خاص بيروت تايمز - بقلم ألفة السلامي
شهدت الكرة الأرضية منذ أيّامٍ قليلةٍ ظاهرة الخسوف الكلِّي للقمر، وهو واحد من أروع المناظر في السماء بظهور ما يُعرف بـ"القمر الدموي العملاق" حيث تبدو الأرضَ معلّقةً بين الشمس والقمر، وعندما يقع القمر في ظل الأرض كاملا فإنه يميل إلى الظلمة تدريجيّاً إلى أن يصطبغ بلون أحمر يشبه الغسق. وقد شاهد هذه الظاهرة بالعين المجردة مواطنو أغلب دول أوروبا قبل فجر يوم الإثنين الماضي في حين أمكن رؤية هذه الظاهرة بوضوح في عدد من المناطق الأمريكية مساء الأحد الماضي.
وجاءت تسمية القمر العملاق لأنّ القمر يبدو أكبر من المعتاد، نظرا لكونه في أقرب نقطة له من الأرض في محوره. كما يطلق عليه سكان شمال الكرة الأرضية "القمر الزهري" لأنّ ظهوره يتزامن مع زهور الربيع. ولكن هل هناك علاقة بين ظاهرة الخسوف وصحة الإنسان؟
أكاد أستمعُ إلى أصوات تطلق همهمات ساخرة وتعجِّلُ بنفي أي تأثير معتقدين أنها مجرد خرافات وفلكلور شعبي يُروى من قديمِ الزمان وينكره غالبية العلماء. الحقيقة أنّ من يرغب في الإنكار فله ما يشتهي أمّا من يتوق للتعرّفِ إلى الجديد القديمِ في هذا الشأنِ فيمكن أن يجدَ منه في هذا المقال ما يفسر بعض الأسئلة لديه.
ولأولئك الرافضين لوجود تأثيرات لخسوف القمر على الإنسان أقولُ إنه من المعروف والمسلّمِ به أن حركة المد والجزر للبحار والمحيطات تتأثر عادةً عند اكتمال القمر وخسوفه؛ وذلك بسبب قوة جاذبية القمر التي تجذب الأرض عمومًا. ويتأثر بالتالي السمك في البحر والمياه. وهناك أنواع لا تظهر إلا في اكتمال القمر مثل السمك الأزرقِ، وتمتلىء بها شباك الصيادين في هذا الموسم. وهناك أنواع أخرى تختفي تماماً عند الخسوف. كما أنَّ التزاوج يزدادُ لدى الحيوانات وكذا وضع الطيور لبيضها، والنشوء المبكّرِ لدى الحشرات. فكيف نستطيع أن نقبلَ بهذا لدى الحيوانِ ونرفضه لدى البشر؟!
أمّا لهؤلاء المنفتحين على المعارف أقولُ أنَّ تعريف الإنسان وتثقيفه بما يدور حوله من ظواهر طبيعية هو مكسب في حدِّ ذاته، يضاف إلى ذلك أن الناسَ ولا سيما المرضى بأمراض متنوعة يستفيدون من هذه المعرفة حيث تساهم في تعديل سلوكهم واكتساب مهارات للحفاظ على الصحة أو تحسينها.
بداية، أولُ تأثيرٍ لخسوف القمر يمكن أن نلمسَه على نوم الإنسان؛ إذ يسبب مشكلات في النوم، مثل النوم المتقطِّعِ والأرقِ أو الرغبة في النعاسِ وعدم تركِ السريرِ وحالات الحزن والمزاج السيئ. وجدت بعض الدراسات أيضًا ارتباطًا بين مراحل اكتمال القمر والخسوف والتغيرات في مستويات الميلاتونين؛ وهو هرمون يساعد في تنظيم دورات النوم والاستيقاظ. وينتج عن ذلك سلوكيات عنيفة وحالات لومِ النفسِ على التقصيرِ في أداء المهَامِ وتحمّلِ المسؤوليّات، وهو ما يدفع بعض المرضى إلى الإقدام على حوادث الانتحار أو ارتكاب البعض لحوادث مرور نتيجة عدم التركيز. وهذا كله يعني أن الصحة النفسية للمرء تتأثّرُ، وإذا كان البعضُ يعاني بشكل معتادٍ من أمراض نفسية فإنهم سوف تزداد معاناتهم خلال دورات القمر.
ثانياً، يؤثر خسوف القمر على صحة الإنسان وعلى الأمراض؛ ولوحظ في عدد من الدراسات أن الدخول إلى المستشفيات ووحدات الطوارئ يزداد لأسباب مختلفة، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية، وحالات الشريان التاجي الحادة، ونزيف الدوالي، والإسهال واحتباس البول أوعدم التحكم فيه. كما يؤثر خسوف القمر على ضغط الدم خاصة لدى الرجال دون القدرة على التفسير؛ إذ أُجريت دراسة في عام 2013 على طلاب الجامعات الذكور، وقاس الباحثون آثار دورات القمر المتغيرة على أنظمة القلب والأوعية الدموية للمشاركين، ووجدوا أن ضغط الدم انخفض بنحو 5 ملم زئبق خلال مراحل المحاق واكتمال القمر.
ثالثاً، يوجد للدورة القمرية تأثير على التكاثر البشري، لا سيما معدلات الخصوبة والحيض ومعدل المواليد. كما يؤثر خسوف القمر على معدل تكاثر الأسماك والتناسل عمومًا. وكشفت دراسات أجريت على الحيوانات أن الدورة القمرية قد تؤثر على التغيرات الهرمونية لديهم.
رابعاً، يؤثر الخسوف على الكواكب؛ فمثلاً يؤثر على كوكب الزُّهَرَة، وهو كوكب الحب والمال؛ وبذلك فهو يؤثر على حياة الفرد العاطفية وعلى العلاقات والصداقات ويربكها، وهذا وفقاً لدليل علم الفلك. وخسوف القمر تحديداً يؤثر على التصرفات المالية أيضا حيث يميلُ البعضُ إلى الشعورِ بالقلقِ تجاه ما لديهم من مدخراتٍ وقد يعمدون إلى تصرفاتٍ غير حكيمة في الإنفاقِ أو بيع بعض الأصولِ تنمُّ عن ارتباكٍ وتشويشٍ في القدرةِ على اتخاذِ القرار.
ربّما هذه المعلومات سوف تفيدُ البعضَ في فهمِ أعراضٍ تنتابهم في الحِقْبَة الأخيرة أو هواجس ليس لها تفسير لديهم. لكن هذه المعرفة لا ينبغي أن تثنيهم عن استشارة الطبيب حول تلك الأعراض إذا كانت مقلقة أو التحلّي بالهدوء وعدم التسرّع في اتخاذِ القرارات المهمة والمصيرية تجاه العلاقات أو المسائل الماليّة.
"الڨمرة"** حكاية جدتي مع
خير الكلام آخره: أختمُ الحديث عن خسوف القمر بحكاية قرأتها لدى صديقة تونسية اسمها - راضية مبروك - على صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك. ولطرافتها فإني استأذنتها في إعادة كتابتها بلغة قريبة من لسان العرب رغبةً في توثيقها نقلاً عن النسخة الفلكلورية الشفاهية المتوارثة التي يتناقلها الناس في تونس بخيالٍ خصبٍ يمزج الأسطورة بحسّ فكاهيّ يثري ويحافظ على القصص الشعبية، والقصة على لسان جداتنا تحت اسم "الڨمرة تكسفت".
هي حكاية "مزيانة" من الليالي الزينة التي عشتها أنت وأنا، وأنقلها بأمانة. كان الحال بداية صيف مثلما هو الآن، وكنا مندمجين في السّهر لحين يشقشق نور الصباح. كان االمنشر (مكان تجمع النساء) مليان بالعجائز والنساء تحت شباك الصالة، وكنّا "الغشاشر" الصغار بجانب شباك غرفة "مماتي" وغرفة الصابون، وفجأة سمعنا صراخها :"يالطيف إلطف بنا الڨمرة تكسفت!". جاوبتها زوجة "سيدي" :"بعد الشر وُخيِّتي، هذا لأنَّ الشمس كسولة، لم تقمْ بواجباتها المنزليّة مع الڨمرة ولم تنظّفْ ما ينبغي تنظيفه، فقرّرت أن تعبًرَ عن غضبها واحتجاجها وتهبطَ فوق رؤوسِنا، يا لطيف، ياحفيظ". وما كان من مماتي إلا أن علا صوتها أكثر وهي تصرخُ :"احضروا المهارس(الهون)، والمقافل والكساكس (أدوات الطبخ) والمغارف والفراشط (الملاعق والشوك).
جرينا جميعاً إلى الداخل نحضرُ ما طلبته الجدة وأمسكنا بيد الهون ندُقُّه دقّاً بكلِّ ما أوتينا من قوّةٍ. وجمعتنا الجدة حولها، وأمرتنا بإحكام الضرب على الهون وإعلاء أصواتنا هرجاً ومرجاً.
وتساءلت: "هل تعلمون علاش القمرة تكسفت؟ وتابعت الإجابة وهي تنطق الكلمات بطريقتها العجائبية وهي تكشف عن سرِّ الأسرارِ: "هناك ساحرة شريرة نزلت من السماء للأرض وتريد أن تُسقطَ الڨمرة، ليس لأنَّ الشمس ضربتها ولكن لأنَّ الشمسَ خذلتها، وتكاسلت في أداء واجباتها. وهي الآن تحاولُ بكل ما تملكه من سحر ضوئها، أن تعلِّمَ الڨمرة درساً حتّى لا تكرّرَ صنيعها". وأخذت ماماتي تشحننا بالحماس حتَّى نشدَّ سواعدنا ونضربَ بقوة أكثر فأكثر لنخيفَ الساحرة الشريرة فتخافُ وتبتعدُ وتترك القمرة وشأنها فلا تسقطُ فوق رؤوسنا.
ظللنا نضرب بأدواتنا وكأننا جوقة فنية فوضوية مجنونة فيعلو أصوات القرع حتى تكاد تخرس الآذانَ. بينما كنت قد أعجبتني الحكاية وأطربتني الأصواتُ وسرحتُ بخيالي معها وأمسكتُ بتلابيب الساحرة وأنا منتشٍ وصرختُ وكأنني حققتُ انتصاراً مبيناً وغطيت الهون بأكُفّي حتى لا تهرب الساحرة وتطير مني: "ماماتي، لقد أمسكتُ بالساحرة، هاهي مسجونة في الهون تحت يدي بلا رحمة!"
ردت جدتي مبتسمة في ذكاء كمن يصحّح الدرس: "اللطف يا بُنيَّتِي بعد الشر علينا"
وبقينا على تلك الحال إلى أن صفا الجو وعاد ضوء الڨمرة إلى سطوعه. وانطلقت الزغاريدُ وعلت أصوات النساء في أرجاء الدار مردّدة: "الحمدلله، الله لا يعاود علينا غمة بجاه سيّدِ الأُمّة"
تلك حكاية مرت عليها سنوات وما زالت للآن عالقة في بالي، حتى عندما كبرتُ ودرستُ الخسوف في مادة الجغرافيا وفهمته لم تغب عنّي هذه الصورة التي أثرتْ خيالي وجعلتني أعشقُ القمرة وأهابُ الشمسَ وأستمتع بذكرياتٍ تنعشنا وتحرّك مشاعر الطفولة البريئة بين ضلوعنا. ما أجمل حكايات زمان وما أحلى نوايا جداتنا و"ناس بكري" وحكاياتهم، وكم زيّنوا أحلامنا وأثروا خيالنا. والحمد لله على نعمة العلم، لقد عرفنا الظاهرة الطبيعية وفهمنا كيف تتكون وزادها سحر الحكايات رونقا. وكلّ خسوف وأنتم مبتهجون.












05/24/2022 - 10:48 AM





Comments