أكذوبة "ما خلونا" يدحضها واقع "لا نريد" المحاكم وقصور العدل شاهد عيان

10/02/2021 - 10:49 AM

Bt adv

 

 

 

المحامي فؤاد الأسمر

 

قد يكون من الصعب محاسبة الزعماء الفاسدين عن سرقاتهم المخيفة وزجهم في السجن. وقد يكون اجتثاث منظومة الفساد، التي أغرقت لبنان بالمديونية وصولاً الى الاستيلاء على المال العام ومدخرات المواطنين، هو من المسائل الشائكة جداً.
انما لا مبرر ولا صعوبة تمنع السلطة من اجراء اصلاحات بسيطة وبأكلاف زهيدة من شأنها تطوير عمل المؤسسات وعصرنتها بدلاً من الابقاء على طابعها العثماني المهترئ البالي.
فلو أخذنا عيّنة من عينات مؤسسات الدولة، مثلاً المحاكم، لرأينا الاجرام الكبير الذي ترتكبه يومياً السلطة المولجة بالاداة والعدل بحق المواطنين عامة والمتقاضين خاصة.
فكيف يمكن تلخيص واقع المحاكم وقصور العدل اليوم؟
١- الكومبيوتر في المحاكم والنيابات العامة مفقود ويؤدي، بظل ضغط وحجم الملفات الضخم، الى فوضى عارمة وضياع ملفات، وصعوبة العثور عليها، الأمر الذي يعزز الفساد ويهدر حقوق الناس، علماً بان الكومبيوتر دخل الى السجلات العقارية والتجارية والى عدد من مصالح الدولة منذ عقود، فلماذا هذا الاجحاف بحق المحاكم والنيابات العامة؟
٢- ذلّ الوقوف في الطوابير امام المحتسبية وصندوق المال في المحاكم والادارات عامة، واضاعة ايام بطولها وعرضها من أجل دفع ايصال او رسم للمالية، في حين ان أكثر الدول تخلفاً، باتت تدفع الرسوم ومختلف المستحقات للدولة من خلال تقنية ال e-transfer
٣- ربع موظفي الدولة المسجلين على جداول الحضور اليومي : هم متوفين!!!
فهل من المقبول الا يمرّ برأس اي وزير او مسؤول،  من فئة الذين تُشَلّ الدولة برمتها لأجل تعيينهم، ضرورة اجراء مسح لموظفي الدولة والتعداد الفعلي لهم؟ وهل من المقبول دفع المليارات شهرياً رواتب موظفين على انهم يواظبون على الحضور يومياً في حين انهم متوفين؟
٤- اهتراء مخيف في بنيان قصور العدل، اذ يتآكل غالبيتها النش وتسرب المياه، وتكثر الاحتكاكات الكهربائية والحرائق داخلها خلال فصل الشتاء، ويستحيل دخولها بفعل الحرّ الشديد صيفاً، والنتن والاوساخ تغمرها على مدار السنة، بحيث بات بعض قصور العدل اقرب الى تخشيبة للعدل في طور الانهيار، وتقبع فيها مصالح الناس مجرد ملفات تالفة مرمية على الارض وفي المستودعات لتلتهمها القوارض والفئران قبل ان يجهز عليها الفقدان او التلف الكلي.
٥- ضيق مباني المحاكم وانعدام العدد الكافي من المكاتب للقضاة والموظفين، واستحالة استيعاب كميات الملفات والدعاوى الواردة. وقد جرى مؤخراً استحداث غرف للقضاة وقاعات في باحات وجوانب بعض المحاكم، ما ادى الى زيادة الضغط على هذه المباني نتج عنه مخاطر عديدة اقلها انفجار المحول الكهربائي وتعريض حياة عدد من الاشخاص للخطر، علاوة على انقطاع الكهرباء والماء والخدمات الاساسية عن هذه المحاكم.
٦- ضعف الجهاز القضائي عديداً ومساعدين وتجهيزات ومخصصات ، الامر الذي ينعكس سلباً على عمل المحاكم وانتاجية الجهاز القضائي ويعرض مصالح المتقاضين للهدر والضياع.
٧- تعطيل التشكيلات القضائية لسنوات طويلة خدمة لمصالح فردية أنانية، بهدف الابقاء على القضاة المحسوبين على بعض الزعماء، والذين هم "من حصتهم"، في مواقع حساسة…
ان ما نورده هو غيّض من فيّض واقع مهين ومزري، في حين، ومن بالغ الأسف، أن غالبية من تولى وزارة العدل ووزارة المالية والسلطات بشكل عام في لبنان يتمتعون بخلفيات قانونية (قضاة، محامون، قانونيون)، ورغم امتعاضهم الشديد، قبل بلوغهم السلطة، من هذا الواقع المشين، اذ بهم يهملونه بعد توليهم المناصب والسلطات العامة، الأمر الذي يثبت ان شعارات الانماء والاصلاح والتطوير والتحديث والتغيير وسواها من تعابير براقة ليست الا شعارات ووعود زائفة غير جدية يطلقونها قبيل الانتخابات، وعند بلوغهم السلطة يرمونها في سلة المهملات، ويتقاعسون عن اجراء أبسط وادنى الاصلاحات الضرورية وغير المُكلِفة التي من شأنها تطوير العمل وحماية كرامة المواطنين واموالهم ومصالحهم.
ان تمنّع السلطة عن اجراء هذه الاصلاحات الجوهرية بأكلافها الزهيدة والتي لا يحول اي مانع من اجرائها يؤكد الرغبة الآثمة لدى المتسلطين بابقاء الوضع المهترئ على حاله تحت ذريعة "ما خلونا" في حين انهم بحقيقة الأمر "لا يريدون".
ذلك ان الاصلاح والتطوير وعصرنة عمل المؤسسات وبنائها على أسس علمية حضارية تعتمد الكفاءة والنزاهة انما يلغي الزبائنية والمحسوبية واستغلال السلطة، ويلغي ألوهية الزعيم وهيبته ورشوة ناخبيه، وهذا ما لا يريده الزعيم المبجّل.
فمتى سنشهد ثورة اصلاحية جدية، ومتى سنعرف زعماء يحترمون بالفعل وعودهم وشعاراتهم؟ ومتى سنرى شعباً يحاسب ويطالب جدياً بحقوقه؟
 

 


 

*الكتابات والآراء والمقابلات والبيانات والاعلانات المنشورة في اقسام المقالات والاقتصاد والأخبار لا تعبّر بالضرورة ابداً عن رأي ادارة التحرير في صحيفة بيروت تايمز، وهي غير مسؤولة عن أي نص واو مضمونه. وإنما تعبّر عن رأي الكتاب والمعلنين حصراً.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment