بسام ضو *
بصفتي باحث سياسي وناشط، قاطعتُ الاستحقاق الانتخابي يقينًا منّي أنه أكبر عملية تزوير ممنهجة يرتكبها النظام القائم، علمًا أنْ من راجعوني تمنيّتُ عليهم وبصيغة أخوّية مقاطعة هذه الإنتخابات المُسخْ، والمُلفت أنْ أكثرية الناخبين سئموا الوعود وظهرت على وجوههم ملامح السخط ولن أخفِ سرًا أنني سمعتُ كلامًا نابيًا بحق كل من توالوا على السلطة ولم أستطعْ الدفاع عن أحد من هذه الطبقة السياسية.
لا أسرد هذا الأمر ضمن مقالتي الأسبوعية عرضًا، بل لأوضِّحْ للرأي العام اللبناني وللذين راقبوا الإنتخابات سواء أكانوا من الجهات الدولية الوافدة إلينا أو الجهات العربية كُنتمْ شاهد زور بامتياز ولا حاجة لتبيان ما حصل في أثناء عمليات الاقتراع وما سبقها من تضليل وضرب للديمقراطية.
قانونيًا وسندًا لمندرجات علم السياسة لا تظهر النظم الشمولية بشكل مفاجئ ولا تنشأ نتيجة تطوّر معيّن، بل هي فعليًا تعبير عن سياق منظومة سياسية ينتهجها رَُعاع السياسة تسبق عملية تحقق النظام الشمولي . إنّ المنظومة الشمولية الحاكمة في لبنان ترجع إلى سنوات مضت من التضليل المكثّف للرأي العام التي أدّتْ إلى تغيير جذري في التركيبة الفكرية اللبنانية، وكباحث وبمعية أكثر من مركز بحوث لبناني وعربي ودولي لاحظنا تغييرًا في تركيبة الرأي العام قوامها التضليل المتعمّد إذ حصلت تشوهات كبيرة يَصعُب معها تصحيح مسار الأمور ورافقتها نموذجات سياسية اجتماعية عسكرية فكرية وتشكّلتْ معها قوى مهيمنة لرؤية مختلفة عن المسار الديمقراطي للمجتمع اللبناني تُخالف الرؤية الصادقة الديمقراطية منذ أواخر الثمانيات .
هكذا حلّ التضليل في المجتمع اللبناني تدريجيًا محل الديمقراطية ونمتْ الشمولية والأحادية، ومع دخول هذه الأيديولوجية التضليلية بات المجال السياسي اللبناني مهيأ لشتّى أنواع الانتهاكات، وبهذا المعنى فإنّ منظومة الشمولية في الفكر السياسي الأحادي المستورد قام على تضليل الرأي العام تحت ستار محاربة الأعداء ومحاربة الإقطاع ومحاربة الفساد وإسترداد السيادة ... من خلال هذا النظام السياسي ونظرية فكرية ملوّثة تعمل على صهر حياة اللبنانيين في قالب تضليلي عفِنْ في مختلف جوانبه ضمن بوتقة إدارية تحتكر كل مقوّمات السلطة حتى إذا جاز التعبير مصادرتها بالكامل .
في تحليل منطقي قبل الولوج في تقييم العملية الانتخابية نرى انصياع جزء لا يُستهان به من مكوّنات الرأي العام نشأ في بيئات معينة لم تعرف الإندماج في أيّة منظومة سياسية فكرية متنوّرة ومتحرِّرة أو حتى تنظيم سياسي يؤسس للدفاع عن مصالح الشعب اللبناني والدولة السيّدة والمستقلّة الغير مرهونة لمحاور خارجية ويمكن توصيف هذا الأمر بنعت "لا مبالاة" وهذا الأمر يتحمّل تبعاته كلاً من القيادات الروحية التي تعاطفت مع الأمر الواقع داخل مكوّناتها الطائفية التي تجاهلت الواقع المأساوي التي ذهبتْ إلى حد دعم بعض قادة الرأي الذين ضلّلوا عمدًا الرأي العام دونما تحريك أي ساكن.
إستنادًا إلى العديد من المراجعات التي شملت قيادات روحية وزمنية سمعنا والمجالس بالأمانات "نحن في مرحلة النأي بالنفس" كما سمعنا "نحن لا نتدخل في السياسة، نترك السياسة لأربابها..." في علم السياسة يُصنّف هؤلاء بمجموعة "اللامبالاة" الذين لهم البُعدْ السلبي في مواجهة الأمور، فعملية النأي بالنفس في أثناء الأحداث المصيرية التي تتزامن مع وجود قادة رأي موتورين ودمويين وأحاديين - عفوًا على هذا التوصيف ولكن آليتُ على نفسي توصيف الأمور إستنادًا إلى مراجعة دكاترة في علم النفس – ولديهم القدرة على تضليل ممنهج للرأي العام بطريقة مرنة وغامضة ومتعددة الأساليب عبر تسويات شخصية محضة التي تتيح التعبير عن هوامش المناورة والمبادرة إلى أخذ الناس حيث مصالحهم الخاصة، ومن ثمّ تُصبح ضرورة مرادفة لتطبيع الرأي العام ضمن خطة محكمة للسيطرة والإطباق عليهم، كل هذه الأمور حصلت وتزامنت مع صمت مُطبق لا ينفع معها اليوم إعادة النظر في المواقف المتخذة، ما حصل قد حصل وهو نتيجة الخنوع والسكوت عن الأخطاء التي تراكمت التي يصعَبُ إصلاحها بمبادرات خجولة أو ببيانات من هنا وهناك .
الإنتخابات كانت مهزلة المهازل وتؤكد للملأ أنّ هناك تلاعبًا بالاستحقاق الانتخابي تزويرًا وتمديدًا لبعض الطبقة الحاكمة التي توالي التبعية والارتهان التي تؤكد أنّ أغلبية الذين اقترعوا كانوا جزءًا من أنصار هؤلاء ولا نخفي سرًا وهذه نسبة أكدتها السلطات الرسمية ومراكز الإحصاء أشارت إلى أنّ عدد المقترعين بلغت الـ 41 %، وهل يُعقل التغاضي عن اعتكاف الـ 59 % ؟.
حقًا إنها كانت جريمة بامتياز، حيث مُنِعَ بعض الناخبين من الاقتراع طوعًا وفقًا لتوجهاتهم وأظهرت كل وسائل الإعلام وأمام مرأى المراقبين الدوليين التعّدي على بعض المناصرين من فريق معيّن وهذه ضربة للديمقراطية وطعنة لنزاهة الإنتخابات، إضافة إلى ما وثقته هيئة الإشراف على الإنتخابات من انتهاكات ... هل يُعقل أن نعترف بمكوّن لبناني من مذهب معيّن أنّ الأصوات التي اكتسبها هي حق تمثيلي له بينما تؤشر الأرقام في دوائره أنه أضعف الضعفاء وغير موثوق بتمثيله ؟.
إنّ ما حصل في الإنتخابات الأخيرة تجاوز كل الأصول القانونية ولا صلة له بجوهر وشروط والعمليات المختلفة من حيث النزاهة والديمقراطية ويؤسس لاغتصاب الشرعية التمثيلية للشعب اللبناني، وأقل ما يُقال عنها إنها انتخابات مزوّرة لإرادة الشعب والوضع يتستدعي تنظيم الحق لأنه ركن أساسي لا ينتقصه ولا ينفيه في إبطالها، وبالتالي علينا طرح السؤال الجوهري: ماذا بعد الإنتخابات وأي سلوكية يجب اتخاذها هل التفاؤل أو التشاؤم ؟.
*كاتب وباحث سياسي












05/21/2022 - 12:03 PM





Comments