قصي اليوسف: وجه من وجوه الأمل في عالمنا العربي

09/11/2021 - 10:17 AM

Atlantic home care

 

 

حسن الخطيب

 

لم يكن لدي أي فكرة عن الشاب قصي اليوسف قبل حضوري لحلقة "شو القصة" مع الإعلامية رابعة الزيات والتي أطل فيها قصي ليتحدث عن تجربته الملهمة والطريق الطويل الذي بدأه قبل ستة أعوام. بعد الحلقة بحثت أكثر عن هذا الشاب لأستعلم عن تجربته التي تشكّل وجهاً من وجوه الأمل والإلهام في عالمنا المظلم اليوم.

هذا الشاب الثلاثيني أصبح اليوم مصدر إلهام لملايين الناس وقدوةً لكل شخص يمر بمحنة أو بصعوبات قاسية. ولكن قبل الكلام عن تجربة السرطان التي تعدّ تجربة استثنائية كفيلة بتغيير نظرة الإنسان إلى الحياة، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ السرطان لم يكن أول تجارب قصي مع الألم.

في الحياة هناك نوعين من التجارب: التجارب اليومية الإعتيادية التي يواجهها معظم الناس والتي لا تعتبر حكراً على أناس معينين والتجارب الإستثنائية القدرية التي تحصل لأناس محددين في الحياة وتكون في بعض الأحيان غريبة لمدى قسوتها وعمقها. النوع الأول من التجارب قد يغيرّ الناس ببطء وقد يترك آثاراً على طريقة تفكيرهم وعيشهم، ولكن في معظم الأحيان ليس كفيلاً بإحداث تغيير جذري في طريقة تفكير ونمط حياة الشخص. النوع الثاني من التجارب عادةً ما يعيد تكوين الشخص بحيث يجد الشخص نفسه قادراً ومضطراً في بعض الأحيان على تبديل طريقة تفكيره وإجراء عملية إعادة تقييم لكل جوانب الحياة وكل تفاصيلها ومشاكلها. وبالطبع ينتمي السرطان إلى نوع الثاني من التجارب.

ولكن قبل البدء في الحديث عن معركة بطل قصتنا الشاب مع المرض الخبيث، يجب الإشارة إلى أنّ قصي قد خاص عدد من التجارب الإستثنائية قبل أن يطرق السرطان بابه. فهذا الشاب الحموي الأصل قد وجد نفسه وجهاً لوجه مع الموت مرتين على الأقل. فحسب ما قرأت،  في العام 2012، وأثناء سفره من مدينة حلب إلى مدينة حماة، قام عدد من المسلّحين بمهاجمة الباص وأطلقوا النار على كل الركاب وسائق الباص ليكون قصي الناجي الوحيد من المجزرة. فكانت الحادثة المذكورة المواجهة الأولى مع الموت ومع القدر. ما هي إلاّ شهور حتى تعرض لحادث أخر (طلق ناري إن كانت معلوماتي صحيحة) أدّى إلى إصابة بالغة بالجهة اليسرى من صدره خسر بسببها كمية كبيرة من الدم. حينها أخبره الأطباء أنّه لن يتمكن من تحريك يده من جديد وما هي إلاً فترة قصيرة حتى عادت يد قصي اليسرى أقوى من يده اليمنى بعدما بدأ رحلة علاجها عبر علم الحركة حيث كان يمضي ساعات طويلة في القراءة عن هذا العلم.

حتى الآن هزم بطل قصتنا القدر مرتين متتاليتين ولكن القدرأبى أن يتركه بسلام، فأتت المعركة الأصعب والفاصلة حين قرع السرطان بابه. من الصعب اختصار رحلة قصي مع السرطان ببضع كلمات نظراً إلى أنّ رحلة المرض كادت أن تلامس الستة سنوات وقد حملت في طياتها مراحل عدة وعمليات كر وفر ومحطات عدة يجب أن يتوقف المرء عندها.

بعد أن سلب المرض الصحة والطمأنينة من بطل قصتنا، استطاع أن يسرق منه عمله. قصي المهندس والحاصل على الماجستير في الطاقة الكهربائية استطاع أن يبدأ رحلة علاجه في الجامعة الأميركية في بيروت لبضعة أشهر قبل أن يعود إلى بلده سوريا بعد أن خسر تأمينه الصحي نتيجة خسارة عمله. لا يمكن اختصار رحلة المرض التي بدأت في العام 2015م ببعضة كلمات فهذه الرحلة تتضمن عددأ لا يحصى من المشاعر والمراحل والحالات والألم والخسارة والربح والصبر والإرادة وترويض النفس والقبول والتحدي و ملاحقة الأمل ومحاربة الخيبات وإعادة التجربة بعد كل سقوط. من يتابع فيديوهات قصي يلاحظ عمق وكثرة التجارب التي استطاع هذا الشاب أن يعيشها خلال رحلته وقد لفتتني العديد من كلماته عن تلك التجارب. فمثلاً، يتحدث قصي عن التنمر وعن التشكيك الذي واجهه في بداية المرض بعد تساءل عدد من الناس عن مدى صحة إصابته بالسرطان لمجرد أن عوارض العلاج في أولى مراحل المرض لم تتضمن تساقط الشعر، الأمر الذي يخالف الصورة النمطية لمريض السرطان في أذهان الناس. يتحدث أيضاً عن التنمر الذي واجهه عند تغير شكله وكيف أنّ المرض استطاع أن يسرق هويته في مرحلة ما، فبات يمر من قرب بعض معارفه من دون أن يدركوه.

كما أنّ هناك جانباً لفتني كثيراً في تجربة قصي عندما تحدث في أحد منشوراته عن موضوع الشفاء. يجب الإشارة إلى أنّ قصي قد تماثل إلى الشفاء أكثر من مرة قبل أن يداهمه السرطان من جديد، الأمر الذي يضاعف من جهد المرء كي يحافظ على تفاؤله نظراً إلى أنّ حتى الأمل بالشفاء قد يكون مصحوباً بخوف من المجهول وخوف من غدر المرض مجدداً. ولكنً قصي دائماً بالمرصاد للخيبة والأفكار السوداء، وهل هناك خيار آخر؟

من يتابع صفحة قصي وإحدى مقابلاته الأخيرة يدرك أنّ بطلنا اليوم في حال جيدة وصفها بأنّها الأفضل منذ ستة سنوات. هو ينتظر الشفاء الكامل ويتطلع إلى المستقبل المشرق وإلى لحظة العبور نحو عالم الطمأنينة والليالي الخالية من العذاب. ينتظر تلك اللحظة التي سيصل بها إلى شاطئ الأمان والتي ستكون كفيلة بإنسائه أمواج رحلة المرض العاتية.

قصي، لقد قلت أكثر من مرة أنّك لا تحب عبارات المديح. وبعيداً عن عبارات المديح المستهلكة، اسمح لي أن أقول لك أنّك أصبحت وجهاً من وجوه الأمل في عالمنا المظلم اليوم وقد أصبحت مصدر إلهام لعدد كبير من المرضى ورغم كل الألم والعذاب، فإنّ السعادة تناديك من البعيد. ونحن دائماً معك وبانتظار أخبارك السعيدة. كن بخير كي نكون بخير.

 

 

 

 

 

*الكتابات والآراء والمقابلات والبيانات والاعلانات المنشورة في اقسام المقالات والاقتصاد والأخبار لا تعبّر بالضرورة ابداً عن رأي ادارة التحرير في صحيفة بيروت تايمز، وهي غير مسؤولة عن أي نص واو مضمونه. وإنما تعبّر عن رأي الكتاب والمعلنين حصراً.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment