بسام ضو *
يؤشّر علم السياسة إلى أمر مهم وهو إنّ إفراغ أي مبادرة من محتواها يضُّرْ بالقوانين والدساتير وحتى الديمقراطية، كما كان يحصل سابقًا عند طرح مبادرة إنقاذية لرد الإعتبار للسيادة اللبنانية الوطنيّة.أي دبلوماسي أو وزير أو مندوب أو قائد ما الذين يديرون هذه العملية يُفاقمون من أزمة التمثيل وإكتساب الشرعية التي يُحاولون الدفاع عنها وبالتالي عليهم عدم الإنصياع للعبة "تمرير الوقت". في سياق الأزمات والتعديلات البنيوية عليهم الإلتصاق في كثير من الأحيان بالديمقراطية من خلال تفعيل "بنود المبادرة "المطروحة مع إضفاء برنامج ملموس لترجمتها على أرض الواقع... المطلوب من أي شخص يحمل مبادرة أن يفعل كل ما في وسعه لتقديم معالجة جذرية فعّالة للإحتياجات السياسية للشعب اللبناني.
تسعى الدول العربية والمجتمع الدولي في لبنان جاهدين لتحقيق تحوُّلْ من الإعتماد على منظومة سياسية تُعيد من حيث المبدأ رونق العمل الديمقراطي للجمهورية اللبنانية، ولكن كما هو حاصل في زيارة معالي وزير الخارجية الكويتي أنها إعتمدت ربما على الشخصيات والمحسوبيات الزبائنية إلى المناظرات بين أفرقاء النظام القائم والطلب منهم تنفيذ مقررات ما تلاه عليهم من بنود تضمنتها الوثيقة المحمولة بالأمانة. ما تفعله عادة الدول الناجحة التي تتلقف مبادرة ما، لم تفعله جمهورية الإرتهان بقادتها الحاليين، وهل يمكن ربط نجاح المبادرة المُشار إليها عبر وسائل الإعلام بطبيعة هذه الطبقة السياسية المرتهنة؟.
طبعًا لا هل بإمكانها أن تُيَّسِّرْ مستوى التفاعل الدبلوماسي مع المجتمعين العربي والدولي لإنجاح المبادرة أو القدرات المتوافرة لدى الطبقة السياسية التي تتقاسم "الكعكة" وتوفِّرْ الغطاء للنفوذ الإيراني وللأرض الخصبة التي ينطلق منها حليفها في لبنان؟هل ستُجبر هذه المبادرة السياسيين على تغيير سلوكهم وتغيير قواعد اللعبة؟أم أنّ المجتمعين العربي والدولي باتا أكثر إلحاحًا في مطالبة حُكام لبنان بتقديم التنازلات أو الرحيل؟؟؟
من الصعب المبالغة في تقدير أهمية هذه الأسئلة بالنسبة لِما يحصل اليوم من إحتلال للرأي في لبنان ومن مصادرة كل المؤسسات الرسمية المدنية والعسكرية لصالح من أمسكوا السلطة بقبضة حديدية من بوّابة إنتخابات العام2018. ويتوّقع من الطبقة الحاكمة الحالية أن تُحيط بمصالح وإهتمامات الدولة الراعية الممثلة بحليفها اللبناني، وأنّ يُعبّر عنها في البيانات السياسية والقرارات المتخذة بشأن السياسات المعتمدة أي التنّصُل من بنود المبادرة ولا حاجة للتذكير بما سرّبته أكثر من وسيلة إعلامية فحواه "أننا لسنا قادرين على فعل أي شيء..." في الأبحاث التي أجريناها مع بعض الزملاء الباحثين في الشؤون الإستراتيجية لاحظنا أنّ السلطة الحالية التي تحكُمْ خلافًا للنظام الديمقراطي تقوم بإستعمال إستراتيجيات تعتمد على تدابير غير برامجية، كما أنها تستخدم إستراتيجيات مختلفة في مجالات مختلفة حتى في الوقت نفسه وفي أغلب الأحيان برامجها مجموعة من المواقف المتناقضة مع شرعة حقوق الإنسان وميثاق جامعة الدول العربية والتي تُشكِّل برنامجًا إستفزازيًا بشكل دراماتيكي أمام أعيُن الجميع.
أمام هذا الواقع الميأوس منه وأمام ضيق الوقت نعتقد أنّ "المجموعات الوطنية" التي تتسِّمْ بخصائص منظومية تكون أقدر على تمثيل مختلف المجموعات اللبنانية التوّاقة إلى التحرُّرْ من التبعية والإرتهان القائمتين في لبنان، وذلك بالعمل على جمع وحصر رغباتها وأولوياتها والعمل لمصلحة لبنان ولما تنص عليه القوانين والأعراف المتبعة في كل الدول. لذلك على أي محاور أن يلتزم بأصول مخاطبة "المجموعات الوطنية" إنّ رَغِبَ في إنجاح المهمة الموكلة إليه. وعندما تلتزم "المجموعات الوطنية" بتنفيذ مجموعة واضحة من المواقف المتعلقة بالسياسات التي يتم إتخاذها فإنها تخضع لنفسها لمساءلة أمام الرأيين العربي والدولي فيما يتعلق بتنفيذها لِما إتُفِقَ عليه أثناء المحادثات. ومن ثمّ يمكن لأصحاب المبادرة مكافأة "المجموعات الوطنية" أو معاقبتها بشكل أساسي .
ولأنّ "المجموعات الوطنية" ذات السمة الأخلاقية والوطنية الصرفتين الطاغيتين توفر درجة أقوى من التنفيذ، وهناك إحتمال أكبر في أن تكون أكثر قدرة على تقديم تصوّر وطني مبني على ما تمّ ذكره في بنود سعادة السفير الكويتي وهذا ما يُساعد في إكساب الشرعية لأي عمل دبلوماسي منتج، كما أنّ التركيز على الشفافية يؤدي إلى منافع عامة على مستوى لبنان والعالمين العربي والدولي.
وزير خارجية الكويت وبمبادرته العظيمة ومن وراءه عليهم أن يعلموا عندما يكون أداء رجال السياسة في لبنان رديئًا في مجال العمل السياسي الوطني تفشل المبادرة، وإنّ الشعب اللبناني بشكل عام يُحبطْ ... لذلك المطلوب أن تعالج المشاكل الموجودة من خلال برنامج سياسي يرتكز على ما ورد من بنود في المبادرة. من الحيوي لنجاح المبادرة أن تكون على قدر مسؤولياتها في توفير الحوار مع من يرقى بهم الحوار لا مع ناس مأجورين مرتهنين يُساومون ويُسايرون ويتلوّنون...
إنّ الإرتهان السياسي والفكري مشكلتين يجب التحرُّرْ منهما، ونقمة على الحياة العربية والدولية يجب الإبتعاد عنهما والتعاون على أساس ميثاق جامعة الدول العربية وشرعة حقوق الإنسان حل لكثير من المشاكل الناتجة عن رهن لبنان لمحور الجمهورية الإسلامية الإيرانية والذي يُغلف ب"تحالف الأقليات"... لكن هناك مسافة نفسية ما بين الأحرار والعبيد، وعرفت الدبلوماسية بأن الحل هو التفاوض المباشر مع الأحرار وليس العكس. والإنسان اللبناني توّاق إلى الحرية وتوّاق إلى حوار مُجدي...
ولكن لو حصل الحوار بين العبد والمبادرة تكون الطامة الكبرى في حياة هذه المبادرة . إننا ندعوا بإسم كل اللبنانيين إلى حوار بنّاء يحمل أكثر من عنوان وفي الطليعة التطبيق الإلزامي لمندرجات الدستور اللبناني وللقرارات الدولية . وفي حالة إكمال الحوار مع هذه الطبقة السياسية ستبقى الحياة سنوات كثيرة بل عقود متطاولة لا تتغيّرْ وختامًا نريد أن نذكر أنّ أي عملية إصلاح حوارية لا تعالج أسباب الأزمة اللبنانية ستعيدنا إلى مربع الإرتهان للجمهورية الإسلامية الإيرانية .
*كاتب وباحث سياسي
*الكتابات والآراء والمقابلات والبيانات والاعلانات المنشورة في اقسام المقالات والاقتصاد والأخبار لا تعبّر بالضرورة ابداً عن رأي ادارة التحرير في صحيفة بيروت تايمز، وهي غير مسؤولة عن أي نص واو مضمونه. وإنما تعبّر عن رأي الكتاب والمعلنين حصراً.











01/26/2022 - 11:59 AM





Comments