بقلم ميشلين أبي سلوم *
الطربوش أحمر، البطيخ أحمر، إذاً الطربوش بِطّيخ. على هذه الطريقة السخيفة أعلنت نتائج اقتراع المغتربين.
في عملية حسابية احتيالية، نسبت الأكثرية إلى المقترعين، 59 بالمئة أدلوا بأصواتهم. وهذا يعني أن المقاطعين، بحدهم الأقصى، يشكلون 41 بالمئة.
مقاطعون؟. كيف؟.
أليسوا هم أيضاً من تحمسوا وحسموا أمرهم واندفعوا إلى التسجيل في قوائم المشاركة بالتصويت؟.
هؤلاء، يا عباقرة خارجية لبنان وداخليته، غابوا ولم يقاطعوا.
هم يكملون الـ “59 بالمئة”… فقد انتموا إليهم عندما اتخذوا قرار المشاركة.
غابوا، ربما بداعي السفر، أو المرض. أو لدواعي البعد الجغرافي، الذي عطّل التواصل بين “الراشي والمرتشي”.
يا أصحاب التذاكي، النتيجة حسمت ساعة إقفال التسجيل، لا ساعة إقفال الصناديق.
هناك مئتان وثلاثون ألفاً قرروا التصويت. فماذا عن ملايين المغتربين الذين قرروا الإمتناع؟. ألا تقتضي العدالة أن يطبق معيار الداخل على الخارج؟.
إذاً لماذا تحتسب نسبة الاقتراع في الداخل، بالمقارنة بين عدد الناخبين وأعداد من لهم حق الانتخاب ولم ينتخبوا؟.
ولماذا تقتصر المقارنة في الخارج فقط على المقترع في السجلات والمقترع في الصناديق… ويتم تجاهل الملايين ممن لم يسجلوا ولم يقترعوا.
لو طبقنا معيار الداخل على الخارج، فلن نحتاج إلى معرفة أعداد من يحق لهم الانتخاب في بلاد الغربة، لنعلن أن نسبة اقتراع المغتربين أتفه من أن تذكر.
كما نحن نعلم، أعلموا، أن لا أصوات اللبنانيين، ولا أصوات اغترابهم، قادرة على التغيير، مادام أن أصواتنا وأصواتهم، وحيثما أمطرت، فإن خراجها مصادر بقوة “السلاح”.
مسكين هذا الوطن: ها هي تركة “السلاح” تضاف إلى تركاته الثقيلة.
تركات أورثتها له الأزمنة المتلاحقة.
من العثمانيين أخذنا تركة التخلف، التي أورثوها للفرنسيين. ومن الفرنسيين أخذنا تركة فرق تسد، التي أورثوها للإستقلاليين. ومن الاستقلاليين أخذنا تركة الزعماء، التي أورثوها لكميل شمعون. ومن كميل شمعون أخذنا تركة الحرب الأهلية الصغرى، التي أورثها لفؤاد شهاب. ومن فؤاد شهاب أخذنا تركة “المكتب الثاني”، الذي أورثه لشارل الحلو. ومن شارل الحلو أخذنا الحضور الفلسطيني المسلح، الذي أورثه لسليمان فرنجية. ومن سليمان فرنجية أخذنا تركة الحرب الأهلية الكبرى، التي أورثها للياس سركيس. ومن الياس سركيس أخذنا تركة الاجتياح الإسرائيلي، الذي أورثه لأمين الجميل. ومن أمين الجميل أخذنا تركة حكم العسكر، الذي أورثه للياس الهراوي. ومن الياس الهراوي أخذنا تركة حكم عنجر، الذي أورثه لإميل لحود. ومن إميل لحود أخذنا تركة اغتيال رفيق الحريري، الذي أورثه لميشال سليمان. ومن ميشال سليمان أخذنا تركة ظاهرة الفراغ، التي أورثها لميشال عون. ومن ميشال عون أخذنا الكثير من التركات المرعبة.
اهتراء الدولة.
ثورة 17 تشرين.
انفجار المرفأ وتدمير ثلث بيروت.
انهيار الاقتصاد والليرة والصحة والتعليم.
افتتاح جهنم الحارقة بنيرانها والخارقة بانتشارها.
… وهذا الكثير العوني، يورثه عون للبنان.
والآن… هل يبقى للبنان شيء ليرثه اللبنانيون؟. وهل كل هذه الأثقال من الموروثات المهلكة والقاتلة، يمكن أن تزول بسحر صناديق الاقتراع؟.
طبعاً لا… فلا صوت يعلو على صوت “السلاح”.
إذاً، آخر الدواء الكي.
فلندعهم يكتوون بالحكم… لا أن نكتوي به ليحكموا.
*صحافية لبنانية












05/11/2022 - 16:15 PM





Comments