اضطرابات النوم والصحّة العقليّة

05/11/2022 - 15:19 PM

Atlantic home care

 

 

 

خاص - بيروت تايمز - بقلم ألفة السلاّمي*

 

مع بَدْء شهر مايو، وهو شهر التوعية بالصحة النفسية وأيضاً يُعرف بشهر الصحة العقليّة، تحاول الدوائر الطبية المتخصصة والجمعيات الأهلية جلب المزيد من الانتباه لحملات التوعية حول الصحة العقلية. ونحتاج بعد شهر رمضان للمسلمين والصيام الكبير للمسيحيين أكثر منأي وقت آخر الاهتمام بضبط ساعات النوم لخفض التوتر واستعادة التوازن النفسي والصحة العقلية خاصة في ضوء اضطراب ساعات النوم وعدم كفايتها خلال فترات الصيام.

النوم أحد أهمّ وسائل التخلص من القلق والصعوبات التي يمر بها الكثيرون مع تضخم ملحوظ يجتاح الأسواق وما يتبعه من عدم القدرة على تغطية نفقات الحياة، إضافة إلى التزامات الشتاء الذي كان قاسيا في برده وارتفاع تكاليفه جنبا إلى جنب مع نفقات مضاعفة في مثل هذه المناسبات والأعياد. كل ذلك خلَّف ضغوطاً يحتاج الناس إلى تنحيتها جانبا وإعطاء الأولوية للراحة الجسدية والصحة العقلية.

الحصول على قسط كافٍ من النوم يمكن أن يكون له تأثير كبير على سلامة الصحة، بينما قد تؤدي زيادة التوتر إلى صعوبة الحصول على النوم الذي نحتاجه. كانت الحِقْبَة الماضية بالنسبة للكثيرين مليئة بالضغوطات، ومن قبلها أكثر من سنتين متواصلتين خلال التعامل مع جائحة كورونا صاحبتها صعوبات في إدارة التعامل مع التعليم من المنزل وضغوط العمل والحاجة للتسلّح بأدوات التكنولوجيا الحديثة لمواجهة التحديّات الجديدة في سوق العمل والتعليم. وقد أثّر ذلك على العديد من الأشخاص، خاصة في نومهم. وصفت جامعة هارفارد النوم بأنه"أحدث ضحية" لجائحة كورونا وحذّرت من أن الناس قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بمشاكل النوم مثل الأرق، زيادة على الوحدة والانقطاع عن النّاس بالنسبة لكبار السنِّ.

وقد تكون هذه المشاعر مؤقتة فلا تميل إلى إخراج عادات نومنا عن مسارها؛ لكنّ الأمر الأكثر إثارة للقلق هو تأثير الإجهاد المزمن على النّوم على المدى الطويل.

إن محاولة الحصول على ساعات نوم عميق وأنت متوتّرٍ يشبه محاولة تسديد الكرة من نصف الملعب وأنت معصوب العينين، فالشعور بالتوتر يجعلُ الجسمَ يفرزُ "الكورتيزول"، وهو هرمون التوتر الرئيس. يتزامن هذا مع دخول السكر أو الجلوكوز إلى مجرى الدَّم مما يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدَّم. تزداد حينئذ ضربات القلب وتتوتّرُ العضلات ويعمل العقل لوقت إضافيٍّ. يُعرف رد الفعل هذا باسم استجابة "القتال"، وهي آلية بقاء فطرية تُنشِّطها أجسامُنا عندما نكون في مأزق. رد الفعل هذا هو ما يجعل من الصعب النوم. تظلُّ أجسادنا ببساطة مُثبتة لإبقائنا مستيقظين عندما نشعر بالتوتر.

يتعامل ملايين الأشخاص فعلًا مع هذه المشكلة بشكل متكرّرٍ. كشفت دراسة استقصائية أجريت عام 2017 أن 40% من المواطنين العرب (العينة ضمت5 بلدان عربية بينها مصر) واجهوا صعوبات في النوم خلال شهر رمضان وبعدها شوال بسبب الإجهاد. وجدت الدراسة أن استشارة الأطباء والحجز في المستشفيات للرعاية زادت بنسبة 25% لدى الأشخاص الذين لهم تاريخ مع الأمراض النفسية والعقلية خلال هذين الشهرين مقارنة ببقية شهور السنة. كما زادت الخلافات العائلية والزوجيّة بنسبة 30% عن المعتاد..

يفسّرُ الأطباء ذلك بأنَّ التوتر لعدة أسابيع يتحول إلى إجهاد مزمن فيضطرب النوم وتزيد عدم القدرة على التحكّم في الانفعالات. يمكن أن يحدث هذا بسبب الصيام وتغير التكرار اليومي في النوم، والعمل في أجواء من الضغوط الشديدة، أو المخاوف المالية مع زيادة الإنفاق، أوالمشاكل الزوجية والطلاق، أو مرض أو وفاة أحد أفراد الأسرة. عندما تستمرُّ الضغوط لفترات يبدأ الجسم في التعود على مستويات الكورتيزول المرتفعة. هذا لا يعيق الحصول على نوم جيّد فحسب بل يمكن أن يؤدي إلى مشكلات صحية أكثر خطورة، بما في ذلك أمراض النوم والصداع الدائم، والقلب وارتفاع ضغط الدَّم والسكري والاكتئاب والسمنة.

وقد يُسْجنُ الشخصُ داخل حلقة مفرغة يصعب الخروج منها تبدأ بقلق يمنع النوم ويؤدي إلى مزيد من التوتّر الذي يؤدي بدوره إلى قلة النوم. وجدت جمعية الصحة العقلية الأمريكية أن ليلة واحدة بلا نوم يمكن أن تؤدي إلى زيادة بنسبة 30% في مستويات التوتر العاطفي. يؤدّي النوم دورًا مهمًا في تحسين المِزَاج والمساعدة على العمل بفعالية؛ عندما لا نحصل على ما يكفي من النّوم، يصعب على أجسامنا إدارة الإجهاد بشكل صحيح.

إذا وجدت أنك أكثر توتراً من المعتاد في الآونة الأخيرة، خذ دقيقة للتفكير في عادات نومك. فقط تذكر أن النوم الجيد ليلاً هو أساس الصحّة الجيّدة: يساعد جهاز المناعة على العمل بشكل أفضل، كما يساعد العقل والذاكرة على العمل بشكل أفضل، ويساعد في تقليل التوتر والحفاظ على الهدوء وإدارة الحياة والمشكلات. وهذا بدوره سيساعد على النوم بشكل أفضل.

يجب أن يكون إيجاد طريقة للاسترخاء والابتعاد عن ضغوط اليوم أولوية قصوى. تُعدُّ ممارسة التمارين الرياضية بانتظام والحفاظ على نظام غذائي صحي طريقتين رائعتين للتخلص من التوتر وإعداد النفس لنوم عميق. هناك خطوتان أخريان بسيطتان يجب مراعاتهما: تناول محفّزات الميلاتونين قبل النوم متمثّلة بالخصوص في اللبن الدافىء والزبادي والعنب الأحمر، والحرص على الاستحمام بماء داف يساعد على الاسترخاء والتخلص من التوتر والنوم بشكل أفضل. قد تشعر أحياناً أنَّ الوقت عصيب، لكن هذا لا يعني تركه يفسد نومك وحياتك!

 

*كاتبة صحفيّة مهتمّة بالسياسات العامّة والتنمية البشريّة

[email protected]

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment