تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

حين يقترن الإنسان بخياله

مفيد خطَّار

في خيال كلِّ رجلٍ امرأةٌ مثالية، يرسم لها صورةً خاصة في ذهنه، ثم يجعل منها معيارًا يقيس به نساء الحياة الحقيقيات. وكلّما التقى امرأةً، وجد نفسه، بوعيٍ أو من دونه، يقارنها بتلك الصورة التي صنعها خياله. وغالبًا لن يجد شبيهةً كاملةً لها، مهما بحث؛ لأنّ امرأة الخيال شيء، وامرأة الواقع شيءٌ آخر.

وحين يكتشف الفارق، يلجأ إلى نوعٍ من التسوية، فيختار مَن يراه الأقرب إلى صورة المرأة التي عاش معها في خياله.

والأمر نفسه ينطبق على المرأة. ففي خيال كلِّ امرأةٍ رجلٌ مثالي، تسعى جاهدةً إلى أن تجد له شبيهًا في عالم الواقع. لكنها، ستكتشف أن الرجل الذي رسمته في خيالها ليس هو الرجل الذي ستلتقيه في الحياة.

ومن هنا تبدأ المشكلة: نحن لا ندخل العلاقات دائمًا بحثًا عن إنسانٍ حقيقي نتعرّف إليه ونقبله كما هو، بل قد ندخلها ونحن نحمل في داخلنا صورةً مسبقة، ونريد من الآخر أن يطابقها. وعندما يعجز الواقع عن مجاراة الخيال، يبدأ الإحباط، ثم المقارنة، ثم البحث عن البديل. وليس مستغربًا، عندها، أن نسمع عن علاقاتٍ تنتهي قبل أن يبدأ مشوارها، وعن هجرٍ وطلاقٍ وفشلٍ كان يمكن تجنّبه لو عرف الإنسان الفرق بين الصورة التي صنعها في خياله، والإنسان الحقيقي الذي يقف أمامه.

وكذلك الشعوب في علاقتها بأوطانها.

فكما يحمل الرجل في خياله امرأةً مثالية، وتحمل المرأة في خيالها رجلًا مثاليًا، تحمل الشعوب أيضًا صورةً مثاليةً عن الوطن الذي تتمنّاه. لا تريد وطنها دائمًا كما هو، بما فيه من تناقضات ونواقص واختلافات، بل كما تتخيّله، أو كما تريد له أن يكون. وهنا تبدأ أزمةٌ أكثر خطورة.

فحين يصبح الوطن الحقيقي عاجزًا عن مطابقة الوطن المتخيَّل في أذهان أبنائه، يبدأ الصراع في النفوس قبل أن يظهر على الأرض. كلُّ فئةٍ ترى وطنها بالصورة التي رسمتها، وتريد منه أن يكون على صورتها، لا وطنًا يتّسع للجميع.

ولذلك قد تنهار أوطانٌ رغم غناها بالموارد الطبيعية، وتقدّمها في مختلف المجالات، لأنّ ثروتها الحقيقية ليست في ما تملكه من أرضٍ وموارد، بل في قدرتها على جمع أبنائها حول وطنٍ واحد. فإذا عجز شعبها عن قبول نقصه، وعن الاندماج في وطنٍ واحد مع اختلاف توجهاته وانتماءاته، تحوّل الاختلاف إلى انقسام، والانقسام إلى صراع، وأصبح الوطن نفسه ساحةً لتصفية الخلافات.

فالوحدة لا تعني أن تصبح الكثرة نسخةً واحدة، ولا أن يتخلّى المختلف عن اختلافه، بل أن تصبح الكثرة واحدةً في الوطن، رغم اختلاف التوجهات.

لكنّ السؤال الأعمق يبقى: لماذا يصعب على الإنسان أن يتقبّل الواقع كما هو؟

ربما لأنّ في داخل كلِّ إنسانٍ جرحًا ونقصًا لا يستطيع أن يلتئم تمامًا بجهده وحده. وهذا الجرح هو الذي يدفعه أحيانًا إلى البحث عن الكمال خارج ذاته؛ في الإنسان الذي يحبّه، وفي المجتمع الذي يعيش فيه، وفي الوطن الذي ينتمي إليه.

 قد يكون هذا النقص تذكيرًا دائمًا للإنسان بأنّه ليس مكتفيًا بذاته. فعندما يطلب الإنسان من الله أن يرفع عنه ضعفه وجرحه، قد لا يأتيه الجواب دائمًا بإزالة الجرح، بل بما هو أعمق: «تكفيك نعمتي».

فالنعمة لا تعني بالضرورة أن يختفي الجرح، بل أن يتعلّم الإنسان كيف يعيش معه دون أن يتحوّل إلى مصدر رفضٍ للآخرين أو للحياة.

وعندما يتقبّل الإنسان جرحه، ويعترف بنقصه، يصبح أكثر قدرةً على تقبّل جروحات الآخرين ونواقصهم. وعندها لا يعود يطالب المرأة بأن تكون امرأة خياله، ولا الرجل بأن يكون رجل خيالها، ولا الوطن بأن يكون وطنًا صنعته المخيلة. وهنا يتحوّل الخيال من سجنٍ للواقع إلى نافذةٍ نحو الأفضل؛ نحلم، نعم، لكننا لا نرفض الواقع لأنّه لم يبلغ حلمنا. بل نقبله، ونحبّه، ونعمل على إصلاحه.

فالكمال الذي نبحث عنه في الآخرين قد لا يكون مطلوبًا منهم أصلًا، لأنّ الإنسان لم يُخلق كاملًا مكتفيًا بذاته، بل كائنًا مفتوحًا على النعمة، وعلى الآخر، وعلى الله. ولعلّ سرّ الحياة ليس في أن نتخلّص من كلّ نقص، بل أن نكتشف ماذا تصنع النعمة بهذا النقص. سرُّ النقص، لعلّه يكون سرَّ اكتمال الخلق.

ولبنان، يا سرًّا لا ينتهي…

مهما حاولنا أن نفهمك، وجدنا أنفسنا أمام سرٍّ جديد. وكلّما ظننا أننا اكتشفنا حقيقتك، فتحت لنا الأيام بابًا آخر من أبوابك. وهكذا لن نفرغ من اكتشاف أسرارك، ولن ننجح في اختصارك بصورةٍ واحدة، لأنك أكبر من أن تختصر في خيال فئة، أو رؤية جماعة، أو حلم إنسان.

لكننا، رغم عجزنا عن فهمك، نعيش فيك ونغتني بك. ولعلّ جمالك ليس في أن تكون وطنًا كاملًا، بل في أن تكون وطنًا مختلفًا؛ وطنًا تتعايش فيه الكثرة، وتتسع فيه الاختلافات، ويجد كلّ إنسانٍ فيه مكانًا له، من دون أن يطلب من الآخر أن يصبح نسخةً منه.

فيا لبنان، ربما لا نحتاج إلى أن نجعلك على صورة خيالنا، بل أن نتعلّم كيف نراك كما أنت، ونحبك كما أنت، ثم نعمل معًا كي تصبح أفضل مما أنت.

لأنّ الوطن الذي نحاول أن نفهمه قد يبقى سرًّا، أمّا الوطن الذي نتعلّم أن نعيشه، فيصبح رسالة حياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
arArabic

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock