بقلم : صالح الطراونه - مندوب بيروت تايمز - الأردن
حين دُعيت للخدمة العسكرية قادماً من الحياة المدنية وبعد أن أنهيت دراستي في كلية عمان الهندسية شعرت بغيم خريفي يجب ذاكرتي، وشعرت بالرغبة ان يتم التأجيل للخدمة العسكرية عاماً آخر لعلي أصبح أكثر نضوجاً بمفهوم العسكرية و واجباتها التي سوف تشكل في قادم الأيام بالنسبة لي حياة لا أعرف مجمل تفاصيلها خاصه إذا ما علمنا إن الجيش في عام 1989 كان يمثل رهبة لا أحد يدانيها بجانب تفكيري أين سيحط بي القدر مجدداً وفي أي بقعة من هذا الوطن سأكتب تجربتي الجديدة في سلاح الجيش الذي أحببناه صغاراً ونخاف من سيارات الجيش وكل العسكر على إعتبار إنهم عالم منفصل عن عالم المدنية ويمثلون رهبة في كل شيء.
ودعت أمي في يوم تغطي الشمس صباح قريتنا الوادعة بإنسانها.... بكيت بعض الشيء واحتضنت آنذاك أمي بعض حزني.... قائلة ( أنت زلمه والجيش مصنع الرجال يا ولدي ) ربي يوفقك....
على وقع تلك الكلمات غادرت الكرك الى معسكرات " خو بالزرقاء " بعدما أقلتنا ( كونتنتال ) من شعبة تعبئة الكرك، أتلفت مذهولاً من صوت أغاني ميسون الصناع التي كانت في صباحات الكرك الندية تداعب ذاكرتي التي تلقي نظرتها الاخيرة على شوارع المدينة المكتظة بالباعة..... والبضائع.....
ورائحة القهوة تتصاعد من حجم وجودي حين ألتمس لها عذراً في صباحات كُلْيَة عمان التي جعلتني أعيش الحداثة آنذاك مع استاذي الدكتور جميل علوش التي كانت تربطني فيه عَلاقة بعيداً عن مادة اللغة العربية فامضي معه في رحاب مدرج سمير الرفاعي بالجامعة الأردنية بعض وقتي المثقل بسفر طالب قروي جاء الى عمان يبحث عن لغة الأرقام والكتابة على وجة الزمن بشيء يستحق القراءة ونصوص خارج الزمن الرديء.
إخترقت الكونتنتال شارع الكرك المؤدي الى عمان مروراً بجسر الكرك الى المرج الى الصحراوي وأنا أنشد بداخلي بعض تفاصيل " مدنية حتماً سأشتاق لها ذات صباح ومساء وحين يكون الواجب " حراسة حدود وبندقيه.....
لا قلم وجريدة وشارع المحطة وإنتظار صباحات الأربعاء لأقرأ مقالي المنشور مع " جهاد جباره، او ابراهيم العجلوني " حين كانت اللواء تجمع شتات قلمي.
أعود الى الكونتنتال التي ليس في صندوقها شبابيك بل شادر أخضر يلفنا بصوت جهور والسائق مسرع كأنما يريد تسليمنا الى نفق آخر لا نعلم نهايته.
أنظر نحو الى من هم معي لا أعرف أحد، ولا أحد يعرفني.
وصلنا معسكرات خو بالزرقاء مساء وكان الجو بارد والزرقاء مدينة العسكر والجيش والوجوه التي لفحتها أشعة الشمس على الحدود، أخذنا رقيب أذكره من " أبا بلال النعيمات " فقال من رقم 1-20 الى معسكرات التدريب في ( الشهيد صالح شويعر ) كنت رقم 19، هيا الى تلك الكونتنتال صعدنا رحلة أخرى الى مركز التدريب الذي لا أعرف أين يقع لكنني أعرف انه شرق الزرقاء بعدما تتجاوز خو نحو الأزرق " أما الشهيد صالح شويعر فأنني قرأت عنه حين كنا نقرأ سيرة الأبطال من جيشنا العربي في كل إمسية يجمعنا فيها حب الوطن والفداء فهو " المقدم صالح عبدالله شويعر إبن قبيلة شمّر والذي كان قائد كتيبة الدبابات الثانية في حرب عام 1967 حيث سميت المعركة ( معركة وادي التفاح ) في نابلس وفي غربها تحديدا حيث كانت الساعة الثانية من بعد ظهر يوم الأربعاء في السابع من حزيران عام 1967 حيث يقال بأنه بقيت دبابة واحدة تقاوم العدو الإسرائيلي، كان يقودها آنذاك الشهيد المقدم " صالح عبدالله شويعر " ومعه من العسكر الشهداء ( سليمان عطيه الشخانبة، وصياح فياض الفقراء، وراشد موسى نمر العظمات ) حيث صدوا العدو ولم يتسطع اجتيازهم ولم يستسلم هو ورفاقه حتى نفذت الذخيرة وهنا استعان العدو الإسرائيلي بسلاحه الجوي، ومع ذلك لم تتمكن المدرعات للعدو وبمساعدة الطيران من أن تدخل مدينة نابلس إلا عند الساعة السابعة مساء وهي اللحظة التي استشهد المقدم صالح شويعر وزملاءه الثلاثة فيها إيمانا برسالة الوفاء للأمة والجيش العربي الأُرْدُنّيّ الذي ما كان إلا بالصفوف الأولى للدفاع عن القضية الفلسطينية.
تذكر الرويات التي تحفظها الوثائق للعدو الإسرائيلي إن القائد الإسرائيلي في تلك المعركه وقف على دبابتهم وأدىّ التحية تقديراً لشجاعتهم وقد كرّم أهالي نابلس الشهيد شويعر وزملاءه حيث تم بناء لهم مقبرة وصرحاً تذكارياً ما زال مزار الى يومنا هذا.
وصلنا معسكرات الشهيد صالح شويعر مثقلين بصوت الكونتنتال متعبين من طريق يكسوها الظلام طويلاً، هناك تم توزيعنا على سرايا التدريب وجئت بالسرية الثالثة وبدأنا نتدرب إلى أن جاء موعد التخريج حينها قال لنا آمر التدريب بإن جلالة الملك حسين طيب الله ثراه سوف يزور مركز التدريب ويسلم على كل العسكر هناك.
أذكر إنهم طلبوا من كل العسكر رفع بذلة الفوتيك الى ما فوق " الكوع " كم كان بداخلي من خوف ورهبة سوف اُسلم على الحسين سيد الرجال وأجملهم ، سوف أسلم على الحسين بن طلال في يوم مشهود من ذاكرتي العسكري صبياً تداعبة الريح.
جاء الحسين ووقفنا في طابور منتظم واحداً تلو الآخر.. أقبلت علية لأسلم ورأيت نوراً ووجهاً صبوح وربما الذين سلموا على الحسين يعرفون إنه كذلك وانني اقول الحقيقه، ولكي أوكد أنني سلمت على الحسين ذهبت مرةً أخرى وسلمت علية مجدداً متجاوزاً عرف العسكر بالنظام والأنضباطيه فهذا الحسين الذي نحبه سوف أسلم مرةً أخرى وليفعلوا بي ما يفعلون.
مما سبق يؤكد إن تسليط الضوء على أي حدث تاريخي دون النظر خارج الصندوق وفهم كينونة الأوضاع والصراعات الخارجية يعطي فهماً منقوصاً للأحداث، وعلية جاء كتاب " عائد من الحرب - واصابع على الزناد " ليسلط الضوء مجدداً على مجريات من الأحداث التي عاشها الوطن وناضل من أجلها ردحاً من الزمن، وربما سبقني الكثير في الطرح والكتابه في هذا الإطار لكننا بالتأكيد نلتقي على قواسم مشتركه وهو عقلية القارئ الذي يبحث عن قيمة مضافة للأحداث دون رتوش أو تشوية لصورة هذه الوقائع خاصة من ذوي الرؤوس المؤدلجه والتي عادتاً تحرف الحقائق على مزاجها وميولها ونزعتها البعيده كل البعد عن الحقيقه.
كتاب " عائد من الحرب - وأصابع على الزناد " اتمنى ان يكون جامعاً لذاكرة الحسن حين جاء بحرب الأيام الستة التي كانت تشكل بالنسبة لجلالة الملك الحسين بن طلال رهان لواحد من أكبر الزعماء في منطقة الشرق الأوسط التي كان يحلل جلالته الواقع بأن المنطقة مقبله آنذاك على حرب إقليمية كبيرة في عام 1967 م وستكون بين الدول العربية وإسرائيل مما سوف يشكل انهيار كبير بمنظومة الأمن بالمنطقة وأثراتها الخطيرة على القضية الفلسطينية بشكل خاص.
*كتاب " عائد من الحرب - وأصابع على الزناد " دعوة جادة لقراءة الأبعاد بتاريخ الدولة الأردنية التي ستبقى شامه على خد كل الأمة.
*الكتابات والآراء والمقابلات والبيانات والاعلانات المنشورة في اقسام المقالات والاقتصاد والأخبار لا تعبّر بالضرورة ابداً عن رأي ادارة التحرير في صحيفة بيروت تايمز، وهي غير مسؤولة عن أي نص واو مضمونه. وإنما تعبّر عن رأي الكتاب والمعلنين حصرًا.












01/07/2022 - 11:34 AM





Comments