تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

حين تتكلم الطائرة… لا تكذب الصور

م. مدحت الخطيب

بعيدًا عن كل ما قيل وعن ما حدث في قمرة القيادة في رحلة فلاي دبي المتجهة من دبي إلى تل أبيب، وبعيدًا عن الروايات المتداولة التي ما زالت تخضع للتحقيق، هناك قصة أخرى كتبتها الطائرة عن نفسها… وظهرت على ذيلها FZ1073.

المؤكد أن الطائرة Boeing 737 MAX 8، تعرضت لحدث خطير أثناء الطيران، أعقبه هبوط سريع من ارتفاع يقارب 34 ألف قدم إلى ما دون 17 ألفًا خلال فترة قصيرة، قبل أن تنتهي الرحلة بهبوط اضطراري آمن في تبوك. كما أكدت فلاي دبي وقوع حادث داخل قمرة القيادة، وأن طاقمًا كان على متن الطائرة تمكن من تأمينها وتحويل مسارها.

سأتحدث هنا كخبير دولي معتمد في فحص المواد اللاإتلافية، فسجلات قمرتها والتحقيقات ستكتشف ما حدث بين طاقمها. أتحدث عن المعدن المكوّن لكل جزء من أجزاء الطائرة، عن ذلك الجزء من الطائرة الذي لا يتحدث، ولا يروي شهادته، ولا يعرف الإعلام شيئًا عن أسبابه… لكنه يترك آثارًا لا تكذب، وقد يصمت هو ومن على الطائرة من ركاب إلى الأبد.

الصور التي ظهرت بعد الهبوط أظهرت ضررًا واضحًا في منطقة الذيل، ومنها الدفة. وهذا المشهد وحده كافٍ لطرح سؤال هندسي علمي فني كبير: ما حجم الأحمال التي تعرضت لها تلك المنطقة خلال اللحظات التي فقدت فيها الطائرة استقرارها الطبيعي؟

فالطائرة ليست قطعة معدنية واحدة. إنها منظومة هندسية هائلة، كل جزء فيها صُمّم ليقاوم أحمالًا محددة، ويُفحص ويُراقب طوال عمره التشغيلي. وفي عالم الطيران، لا ينتظر المهندس أو الخبير في علم المواد أن يرى الكسر حتى يبدأ البحث عن الخلل؛ فالفحص غير الإتلافي يبحث عن العيوب والشقوق التي قد تختبئ داخل المعدن قبل أن تتحول إلى مشكلة.

قد تتعرض الطائرات في حياتها التشغيلية لضربات أجسام غريبة، أو إجهادات متكررة، أو أحمال هوائية استثنائية، أو أضرار لا تراها العين. لذلك فإن صورة جزء مفقود لا تكفي وحدها لتقول لنا لماذا انفصل.

هنالك قاعدة مفادها: الكسر له لغة وطريق يفهمه أهل الاختصاص، وسطح الكسر له ذاكرة مهما كانت الظروف والأحداث. ومن هنا تبدأ مهمة المحققين والمهندسين: هل كان الضرر نتيجة حمل مفاجئ؟ هل سبقه عيب أو إجهاد متراكم؟ هل كان هناك تأثير خارجي؟ أم أن سلسلة من الأحداث اجتمعت في لحظات معدودة؟ كل ذلك ستقوله آثار المعدن وبيانات الطائرة وسجلاتها، لا وسائل التواصل الاجتماعي. والأهم أن نقول ما نعرفه، وأن نصمت عمّا لا نعرفه.

فحتى الآن، لا يجوز علميًا أن نقول إن الهبوط الحاد وحده هو الذي حطم الذيل، كما لا يجوز القول إن معدن الطائرة تغيّرت خواصه الكيميائية والبلورية والتركيبية خلال ثوانٍ. ما يمكن قوله إن الطائرة تعرضت خلال ذلك الحدث إلى ظروف طيران وأحمال ديناميكية استثنائية، وإن آثار الضرر الموجودة على الذيل تستحق فحصًا هندسيًا دقيقًا قبل تحديد سببها. وهنا تظهر قيمة الهندسة الحقيقية وعلم المعادن والمواد.

فالطائرة التي تبدو لنا في السماء مجرد جسم يعبر آلاف الأمتار، هي في الحقيقة ملايين الحسابات والاختبارات وقطع المعدن التي تحمل في داخلها تاريخًا كاملًا من التصميم والفحص والصيانة. واليوم، بعد أن نجا الركاب ووصلت الطائرة إلى الأرض، بقي سؤال واحد معلّقًا في ذيلها: ماذا حدث للمعدن في تلك الدقائق التي كادت فيها السماء أن تتحول إلى كارثة؟

دون أي شك سيجيب الصندوق الأسود عن ذلك، وستكشف التحقيقات بكل دقة ما حدث. نعم، قد يجيب الصندوق الأسود عمّا جرى داخل القمرة. لكن الذيل… سيجيب بلغة أخرى: لغة الشق، والكسر، والإجهاد، والمعدن.

 

* مدير قسم فحص المواد اللااتلافية في الشركة الأردنية لصيانة محركات الطائرات وخبير دولي معتمد   [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
arArabic

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock