تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

منوعات

عملية «اللحم المفروم»: الجثة التي خدعت هتلر

محمد ناصر

في فجر الثلاثين من أبريل 1943، طفت الغواصة البريطانية «سيرافيم» في ظلام البحر قبالة سواحل هويلفا الإسبانية. على سطحها أسطوانة معدنية فُتحت بصمت، وخرج منها جسد رجل يرتدي زي ضابط في مشاة البحرية الملكية. تلا قائد الغواصة مزموراً قصيراً، ثم دُفع الجسد برفق إلى الماء، وبه حقيبة جلدية مربوطة إليه بسلسلة. لم يكن أحد على السطح يعرف أن هذه الجثة قد تغيّر مسار الحرب.

المشكلة: هدف يعرفه الجميع

بعد طرد المحور من شمال إفريقيا، كان الهدف التالي للحلفاء واضحاً: صقلية، الجزيرة التي تفتح الطريق إلى إيطاليا ثم إلى قلب أوروبا. لكن وضوح الهدف هو بالذات ما أقلقهم، فمن ينظر إلى الخريطة سيتوقع الضربة هناك، وهتلر ليس غريباً عن الخرائط. كان لا بد من إقناعه بأن الهجوم سيقع في مكان آخر.

وُلدت الفكرة من مذكرة قديمة عُرفت بـ«مذكرة التروت» (السمكة)، وضعها في بدايات الحرب أدميرال الاستخبارات البحرية جون غودفري، ويُرجَّح أن لإيان فلمنغ، مبتكر جيمس بوند لاحقاً، يداً فيها. شبّهت المذكرة الخداع بصيد السمك: تُلقي الطُّعم وتنتظر. وتبنّى الفكرة تشارلز تشولمونديلي، سكرتير «لجنة العشرين» (XX) التي كانت تدير العملاء المزدوجين، وزميله الملازم أول إيوين مونتاغو من الاستخبارات البحرية. أرادا طُعماً لا يشك فيه أحد: ضابط ميت تحمله الأمواج إلى بلد لا يخلو من العيون الألمانية.

البحث عن رجل ميت

كانت العقدة أن الجثة يجب أن تبدو كجثة رجل غرق، وألا يسأل عنها أحد. وجد الطبيب الشرعي بنتلي بورتشيس ضالتهم في رجل ويلزي مشرد يُدعى غليندور مايكل، مات في لندن في يناير 1943 بعد أن ابتلع سم فئران يحتوي الفوسفور. لم يكن له من يطالب به.

صار مايكل «الرائد ويليام مارتن» من مشاة البحرية الملكية، وأُلبس حياة كاملة: صورة خطيبته «بام»، وهي في الحقيقة موظفة في MI5 تُدعى جين ليزلي، ورسالتا حب منها، وإيصال بخاتم خطوبة، ورسالة من أبيه، وتذكرتا مسرح، وإشعار مصرفي بتجاوز الرصيد.

أما العمق الحقيقي للطُّعم فكان في الحقيبة: رسالة شخصية من نائب رئيس الأركان الإمبراطوري الفريق السير أركيبالد ناي إلى الجنرال هارولد ألكسندر، تتحدث بلهجة رجل لا يتوقع أن يقرأها غيره عن غزو قريب لليونان، وعن سردينيا، وتصف صقلية بأنها «هدف تمويهي». وأضيفت إليها رسالة من اللورد مونتباتن، وفي الأولى مزحة عابرة عن السردين، حتى يلتقط القارئ الألماني الإشارة إلى سردينيا من غير أن يشعر أنها مقصودة.

الليلة الطويلة قبالة هويلفا

غادرت «سيرافيم» اسكتلندا في 19 أبريل، وفي فجر الثلاثين وصلت إلى موضعها. اختير ساحل هويلفا لأن إسبانيا كانت محايدة ظاهرياً، لكن للألمان فيها نفوذاً وشبكة، وكان فيها عميل للأبفير يُدعى أدولف كلاوس. وبعد ساعات عثر صياد إسباني على الجثة، فنُقلت إلى الميناء ثم دُفنت بمراسم عسكرية.

سمحت السلطات الإسبانية للألمان بالاطلاع على محتويات الحقيبة، ثم أُعيدت إلى البريطانيين. ودلّت علامة وضعها مونتاغو في الظرف، شعرة رمش، على أن أحداً فتحه: ضاعت الشعرة، وعرفوا أن الطُّعم ابتُلع.

هتلر يصدّق

وصلت النسخ إلى برلين. وفي 11 مايو وقّع ألكسيس فون روني، رئيس استخبارات الجبهة الغربية والذي كان هتلر يثق به، تقييماً يعدّ الرسائل دليلاً قاطعاً على الصدق. وصدر الأمر: انتقلت فرقة بانزر الأولى من فرنسا إلى اليونان، وجاءت فرق أخرى من الجبهة الشرقية، وأُرسلت زوارق الطوربيد من صقلية إلى اليونان، وضوعفت قوات سردينيا، وكُلّف روميل بالإشراف على الدفاع عن اليونان. وهكذا لم يصل صقلية مدد يُذكر.

في التاسع والعاشر من يوليو نزل الحلفاء في صقلية، ومع ذلك ظل هتلر لفترة يظن أن الهجوم الحقيقي سيقع في الشرق. سقطت الجزيرة في 17 أغسطس، وكان موسوليني قد أُطيح به في 25 يوليو.

ما بقي من القصة

ظل اسم الرجل الميت سراً لعقود. وفي 1996 تتبّع المؤرخ الهاوي روجر مورغان شهادة وفاة غليندور مايكل، وفي 1998 أُضيف إلى شاهد القبر في هويلفا سطر جديد: «غليندور مايكل، خدم باسم الرائد ويليام مارتن». حوّل مونتاغو قصته إلى كتاب «الرجل الذي لم يكن»، ثم فيلم عام 1956، وفي 2010 أعاد بن ماكنتاير روايتها في كتابه عن العملية، ثم جاء فيلم «Operation Mincemeat» عام 2022 بطولة كولن فيرث.

مات الرجل مرتين: مرة مشرداً لا يعرف أحد اسمه، ومرة بطلاً لم يوجد قط. ومن الغريب أن أنجح خدعة في الحرب خرجت من شخص لم يُسأل عن رأيه فيها.

المصادر

ويكيبيديا: William Martin (Royal Marines officer) وOperation Mincemeat

المتحف الوطني للحرب العالمية الثانية (الولايات المتحدة): Secret Agents, Secret Armies: Operation Mincemeat

The History Press: Operation Mincemeat – The Man Who Never Was (إيوين مونتاغو)

History.co.uk وHistory of War: Operation Mincemeat

بن ماكنتاير، «Operation Mincemeat» (2010)

* كاتب محتوى ثنائي اللغة (العربية والإنجليزية) وراوي قصص للعلامات التجارية، متخصص في التقنية والأعمال والمحتوى الفكري، ويقدّم كتابة تحليلية وسرداً إنسانياً أصيلاً.

LinkedIn: linkedin.com/in/mohammed-naseer-1bb596412