسائه الإيرانيين أم أن الحقد لا يزال يسيطر على اللبنانيين كي لا يروا الحقيقة الجارحة أو يعرفوا أين تكمن مصلحتهم؟












05/26/2022 - 11:48 AM





Comments