احمد علي*
أحياناً يُخيَّلُ لي، إننا نعيش أيّاماً طبيعية، في جو ديموقراطية حقيقيّة، و قمةٌ في التنافس الشريف، وطرح الأفكار والمشاريع السياسية المُغرية للناخب. حقيقة يُخالجني هذا الشعور، و أنا على الهواء أخاطِبُ جمهوراً عريقاً، مُعتَّقاً في الحضارة، عميقاً في سنِّ القوانين والنظم الاجتماعية.
العراق العتيق و المُعتَّق، يستعدُ للانتخابات، إلَّا أن الواقع دائماً ما يُشبِهُ الجلاد، أو العميل (007).. لديه رخصة دائمة بإراحتِنا من الحياة، نتيجة حربِنا الباردة مع الواقع. لا غرابة إننا شعبٌ محكوم بالإعدام.. ليس شنقاً ولا بالرصاص، لكن بوئدِ الحياة الطبيعية التي خُيلّت لي، نتيجة قوافل الصور والملصقات؛ التي رُكِّبت واعتلت أعناق أعمدة الكهرباء وصدور الجدران، حتى على ما تبقى من أكوام البيوتات المُهدَّمة في المناطق المحررة، شبيهةً بـ ( عينٍ وقِحة).
هذه الصور، تحدت ألم والدموع وخسارة الأرواح، والتدمير الكبير الذي طال تلك المُدن العامرة بالقول: ( لا مفر لكم.. العدو أمامكم والبحر ورائكم).. ليس لكم سوانا، نُعمِّرُ بالقول ونبني بالساعة التلفزيونية!؟
هنا اتوقفُ قليلاً لألتقط الأنفاس، محاولاً فهم عقلية المرشح الذي يجترُ الشعارات والبرامج الانتخابية، دون درهمٍ من الضمير الوطني، و إن كانت جُمُل المُرشَّح المُنمَّقة مليئة بالعبارات الوطنيّة، المكتوبة والمسوَّقة في لافتات الترويج، لكن بدل أن يمتلأ صدري بالأوكسجين، تغرقُ رئتاي بـ CO2 التصريح؛ فتنقطِعُ الأنفاس.
الانتخابات العراقية، و التي تستحِقُ وصفَ "مُبكِّرة اكتوبر" ستُدبِرُ دون تغييرٍ ملحوظ، ولو أن التفاؤل بذلك ضروي، لإبقاء الأنفاس القليلة، قادرة علي تحريك الجسم وتغذيته بالأمل المفقود، و إن كان ضئيلاً، إلَّا أنهُ بُدٌ لا مفر منه، بسبب خلو جعبة الحلول الوطني، من مفاتيح إنجليزية أصليّة، قادرة على فتح الأقفال التجارية.. ماركة بلدان الطوق العراقي.
تلك البُلدان اشبعت الوطن بأوهام المصير المشترك والمصالح الاقتصادية. الغريبُ في الموضوع، إنَّ من يرفض الديموقراطية العرجاء في العراق، يُساند حلول المفاتيح الخارجية، المحمولةُ أيضاً على أجنحة الطائرات مجهولة الهوية، لقطع (شعرة معاوية)؛ التي تفصل ما بين الوطنية و اللاوطنية، بعيداً عن أيّة مسميات، لأن الجميع يشعر بها من خلال رؤيته، و إلَّا كيف يصمد أمام الحقيقة، دون أن يتراجع إليها، مبتعداً عن الشكوك بأهليّة وطنيَّته.
العراق اليوم يُمهَدُ لعهدٍ جديد، بالعودةِ إلى مفترق طرق، جانِبُها اللاعودة، إذا أصرَّت الإرادة الإقليمية والدولية، على إبقاءه في – اللاعودة - لعقودٍ أُخرى.
الأفكار السائدة عن "أكتوبر المُبكِّرة"، تبدأ من فكرة المقاطعة، الحل الخارجي ، التزوير قبل خوض الانتخابات، و أنها محسومة وما إلى ذلك. فكرة الأحزاب نفسها التقطها العراقيون وروجوا لها دون تواصلٍ مباشر! و لربّما أنها كذلك لكن لا دليل.
المهم أن المال السياسي مغرٍ، والمنصب المُرتقب أكثرُ إغراءً من حلٍ يتمثَّلُ بالخروج واختيار ابن الدائرة المعروف لدى الجميع، حتى لو كان مُتحزِّباً بحزبٍ ناشئ أو عتيق. هنا ليس للمُخيَّلة أن تصطاد النافع تارِكةً الضار، لأنها ببساطة شبكة مُمزَّقة جيّداً في بعض الأمتار، و مُقطَّعةٌ في أمتارٍ أُخرى.
*إعلامي عراقي
*الكتابات والآراء والمقابلات والبيانات والاعلانات المنشورة في اقسام المقالات والاقتصاد والأخبار لا تعبّر بالضرورة ابداً عن رأي ادارة التحرير في صحيفة بيروت تايمز، وهي غير مسؤولة عن أي نص واو مضمونه. وإنما تعبّر عن رأي الكتاب والمعلنين حصراً.













09/09/2021 - 11:20 AM





Comments