لبنان بين فدرالية التمايز وعصبيات التقسيم

08/15/2021 - 09:00 AM

Your Ad Here

 

 


المحامي فؤاد الأسمر


قد يكون لبنان البلد الوحيد في الكوّن الذي، ورغم جغرافيته الصغيرة والضيّقة جداً، يجمع كل هذا الغنى والتنوع على المستويات كافة. فجغرافيته
مذهلة بتنوع الجبال والسهول والانهر والوديان فيه وانفتاحها في الوقت ذاته على شاطئ من اجمل شواطئ العالم. الى تنوع المناخ وتعاقب الفصول وتناغمها على اعتدالها.
هذا التنوع والتمايز انسحب على الحضارات والثقافات التي عرفتها هذه الارض، لتنتج وطناً يزخر بالثقافات والعبادات والجماعات الدينية المختلفة.
عاشت هذه الثقافات والمجتمعات لقرون طوال جنباً الى جنب، تخاصمت وتقاتلت وتحالفت وتعاونت في ما بينها بحسب الظروف والحقبات. وبتنا اليوم امام فسيفساء حضارية لكل منها ثقافتها ومعتقداتها وقيّمها وطقوسها وقوانينها وحتى جرائمها واخطائها. لم تنجح الدولة المركزية بصهر هذه المجموعات ببيئة وطنية واحدة تُغَّلِب فيها الانتماء الوطني على الانتماء الطائفي، لا بل كرست القوانين والانظمة والسلطات المتعاقبة في لبنان الطائفية وعمقتها وجذّرتها لنصل الى ما وصلنا اليه اليوم من واقع أشبه ببرج بابل من التناقض حتى التصادم وذلك بظل انحلال وتلاشي مؤسسات الدولة الدستورية والقانونية.
وما يزيد من قساوة الانهيار امتلاك فئة مذهبية معينة السلاح، واحتكارها قرار الحرب والسلم ووضع يدها على مفاصل الحياة السياسية في لبنان وربطه بمحور غريب عن ثقافتنا اللبنانية.
ان الخطاب الطائفي المتعصب واستقواء هذه الفئة وتسييب السلاح بين اتباعها وتغطية جرائمهم واستجرار الحصار الدولي والجوع والذلّ على لبنان وشعبه أدى بالمقابل الى رفع منسوب التعصب لدى بقية المذاهب والطوائف والسعي الى تملك هذه الفئات السلاح وبناء مناطق حكم ذاتي لها بعد ان انهارت مقومات الدولة.
واليوم نقف أمام مفترق طرق يتطلب موقفاً شجاعاً يفرض علينا اختيار أحد أمرين، اما البحث عن صيغة جديدة تضمن احترام خصوصية هذه الطوائف والمذاهب ضمن اطار وطني يحرص على تفاعلها وتناغمها ويؤمن ثبات وديمومة الكيان اللبناني ووحدة اراضيه ومؤسساته، وذلك من خلال حوار حضاري صريح علمي وبنّاء يؤدي الى اقرار النظام  الفدرالي الذي يحقق ويكرس لبنان الرسالة وواحة سلام ووطن الانفتاح على دول العالم اجمع.
واما البقاء في أتون لغة التعصب والانقسام واستقواء فريق على آخر، الأمر الذي يفضي حكماً الى تقسيم لبنان وشرذمته وقيام مناطق ودويلات متصارعة ومتقاتلة على خلفيات دينية ومذهبية وحتى عرقية.
على اللبنانيين الاختيار بين الفيديرالية التي تحقق وطن حضاري نهائي يحترم الجميع ويوفر أسس تناغم الثقافات والحضارات التي يتألف منها واما اختيار  زوال لبنان من خلال تقسيمه مع ما يرافق ذلك من دم وموت وصراعات أبدية.

 

 

 

 

*الكتابات والآراء والمقابلات والبيانات والاعلانات المنشورة في اقسام المقالات والاقتصاد والأخبار لا تعبّر بالضرورة ابداً عن رأي ادارة التحرير في صحيفة بيروت تايمز، وإنما تعبّر عن رأي الكتاب والمعلنين فيها حصراً. وموقع صحيفة بيروت تايمز غير مسؤول عن أي نص واو مضمونه.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment