القطبة المخفية في رحلة “فلاي دبي”… من قمرة القيادة إلى صمت الشاشات
منذ 57 دقيقة
0 5 دقائق
جمال دملج *
لم تكن رحلة “فلاي دبي” من دبي إلى تل أبيب، الأربعاء، مجرد رحلة جوية انتهت بهبوط اضطراري في مدينة تبوك السعودية. فخلال ساعات قليلة، تحولت الرحلة FZ1073 إلى قصة تتداخل فيها قمرة القيادة مع الأمن الإسرائيلي، وذاكرة الاختطاف الجوي، والروايات المتضاربة حول من أنقذ الطائرة، وصولًا إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: كيف انتقلت المعلومات عن الحادث من الطائرة إلى غرف الأخبار، ولماذا بدا المشهد الإعلامي مختلفًا تمامًا بين إسرائيل والإمارات؟
كانت الطائرة، وهي من طراز “بوينغ 737 ماكس”، في طريقها من دبي إلى مطار بن غوريون وعلى متنها نحو 180 شخصًا، معظمهم إسرائيليون، عندما شهدت قمرة القيادة حادثًا عنيفًا. وأظهرت بيانات التتبع أنّ الطائرة هبطت بسرعة كبيرة من ارتفاع يقارب 34 ألف قدم إلى نحو 17 ألفًا خلال أقل من دقيقة، قبل أن تستعيد جزءًا من ارتفاعها ثم تواصل اضطراب مسارها. كما أرسلت الطائرة رمز الطوارئ 7700، قبل أن يظهر لفترة رمز 7500، المستخدم للإشارة إلى تدخل غير مشروع أو احتمال اختطاف.
من مشاجرة في القمرة إلى طائرة في طريقها إلى تبوك
في الساعات الأولى، بقيت المعلومات الرسمية شحيحة. قالت “فلاي دبي” إنّ الطائرة تعرضت لـ”حادث أثناء الرحلة”، وإنّ جميع الركاب وأفراد الطاقم بخير، وإنّ الشركة تعمل مع السلطات المعنية. ولم تكشف في بيانها الأول طبيعة ما جرى.
لكن الرواية الإسرائيلية بدأت تتسع سريعًا. فقد تحدثت مصادر إسرائيلية عن مشاجرة بين الطيارين، ثم ظهرت رواية أكثر خطورة تقول إنّ مساعد الطيار طعن قائد الطائرة وحاول السيطرة عليها، قبل أن يتدخل عدد من الركاب الإسرائيليين وأفراد من الطاقم.
ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية شهادات ركاب تحدثوا عن صراخ ودماء ومحاولة الوصول إلى قمرة القيادة، فيما قال بعضهم إنهم شاركوا في تقييد المهاجم.
لكن هنا تبدأ أولى القطَب التي تستحق التفكيك. فمن أنقذ الطائرة؟
الرواية الشعبية التي تشكلت داخل إسرائيل تميل إلى صورة الركاب الذين اندفعوا إلى القمرة وأنقذوا نحو 180 شخصًا.
أما “فلاي دبي” فقالت شيئًا أكثر تحديدًا: إنّ الطائرة “أمّنها طاقم من موظفي فلاي دبي كانوا مسافرين على متن الرحلة”، وإنّ هذا الطاقم هو الذي حوّل مسار الطائرة وأنزلها بأمانٍ في مطار تبوك. كما أعلنت الشركة إرسال طائرتين بديلتين إلى تبوك لنقل الركاب والطاقم.
والفارق بين الروايتين ليس تفصيلًا صغيرًا. إنه يتعلق بتحديد من تولى فعليًا السيطرة على طائرة فقدت السيطرة على مسارها في لحظات حرجة.
ماذا حدث داخل قمرة القيادة؟
هنا ينبغي أن نتريث. فالرواية الإسرائيلية تتحدث عن محاولة متعمدة لإسقاط الطائرة، بينما قالت “فلاي دبي” إنّ أسباب الحادث ودوافعه ما زالت مجهولة وإنّ التحقيق الرسمي هو الذي ينبغي أن يحددها، داعية إلى عدم الاستنتاج المبكر.
وتبدو هذه النقطة مهمة خصوصًا لأنّ بعض الروايات الإعلامية الإسرائيلية استخدمت مبكرًا تعبيرات مثل “إرهاب” و”محاولة اختطاف”، في حين أنّ التقارير اللاحقة أشارت إلى أنّ التحقيق لم يكن قد حسم الدافع.
لذلك، قد يكون من المبكر أن نعرف إن كنا أمام محاولة اختطاف فعلية، أم اعتداء داخل قمرة القيادة، أم فعل فردي ذي دوافع لم تتضح بعد.
ما نعرفه، حتى الآن، هو أنّ شيئًا خطيرًا حدث داخل القمرة، وأنّ الطائرة فقدت استقرارها، وأنّ رمز 7500 ظهر على جهاز الإرسال، وأنها انتهت في تبوك بدل تل أبيب. أما ما وراء ذلك، فما زال جزءًا من التحقيق.
لماذا كانت تبوك أكثر من مجرد مطار بديل؟
ربما تكون هذه أكثر مفارقات الحادث دلالة. طائرة إماراتية تحمل عددًا كبيرًا من الإسرائيليين أقلعت من دبي، واجهت أزمة جوية، ثم هبطت في مدينة سعودية لا تربط المملكة بإسرائيل علاقات دبلوماسية رسمية.
ولم يكن الأمر مجرد محطة اضطرارية. فقد رفضت السعودية، بحسب مصادر نقلتها “رويترز”، طلبًا إسرائيليًا للسماح لطائرات إسرائيلية، بما فيها طائرات عسكرية، بالوصول إلى تبوك لإعادة الركاب. وفي النهاية تولّت “فلاي دبي” نفسها نقلهم بطائرة بديلة.
وهكذا أصبحت السعودية، ولو بصورة اضطرارية ومؤقتة، المكان الذي انتظر فيه الإسرائيليون عودتهم إلى بلادهم، بينما تولت شركة إماراتية إكمال الرحلة، وذلك في مشهدٍ إقليمي بالغ الدلالة، حتى لو كان سببه في الأصل حادثًا جويًا لا علاقة له بالسياسة.
إسرائيل وذاكرة الطائرات المختطفة
ربما يصعب فهم حجم الصدمة الإسرائيلية من دون استحضار ذاكرة اختطاف الطائرات. ففي 27 يونيو/حزيران 1976، اختُطفت طائرة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية كانت في طريقها من باريس إلى تل أبيب، وحُوّلت إلى عنتيبي في أوغندا، حيث احتُجز رهائن إسرائيليون. وبعد أيام نفذت إسرائيل عملية عسكرية لتحريرهم في 4 يوليو/تموز، وقُتل خلالها قائد العملية، المقدم جوناثان نتنياهو، شقيق رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو.
تلك الحادثة أصبحت جزءًا راسخًا من الذاكرة الأمنية الإسرائيلية. ولهذا لم يكن غريبًا أن يؤدي ظهور رمز 7500، مع هبوطٍ مفاجئ لطائرة تقل هذا العدد من الإسرائيليين، إلى استنفار أمني وإرسال مقاتلات إسرائيلية لمتابعة الموقف، قبل أن تتضح الصورة.
وعندما وصل الركاب أخيرًا إلى مطار بن غوريون، لم يكن المشهد مجرد عودة مسافرين من رحلة مضطربة. كانت هناك ذاكرة كاملة حاضرة في الخلفية.
“شعب إسرائيل حي”
ربما تختصر الهتافات التي استقبل بها بعض الركاب في مطار بن غوريون هذا البعد النفسي أكثر من أي تحليل: “شعب إسرائيل حي”. عبارة ذات حمولة رمزية واضحة في الثقافة السياسية والأمنية الإسرائيلية، بدت في هذه المناسبة وكأنها انتقلت من الذاكرة إلى الطائرة، ومن الخوف داخل القمرة إلى الاحتفال بعد الوصول.
وهنا يصبح من الممكن فهم لماذا اكتسب بعض الركاب الذين شاركوا في السيطرة على الموقف صفة “الأبطال” في الخطاب الإسرائيلي، ولماذا حرص بنيامين نتنياهو على استقبال أحد الركاب والإشادة بمن ساهموا في منع كارثة محتملة.
لكن البطولة الإعلامية شيء، وتحديد الوقائع شيء آخر. فالتحقيق وحده يستطيع أن يقول بدقةٍ من فعل ماذا، ومتى، وكيف انتقلت السيطرة على الطائرة من طاقمها الأصلي إلى الطاقم الآخر الذي كان مسافرًا على متنها.
القطبة المخفية… هل كانت في قمرة القيادة فقط؟
هنا نصل إلى الجزء الأكثر إثارة في القصة. لم تكن المعلومات متساوية في كل مكان. في إسرائيل، تحولت الحادثة منذ ساعات الصباح الأولى إلى قصة أمن قومي، وتتابعت البيانات والتسريبات وشهادات الركاب والتغطية المباشرة.
أما في الإمارات، فقد ظهرت التغطية الرسمية والإعلامية المحلية بصورة أكثر اقتضابًا في البداية. فقد نشرت “خليج تايمز” خبر الهبوط في تبوك عند نحو الساعة 11:36 صباحًا، مستندة إلى بيان “فلاي دبي” الذي اكتفى آنذاك بالحديث عن “حادث” أثناء الرحلة، قبل أن تنشر الصحيفة نفسها في المساء تأكيد الشركة أنّ مشاجرة وقعت في قمرة القيادة وأنّ طاقمًا آخر من موظفي الشركة أمّن الطائرة.
لكن لماذا بقيت الرواية الإماراتية الرسمية مقتضبة إلى هذا الحد في الساعات الأولى، بينما كانت الرواية الإسرائيلية تتسع بسرعة لتشمل محاولة إسقاط الطائرة، وتدخل الركاب، والاستنفار العسكري؟
هل كان السبب انتظار المعلومات الموثوقة؟ هل كانت طبيعة الحادث تفرض حذرًا أمنيًا وإعلاميًا؟ أم أنّ المسألة مرتبطة بحساسية الرحلة نفسها، التي كانت تربط الإمارات بإسرائيل في لحظة إقليمية شديدة التعقيد؟
ربما هنا تحديدًا تكمن “القطبة المخفية”: ليس في إثبات أنّ جهة ما أخفت الحقيقة، وإنما في ملاحظة أنّ الحقيقة نفسها وصلت إلى الجمهور على مراحل مختلفة، وبسرعات مختلفة، وبصيغ مختلفة.
الطياران اللذان بقيا في السعودية
وثمة سؤال آخر لا يقل أهمية: ماذا حدث لقائد الطائرة ومساعده بعد الهبوط؟ فالمعلومات المتاحة تفيد بأنّ الطيارين أصيبا ونُقلا للعلاج، فيما بقيت السلطات السعودية طرفًا في التعامل مع الحادث والتحقيق في ملابساته.
أما الدوافع والمسؤوليات النهائية، فلا تزال قيد التحقيق. وهذا يعني أنّ القصة لم تنتهِ بوصول الركاب إلى بن غوريون. فقد انتهت رحلة الطائرة، لكن لم تنتهِ رحلة الأسئلة.
من الذي سيحدد الرواية النهائية لما جرى في القمرة؟
هل كان ما حدث محاولة متعمدة لإسقاط الطائرة، أم اعتداءً فرديًا، أم شيئًا آخر؟
ومن كان المسؤول الفعلي عن السيطرة على الطائرة في اللحظات الحاسمة؟
ولماذا جاءت الروايات الأولى مختلفة بهذا القدر؟
ثم، ربما السؤال الأكثر حساسية: كيف تُدار المعلومات عندما تكون الطائرة نفسها جسرًا بين دولتين، فيما تهبط اضطراريًا في دولة ثالثة لا تقيم علاقات دبلوماسية مع الدولة التي تحمل غالبية ركابها؟
ربما لا تكون القطبة المخفية في رحلة “فلاي دبي” موجودة في قمرة القيادة وحدها. ربما تكون في المسافة بين ما حدث هناك، وما قيل عنه هنا، وما بقي حتى الآن خارج الشاشات.
وفي عالم الطيران، قد تستغرق الرحلة ساعات. أما رحلة الحقيقة، فقد تحتاج إلى وقت أطول بكثير.