سباق مع الأيّام والإنتخابات، التجيّيش الطّائفي المستمر

05/12/2022 - 11:50 AM

Your Ad Here

 

 

ألسّفير د. هشام حمدان*

 

وأخيرا أعلن الأستاذ وليد جنبلاط تنازله عن الزّعامة إلى ابنه تيمور. شكرا أستاذ وليد. كان هذا مطلبي له منذ زمن بعيد. لكن أرجو أن يتركه فعلاّ يمارس فكره ودوره. أنا أستطيع القول أنّه لم يفعل وربما لن يفعل. الأستاذ وليد لا يثق بابنه وبقدراته. أنا من الذين قرأت منذ زيارتي اليتيمة له قبل سنوات، ما ينطوي عليه هذا الشّاب من فكر حرّ، ورغبة جامحة في التّغيير.

الأستاذ وليد يجعل إبنه يبدو فاشلا لأنّه يريده أن ينطق بما لا يقتنع به. لقد كتبت انطباعي في حينه، وتمنّيت عليه أن يتركه يمارس ما يشعر به. لم يتركه، حتّى وضعه في قفص، قبل أن يقول أنّه يطلقه. لقد فرض عليه لائحة المرشّحين، وبرنامجه، وطريقة تعاطيه مع "الدّروز". أستاذ جنبلاط لا يرى الدّروز إلّا قبيلة، وهو زعيم لها. الدروز أيضا يرون أنفسهم قبيلة. أمّا السيد تيمور فقد رأيت في حينه أنّه كان يرى الدرزي أولا كإنسان، وكان يشمئز من عبادة الشخص.

هذا المهرجان في السّمقانية هدفه شدّ العصب أكثر من اي امر آخر. خرج وليد جنبلاط ليقول يريدون إلغاءنا. هل أنّ وئام وهاب غير درزي يا أستاذ وليد؟ هل أنّ الأمير طلال غير درزي أيضا؟ هل أنّ راميا غيث ومارك ضو وعلاء الصايغ، ليسوا دروزا؟ لا أحد يعتدي على حصة الدروز المضمونة دستوريا. هم يريدون إنهاء دور وليد جنبلاط .هم يدركون أنّ شعار السّيادة الذي يرفعه الآن هو شعار إنتخابي تكتيكي لا أكثر. السيادة ليست تكتيكات إنتخابيّة، ولا شعارات فارغة "خشبيّة" كشعار "المقاومة"، بل هي استراتيجيّة متكاملة. موقف "المقاومة" ليس إلغاء الدروز.

ألموقف هو في إخضاع الجميع إلى مشيئتهم في تقرير مصير لبنان، وموقعه في الصّراعات الدّوليّة في الشّرق الأوسط. لا أحد يريد إلغاء "الزّعيم". هو كان بمتناولهم دائما، وما زال. إغتياله، وكذلك اغتيال إبنه، ليس أكثر صعوبة من اغتيال رفيق الحريري. لكنّهم كانوا يعلمون ويعلمون الآن، أنّ جنبلاط لا يقف ضدّهم، بل هو يستخدمهم تكتيكاّ لتجيّيش الناس لا أكثر.

ألنّاس الذين لا يرون في وجودهم إلّا "الزّعيم" وليد جنبلاط، نسوا أنّهم كانوا يرون وجودهم أيضا في والده فلما غاب، غاب تعلّقهم به. هم نسوا أنّه قبل أشهر قليلة دعى سيّد المختارة قادة أركانه في "الحزب"، وراح يثني على السوري ومساعدته لهم خلال حرب الجبل. في الواقع سورية هي التي لم تنس موقفه، وموقف برّي اللّذين ساعداها في وضع يدها على لبنان. شكرتهما بأن جعلتهما شريكين في صنع القرار طوال مدة وجودها في لبنان. السيّدان جنبلاط وبرّي قدّما لها لبنان في حرب الجبل، ومن ثمّ في محاربة إتّفاق 17 أيار، وكذلك في حرب شباط في بيروت، وبعد ذلك، في وقف تطبيق إتّفاق الطّائف.

ألنّاس نسوا أنّ السيّد جنبلاط، كان يعمل جاهداً من أجل أن تستقبل دمشق إبنه تيمور وتحتضنه مثلما إحتضنته هو خلال عهد الرّئيس حافظ الأسد، وعملت منه ذلك القائد "الكبير". لكنّ دمشق رفضته كما ترفض حليفه برّي. فوجد نفسه ملفوظاً سوريّاً وسعوديّاً وأميركيّاً. هو الآن يدفع الثمن، وسيدفع إبنه أيضاً الثمن، لأنّه جعله نموذجا له. حزب الله قرّر أن ينهي دور وليد جنبلاط لا تيمور. سيترك الفرصة لتيمور لإعادة التّموضع لاحقا وإلّا. ربما أول الغيث بما يمكن أن يمهّد للتموضع، إستقبال السيد غازي العريضي الحميم لجلاد حزب الله في بيصور. أما بالنسبة إلى برّي، فقد تركه الحزب إلى مرحلة أخرى. لا يمكنه أن يقاتل ضدّ برّي وجنبلاط معا. لكن مصير برّي معروف.

لطالما حذّرت السيّد جنبلاط، وبكلّ إخلاص، من مغبّة مواقفه. لطالما طالبته أن يعود إلى تاريخ والده. لكنّني لم ألق إلّا الشتائم والبيانات والكلام البذيء. كانوا يقولون في الماضي "صديقك من يصْدِقك لا من يصدّقك". ألأستاذ وليد تلذّذ بدور الإقطاعي، لا القائد الوطني (رحمات الله عليك يا كمال). كلّ السّلاطين والملوك الّذين اتّخذوا المرائين، مستشارين لهم، إنتهوا إلى مزبلة التّاريخ.

وليد جنبلاط لم يغب عن الساحة. هو موجود في شخصه ورجاله وأفكاره. هذا الإنتقال في "الزعامة" لا يتحقّق بحضور الملك. سنرى ذلك سريعا. في الواقع فعل المهرجان فعله التجيّيشي حتّى بين المتعلّمين والمثقّفين الذين نسيوا في هذه اللحظات، عذابات السنوات القليلة الماضية.

ربّما تكون هذه إحدى آخر المقالات التي أكتبها قبل الإنتخابات. فبعد الإنتخابات، سألغي صفحتي الحاليّة على الفايسبوك، وأقيم صفحة جديدة، لا مكان فيها للسّياسة والتّحليل السّياسي والفكري بل للعلاقات الإجتماعية والمغتربين. سيكون لي مدوّنة خاصّة لها الطّابع الفكري فقط. لقد اكتفيت مواقفاً وأفكاراً من حالة لبنان، ودور سياسيّيه، وأركان سلطته. قمت بما يمليه واجبي الوطني منذ عدت إلى لبنان. شرحت كثيراً عن التطوّرات التي عاشها العالم منذ عام 1990، وتأثير ذلك على لبنان. قليلون هم من تفهّموا الأمر. إلتقيت عشرات الّذين قادوا حركة الثّوار، وشرحت التّفاصيل، مبيّنا أنّ علينا أن ننتهج فكراً جديداً يتوافق مع تطوّرات العلاقات الدّولية. لكن عبثاً. أنا واثق ان الأستاذ تيمور الذي عاش معظم حياته في فرنسا، يفهم مثلي هذه الحقيقة.

رفع الثّوار شعار الفساد ومحاربة الفساد. وتبارى الجميع في هذا الحقل. أقول الجميع، لأنّ أركان السّلطة الّذين اتّهمهم الثّوار بالفساد، تسابقوا على المزايدة، ودفع أزلامهم بين الثّوار يرفعون هذا الملفّ بقدسيّة لا مثيل لها. ألمهم أن لا تصل الثّورة إلى كبد الحقيقة. لم تصل الثّورة فضاعت الطّاسة، وتشتّتت الثّورة وما زالت. ولذلك دعوت إلى مقاطعة الإنتخابات.

قلت منذ اليوم الأوّل: ألمشكلة ليست في حالة الفساد القائمة، بل في مسبّبات هذه الحالة، التي سمحت بانتشار الفساد. لن يمكن إلغاء الفساد، ما لم تلغ الأسباب. وكنت صريحاً بالقول أنّ حالة الإحتلال الخارجي للبنان (الإيراني المسلّح، والأميركي-الفرنسي السّياسي)، والتّدخّل في شؤونه، جعلوه ساحة مفتوحة للصّراعات والحروب، الأمر الذي يمنع أيّ تغيّير إصلاحيّ حقيقيّ يسمح بإلغاء الفساد. في هذه المعركة الإنتخابيّة لم يعد شعار الفساد مسموعا. عدنا فورا إلى الحقيقة: حزب إيران وحلفائه بكلّ إمتدادتهم الإقليمية والدولية، مقابل الأحزاب التي تتبع "التقويم الغربي" والتي لم تجد بدّا من أن ترفع زورا، شعار السّيادة، للبقاء.

خرجوا الآن يتحدّثون عن السّيادة. يتحدّثون عن السّيادة، ولا يعلنون موقفا من الخطّ 29، والخطّ 23، ومساعي السّلطة بيع ثروة لبنان لإسرائيل. يتحدثون عن السيادة، ولا يطالبون بتنفيذ اتّفاق الهدنة والقرارات الدّوليّة، وخاصة القرار 1701. يتحدّثون عن السّيادة ويقبلون صامتين تسييل ذهب لبنان. يتحدّثون عن السّيادة ويًقبِلون إلى صندوق النّقد، الذي ستتحوّل معوناته إلى قروض أخرى، على عاتق الأجيال اللّبنانيّة القادمة.

ترى ما هو موقف هؤلاء السّياديين من حقوق ضحايا المرفأ؟ يريدون هيئة تحقيق دوليّة، أي تسليم الغر ب ألقرار بهذا الصّدد. ألغرب لا يريد قرارا. فإسرائيل هي التي قصفت المرفأ، ويعلمون ذلك. ألمطلوب تشتيت النّاس إلى أن يدركهم كالعادة، ألنّسيان. والمضحك المبكي، أن جهابذة الأفكار الإيديولوجيّة: ألقوميّة (العربيّة والسّورية)، وغير القوميّة الذين يحافظون على فلسطين "قميص عثمان" في شارعهم، تناسوا أنّ إسرائيل تقصف سورية كلّ يوم، ولا أحد يرد.

تناسَوا أنّ مزارع شبعا، وتلال كفرشوبا، تعيشان حالة أمان، وتزدهر السيّاحة الإسرائيليّة فيها منذ عام 2006. يرفضون اتّفاق الهدنة ويتناسون أنّه يتمّ التّفاوض برعاية "المقاومة" مع إسرائيل، لترسيم المياه الإقليميّة، الأمر الذي يعني بطريقة غير مباشرة، إعترافاً واقعياً بوجود إسرائيل، ويجيز لها إستغلال النفط والغاز في "المياه الفلسطينية المحتلّة". هم يصمتون بأسلوب غير مسبوق، عن هذه الطريقة الجديدة في التطبيع العملي معها. تناسوا أنّه يتمّ تسليم ثروتنا من الغاز والنفط مقابل الحفاظ على "المقاومة". والأنكى أنّ حزب الله الذي يحمي هذه المفاوضات، يتّهم الثّوار بأنّهم يريدون حذفه من أجل التّطبيع مع إسرائيل.

قبل أيام كتبت روزانا أبو منصف أنّ الغرب لا يريد أيّ تغيير "سياديّ" في لبنان. يريد المحافظة على الوضع الحالي. وهم يصرّون فقط على الإنتخابات. بالطبع. فالغرب "الدّيمقراطي" يحمي نفسه خلف ما يسمّى زورا "الدّيمقراطيّة" في لبنان. هم يعلمون تماماً الواقع. الآن همهم وضع أيديهم على ثرواتنا من النفط والغاز والذهب، وعندما يقرّرون ساعة الصفر بالنسبة إلى حزب إيران في لبنان، فسيكون لكلّ حادث حديث.

ناديت بحياد لبنان، كي لا يشعر أيّ طرف فيه أنّ مفهومي للتّدخّل والاحتلال يعنيه هو فقط. وشرحت الطّريق المناسب لتحقيق هذا الأمر. جماعة "المقاومة" لا تريد الحياد فمشروعها معروف. بل ذهب الغوغائيّون من بينهم إلى مهاجمة الخيمة التي كنت سأتحدّث فيها عن هذا الموضوع. لكن، وبالمقابل، لا أحد من المجموعات الثّوريّة كانت لديه الجرأة لأن يرفع شعار استعادة كل مقومات الدّولة في وجه الدّويلة، وشعار استكمال تطبيق الدّستور لإقامة مجلس نيابيّ خارج القيد الطّائفي . وحدهم القوّات فعلوا ذلك، ولكن متأخّرين جدا. وفعلوا ذلك، ليس رغبة في تحقيق سيادة لبنان كما يدّعون، بل لإضعاف عدوّهم الأوّل وهو رئيس تيّار منافس لهم في طائفتهم، هو السيّد جبران باسيل. فعلوا ذلك، لكن أواخر عهد الرئيس عون. أما في بدايات العهد، فكانوا أزلامه.

أخيرا، أنا كمواطن، سعيد جدّاً بالحفل الذي أقيم في السّمقانيّة وبإلباس تيمور عباءة الزّعامة. هذه أولى الخطوات لتحرير الدّروز من ماضيهم المتوارث، وبدء التّفاعل مع العصرنة والعالم الحديث. وضع المشايخ الإجلّاء العباءة على كتفي تيمور، فيما زوجة أستاذ تيمور الرّاقية ابنة العائلة اللبنانية الكريمة من أهلنا الشيعة في البقاع، تنظر بزهو وفرح. نحن مثلك مدام تيمور، ننظر بزهو وفرح. فهذا هو الموقف الوحيد الذي فرضه تيمور فعلا على والده والدّروز. الزواج المختلط. هذا حقّه وحقّ لكلّ إنسان. أنا أثق الآن، أنّ الأستاذ تيمور سيناضل من أجل تحقيق مطلب الزّواج المدني في بلدنا. هذا الموقف سيحمي الوجود الدّرزي في العالم. غالبيّة شبابنا موجودون في المهاجر، ولا يمكن إقناعهم أبداً بإقفال قلوبهم، بقفل طائفيّ.

 

* سفير لبنان. دكتور في القانون الدولي باحث زائر في جامعة تكساس. كاتب وناشط اجتماعي

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment