المحامي فؤاد الأسمر
لا يميّز الكثير من اللبنانيين بين "الشيعية العربية" و "الشيعية الفارسية"، بحيث يتراءى للبعض وجود طائفة شيعية متحدة، قوية، فاعلة ومحصّنة بسلاحها، وهذا ما اراد قطبيّها، اي السيد حسن نصرالله والرئيس نبيه بري، اظهاره.
انما في الواقع يعاني الشارع الشيعي من انقسام عامودي حاد بين الفئتين الشيعيتين، وهذا ما ترجمته المعارك الدموية العنيفة التي شهدتها الساحة الشيعية خلال ثمانينات القرن الماضي، وما تحمله في طياتها الكثير من الصدامات اليومية بين انصار كل منهما، وما يعكسه عامة صراع الساحتين العراقية والايرانية.
فالشيعية العربية هي متجذرة في لبنان، لا بل انها من الطوائف المؤسسة للكيان اللبناني، في حين ان الشيعية الفارسية هي واردة حديثاً، وقد صدّرتها الثورة الخمينية في ايران، لتفرض سيطرتها على الساحة الشيعية اللبنانية وتضع لبنان على خارطة الهلال الشيعي.
الشيعية العربية مرجعها النجف الأشرف في العراق، في حين ان الشيعية الفارسية مرجعها قم في ايران.
وهاتين الحوزتين متعارضتين ومنقسمتين بين الحوزة "العلمية الصامتة في النجف" والحوزة "الثورية في قم".
الشيعية العربية لها قياداتها الروحية وعلى رأسهم السيد علي السيستاني والسيد محمد سعيد الحكيم والشيخ بشير حسين النجفي والشيخ اسحق الفياض، في حين ان الشيعية الفارسية يقودها الولي الفقيه السيد علي الخامنئي ومن اعلامها السيد الوحيد الخرساني والسيد صادق الحسيني الروحاني وسواهم.
وهذا الانقسام بين المرجعيات والقيادات الشيعية تجلى في لبنان من خلال المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى، الذي تأسس على يد سماحة السيد موسى الصدر ويرأسه اليوم الشيخ عبد الأمير قبلان، اضافة الى مرجعية العلامة السيد محمد حسين فضل الله، كقادة روحيين للشيعية العربية، وبين قيادة حزب الله وعلى رأسها سماحة السيد حسن نصرالله، والسيد محمد يزبك كقادة الشيعية الفارسية في لبنان.
وعلى مستوى الارض والحركة الحزبية، تتمثل الشيعية العربية بحركة امل، وبعض القوى العائلية والحزبية الأخرى وتؤازرهم غالبية العشائر، في حين ان الشيعية الفارسية تتمثل بحزب الله.
الشيعية العربية في لبنان تتماهى مع مكونات المجتمع اللبناني، دولتها لبنان، وتتغذى من مصادرها الذاتية ومن ابناء الطائفة والمتمولين فيها، أما علاقتها بالنجف الأشرف فيغلب عليها الطابع الديني ليس الا.
في حين ان الشيعية الفارسية منظمة وممولة من ايران وتديرها اجهزة متخصصة تنظمها وتمدّها بالنقد والسلاح والعتاد والدواء والغذاء وسائر مقومات العيش.
ان إيران في علاقتها مع حزب الله تطبق نمط ال pattern على غرار سياسات الإمبراطورية الفارسية زمن مجدها الغابر أيام الأخمينيين والساسانيين.
فهي لا تحتل البلدان مباشرة، بل تستخدم حاكما (ساتراب) محليا يشغّل لصالحه طبقة يعيّن أعضاءها في الوظائف القيادية لإدارة الدولة: من سياسيين وجيش وقضاء وإدارة، ويمنحهم الامتيازات. وايران لا تحارب بجيشها بل بجيش محلي يتولاه الحاكم المحلي التابع لها.
وأكثر ما توليه عنايتها تنظيم أجهزة الأمن (عيون الملك)، مهمتها المراقبة والتفتيش في الولايات التابعة لها وإطلاع الولي الفقيه على أحوالها، وتنمّي ذلك من خلال تطوير شبكات الاتصال والنقل والتواصل بينهما.
وايضاً، تختلف كل من الشيعيتين حول بعض التعاليم والمفاهيم الدينية لا سيما منها "ولاية الفقيه" الذي لا يتبناه النجف. وبينما يعتمد النجف مبدأ "مسافة التوجيه" اي الاكتفاء بالتوجيه دون الانغماس في قضايا الشأن العام، يعتمد انصار الولي الفقيه مبدأ "الحضور الدائم في جميع تفاصيل قضايا الشأن العام". وفيما يتقدم الطابع الاصلاحي بين مراجع النجف، تجنح مراجع قم الى الطابع المحافظ المتشدد، وأيضاً يختلف كل منهما لجهة مناهج التدريس المعتمدة في كل من الحوزتين وأصول اداء عدد من الشعائر.
ان هاتين الشيعيتين، بفعل تاريخهما الصدامي بين بعضهما البعض، وبفعل اختلاف قيادات ومسارات وأهداف كل منهما، وبفعل عوامل التفرقة المختلفة بينهما، تعانيان الانقسام الحاد والعداوات المستحكمة المغلّفة بغطاء من التفاهم الشكلي الظاهري في لبنان.
واذا شهد لبنان بالأمس القريب صراعاً مسيحياً- اسلامياً، وهو يشهد اليوم صراعاً سنياً- شيعياً، فهل سنشهد في الغد المنظور صراعاً شيعياً - شيعياً؟
*الكتابات والآراء والمقابلات والبيانات والاعلانات المنشورة في اقسام المقالات والاقتصاد والأخبار لا تعبّر بالضرورة ابداً عن رأي ادارة التحرير في صحيفة بيروت تايمز، وهي غير مسؤولة عن أي نص واو مضمونه. وإنما تعبّر عن رأي الكتاب والمعلنين حصراً.













09/05/2021 - 08:51 AM





Comments