د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
أمضت أميركا النصف الثاني من القرن العشرين تكثف إنتاجها من الصناعات العسكرية، وجلبت الحرب الكورية معها قفزة كبيرة في الأسلحة النووية، لكن حرب فيتنام غيرت كل شيء، وكما يقول المؤرخ الاقتصادي آدم توز لم ترث أمريكا أسلحة جديدة فقط بل ورثت عقائد حربية أكثر تطورا وبشكل خاص للقوات الجوية، ومنذ هزيمة أمريكا في فيتنام وخروجها منه عام 1973 الذي وافق الحرب العربية الإسرائيلية، وبدأت الولايات المتحدة تتجه نحو رفع ميزانيات الدفاع، وانسحابها من كابل ليست تكرارا لما حدث في فيتنام ولكنها استمرار له فالان أصبحت الولايات المتحدة بمثابة دولة متقلصة.
عانت الولايات المتحدة من نقل كثير من الصناعات والأعمال الأمريكية إلى منطقة الحزام الشمسي وخارجها بسبب رخص العمالة، وضعف النقابات التي ليست على غرار النقابات في أمريكا التي تدافع عن حقوق العمال التي ترفع من تكاليف العمالة.
لذلك هناك تعدد الاحتمالات المستقبلية من بينها توازن القوى، وبين تحييد روسيا وكسبها حليفا، أو التصالح مع الصينيين، كما فعل هنري كيسنجر في السبعينات ورفع الضغط على موسكو، فنحن نشهد تاريخا مختلفا ومستقبلا غامضا.
ترى الصين في الحرب الأوكرانية أنها تعكس التوترات المستقبلية بين التحالف الغربي وبكين، ففي أواخر أبريل 2022 قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، وانغ وين بين إن الناتو منظمة عسكرية في شمال الأطلسي، جاء في السنوات الأخيرة إلى منطقة آسيا والمحيط الهادي لإلقاء ثقله وإثارة الصراعات، وأضاف الناتو أفسد أوربا، وهو يحاول الآن إفساد منطقة آسيا والمحيط الهادي، وحتى العالم، خصوصا بعد تصريح عدد من المسؤولين الأميركيين والغربيين التي وصفت الصين بانها المنافس الاستراتيجي وليست روسيا.
هناك عدد من المحليين يرون أن الصين قد لا تكون متضررة من تلك الحرب في أوكرانيا التي من شأنها أن تشتت موارد الغرب في مواجهتها، وفي نفس الوقت لم تتخل بكين عن تقديم الدعم لروسيا عسكريا واقتصاديا منذ اندلاع الحرب في 24 فبراير 2022، مقابل دعم الغرب لأوكرانيا، لكن الولايات المتحدة ترى عكس ذلك وتعتقد أن الحرب الأوكرانية من شانها أن توفر لها ميزة غير متوقعة على المدى الطويل، كما نجد في قرار القادة الأوربيين زيادة إنفاقهم الدفاعي، وإضعاف روسيا، مما يسمح لها بتسريع تركيزها وزيادة مواردها في مواجهة الصين بحسب تقرير لوكالة بلومبرغ، لكن في نفس الوقت شددت إدارة بايدن أن المنافسة مع الصين لا تعني الحرب.
أيضا من يتابع تقرير الوثيقة المشتركة التي صدرت في فبراير 2022 بعد القمة التي جمعت الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الروسي بوتين وإعلانهما عن شراكة بلا حدود، وعبرت الوثيقة عن معارضتهما توسيعا إضافيا لحلف الناتو، وتعهدت بالبقاء متيقظين للغاية بشأن التأثير السلبي لاستراتيجية الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادي، حيث ترى واشنطن أن التحرك نحو آسيا بالغ الأهمية وقد طال انتظاره، وحذرت الصين من إساءة استغلال الصين نفوذها العسكري والاقتصادي في المنطقة المتمثل في سيطرة أكبر على هونغ كونغ وتوسيع نفوذها في بحر الصين الجنوبي، وحذرت الولايات المتحدة الصين أنها سترد إذا أقامت الصين قاعدة عسكرية في جزر سليمان ذات الموقع الاستراتيجي والتي وقعت مؤخرا اتفاقا أمنيا مع بكين، لكن حاول رئيس وزراء جزر سليمان ماناسيه سوغافاري طمأنة واشنطن وأستراليا إلى أن الاتفاق مع الصين لا يشمل إقامة قاعدة عسكرية، ما جعل مسؤولين في الحكومة الأمريكية خلال اجتماع مع سوغافاري طلب تسريع فتح سفارة أميركية، وتقديم مساعدات للرعاية الصحية، وتسليم جرعات لقاحية، وتعزيز الروابط بين الشعبين.
في المقابل يركز الصينيون على الاختلافات في المصالح الاقتصادية والسياسية بين الأوربيين والأمريكيين في منطقة آسيا، للدفع بسياسات أوربية أكثر استقلالية عن واشنطن، ودعمت بكين الاستقلال الذاتي الاستراتيجي وهو المفهوم الذي تبناه الرئيس الفرنسي ماكرون، الذي دعا أوربا إلى لعب دور أكثر استقلالية في دفاع يعتمد بشكل أقل على الولايات المتحدة، ودفع الزعيم الصيني شي في مكالمة هاتفية مع ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتز وبقية القادة الأوربيين إلى أخذ الأمن بأيديهم، كما تراهن بكين على أن هناك تباعد بين الأوربيين والأمريكيين في ظل المشكلات الاقتصادية التي سببها الحرب في أوكرانيا وصعوبة التخلي عن النفط والغاز الروسيين قد تؤدي إلى انقسام دائم بينهما، ويمكن أن يؤخر التركيز الاستراتيجي للولايات المتحدة عليها.
هناك تنافس بين الولايات المتحدة والصين في آسيا، فالولايات المتحدة تسرع من رفع الشراكة الاستراتيجية ومجموعة رابطة جنوب شرق آسيا ( آسيان ) بوعود لدعم الطاقة النظيفة والأمن البحري، على امل إظهار واشنطن بالمنطقة لجعلها شاملة في خطوة تظهر اهتمامها بمنطقة المحيطين الهندي والهادي، وقدمت الولايات المتحدة مبادرات جديدة بنحو 150 مليون دولار، وهو مبلغ متواضع إذا ما قورن بحزمة قدرها 40 مليار دولار قدمت لأوكرانيا مقابل بمليارات ضختها بكين في المنطقة التي تستعرض قوتها أيضا في بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه، وترتبط دول مثل فيتنام وميانمار ولاوس بعلاقات مع روسيا، حيث تستورد منها المعدات العسكرية ،وأبدت كل من تايلاند وإندونيسيا حذرا كبيرا في التصريحات حول الحرب، وبخصوص الصين، وجهت إدارة بايدن رسائل قوية تظهر أنها ملتزمة بتعزيز أمن منطقة المحيطين الهندي والهادي لمواجهة التحدي الذي تمثله الصين وتشارك دول جنوب شرقي آسيا.
خصوصا وأن الصين تدعي من خلال ما يسمى بخط الحطوط التسع بأن لديها سلطة على الممرات المائية في بحر الصين الجنوبي، والتي هي قريبة فعليا من دول المنطقة الأخرى، فلديها نزاعات مع الهند، ومع فيتنام، واليابان، وماليزيا، والفلبين، وقد دعمت الولايات المتحدة في 12 يوليو 2016 رسميا القرار الصادر بالإجماع من محكمة دولية، والذي خلص إلى أن ادعاءات الصين في بحر الصين الجنوبي ليس لها أساس في القانون الدولي، رغم أن الصين في وقتها تمسكت بحل النزاعات بينها وبين الفلبين في بحر الصين الجنوبي عبر التفاوض، فكيف إذا تواجه الولايات المتحدة السور العظيم الجديد بسبب رفض الولايات المتحدة الموافقة للصين القيام بأي نشاط عسكري أو تجاري صيني داخل الجزر المتنازع عليها، وبناء جزر صناعية في تلك المنطقة.
أكدت كيرت كامبل أن الرئيس بايدن لا ينوي إطلاق حرب باردة جديدة في آسيا، مشددا على أن أي تفاهمات تجارية محتملة يجب أن تلبي سكان المنطقة، والصين أكبر شريك تجاري لدول جنوب شرقي آسيا منذ أكثر من عقد، على الرغم من الخلافات الكبيرة على الأراضي بين بكين وعدد من أعضاء الرابطة مثل فيتنام والفلبين، لكن أولويات الولايات المتحدة العمل مع شركائها بشأن تحسين سلاسل التوريد التي اضطربت منذ الوباء أو محاربة الفساد أو تعزيز الطاقة النظيفة، يأتي خلافا للاتفاقات التجارية التقليدية التي لن تضمن هذه المبادرة الدخول إلى أسواق الولايات المتحدة، وهي اتفاقية رفضها الرئيس الأمريكي السابق ترمب بسبب أنها تؤثر على العامل الأمريكي.
ستركز الولايات المتحدة على التحالف الاستراتيجي الهندي والمحيط الهادي المعروف بالرباعي والمكون من استراليا والهند واليابان والولايات المتحدة، بذلك تكون الولايات المتحدة قد بدأت بالتحول من سياسة الشراكة الاستراتيجية التي سادت بعد نهاية الحرب الباردة على المستوى الدولي إلى التنافس الاستراتيجي، رغم أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي واليابان يمثلان أكثر من نصف الاقتصاد العالمي، وتقدر احتياطيات الدولار بنحو 60 في المائة، واليورو بنحو 20 في المائة، فيما لا تمثل العملة الصيني سوى أقل من 2 في المائة، ويبلغ الاقتصاد الصيني قريب من 18 تريليون دولار، لكن الفجوة التجارية بين الولايات المتحدة والصين اكثر من 500 مليار دولار لصالح الصين، وتستثمر الصين في السندات الأمريكية اكثر من تريليون دولار، ولم يصل الاقتصاد الروسي إلى 2 تريليون دولار، فلا زالت الفجوة كبيرة جدا بين المعسكرين حتى الان.
لكن هناك قلق لدى الولايات المتحدة بأن تصبح الصين دولة متقدمة متوسطة المستوى بحلول عام 2035 وإلى قوة عظمى على مستوى الولايات المتحدة عام 2050، هذا الاندفاع الصيني فرض على الولايات المتحدة مراجعة سياساتها تجاه بكين، وهو ما يجعل الولايات المتحدة تسعى نحو استعادة التوازن الاستراتيجي بمنطقة غرب آسيا بتوجيه الموارد والقوات نحو الشرق الأقصى، من اجل إبقاء المزايا الاقتصادية والتفوق التكنولوجي لصالح الولايات المتحدة، وبين اتجاه الصين لتوسيع نطاق التنافس الجيوسياسي والعمل على إضعاف الولايات المتحدة والتحرك نحو مركز النظام من أجل الريادة الدولية.
رغم ذلك، فصعود الصين واقع وحقيقة تتأكد مع الوقت، وهذا سيعطيها سلطة في تشكيل بعض قواعد النظام الدولي، أو على الأقل رفض بعضها من أجل تبني معايير جديدة بعد ظهور أقطاب جديدة مثل الصين وروسيا، وهذا سينسحب إلى الشرق الأوسط الذي يحظى باهتمام كبير من جانب كل منهما، لا سيما أن التوازن الاقتصادي والجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين في هذا الإقليم أصبح حقيقة تترسخ مع الوقت، خصوصا بعد انخراط الصين بصورة أوسع في المنطقة في قضايا الشرق الأوسط، وذلك بالتوازي مع مشروعاتها الاقتصادية العملاقة التي تعكس النفوذ الجيوقتصادي الواسع في المنطقة وعلى رأسها السعودية.












05/14/2022 - 10:53 AM





Comments