بين الشاشة والصمت: ماذا تفعل الإباحية بالشباب في البلدان العربية؟
حين يصبح الهاتف بابًا لا يراه أحد
تحقيق صحفي تحليلي من إعداد: ضياء الدين مرزقي
في غرفة هادئة، وبعد أن ينام أفراد الأسرة، يفتح شاب هاتفه بحثًا عن مقطع واحد. لا يحتاج إلى مقهى أو جهاز خاص أو موعد مسبق؛ تكفي شاشة صغيرة واتصال بالإنترنت. وقد لا يتوقف الأمر عند المشاهدة. أحيانًا يتحول الفضول إلى عادة، والعادة إلى فقدان للسيطرة، أو إلى صورة حميمة تُرسل تحت ضغط ثم تُستخدم لاحقًا للتهديد أو الابتزاز.
المفارقة أن المجتمعات العربية تتحدث عن هذه الظاهرة بصوت منخفض، بينما تتسع البيئة التي تغذيها بصوت عالٍ. هواتف ذكية، منصات لا تنام، وخوارزميات تقترح المزيد باستمرار. وبينما يفرض الصمت على الأسر صعوبة السؤال، لا تقدم معظم الدول العربية بيانات وطنية دقيقة تجيب عن سؤال بسيط: كم شابًا يتعرض لهذا المحتوى؟ وكم منهم يعاني فعلًا من تبعاته؟
هذا التحقيق لا يبحث عن رقم صادم، ولا يقدم حكمًا أخلاقيًا جاهزًا. بل يفحص ما يمكن إثباته بالأرقام والدراسات، ويفصل بين المشاهدة العابرة والاستخدام الإشكالي، ويتتبع ما يحدث عندما يغيب الحوار وتضعف حماية القاصرين. فالخطر ليس أن كل من يشاهد سيتحول إلى شخص عنيف أو مريض، كما أن إنكار الظاهرة لن يحمي أحدًا. الخطر الحقيقي يبدأ حين يفقد الشاب السيطرة، أو يتعرض للابتزاز، أو يتعلم عن العلاقات من محتوى لا يشرح الموافقة والاحترام والحدود.
الخلاصة في سطر واحد
لا توجد حتى الآن نسبة عربية موحّدة وموثوقة يمكن القول إنها تمثل جميع الشباب في 22 دولة عربية. لكن الأدلة المتاحة ترسم صورة واضحة: الوصول الرقمي واسع، والتعرّض للمحتوى الجنسي حاضر، فيما تظل البيانات الوطنية قليلة، ويظهر الخطر الأكبر عندما تتحول المشاهدة إلى سلوك قهري أو تتصل بالابتزاز، أو العنف، أو استغلال القاصرين.
رقم كبير… لكن ليس “نسبة العرب”
أكبر دراسة عابرة للبلدان العربية منشورة حتى الآن شملت 15,027 مشاركًا في استبيان إلكتروني، ونشرت في Journal of Sexual Medicine عام 2021. داخل هذه العينة، قال 88% إنهم شاهدوا مواد إباحية مرة واحدة على الأقل خلال السنة السابقة، و68.69% خلال الشهر، و50.47% خلال الأسبوع.
لكن الرقم يحتاج إلى قراءة حذرة. فالعينة لم تكن مسحًا احتماليًا يمثل سكان الدول العربية، وكان الرجال 84.56% من المشاركين، كما بلغ متوسط العمر 23.82 عامًا مع تشتت عمري كبير. وهذا يعني أن النسب تصف المشاركين الذين وصل إليهم الاستبيان، ولا تسمح بتحويلها إلى عبارة من نوع “نصف الشباب العرب يشاهدون الإباحية”. كما أن الحساسية الاجتماعية والقانونية للموضوع قد تدفع بعض المشاركين إلى عدم الإجابة أو إلى تعديل إجاباتهم.
ومع ذلك، تقدم الدراسة مؤشرات قابلة للاستخدام في رسم سياسات الوقاية. فقد ارتبطت المشاهدة المتكررة بكون المشارك ذكرًا، وبالعمر الأصغر، بينما ارتبط التعليم الأعلى وممارسة الرياضة بانخفاضها. وهذه ارتباطات إحصائية وليست أدلة على أن الجنس أو التعليم أو الرياضة “تسبب” المشاهدة أو تمنعها.
مصر: الفرق بين المشاهدة والاستخدام الإشكالي
في دراسة مصرية أحدث، شملت 614 طالب طب في جامعة واحدة، استخدم الباحثون النسخة القصيرة من مقياس “الاستهلاك الإشكالي للإباحية”. النتيجة كانت 23.3% من الطلاب، وهي نسبة تخص الاستخدام الإشكالي لا مجرد مشاهدة عابرة.
وارتبط هذا الاستخدام بارتفاع أعراض الاكتئاب والقلق والضغط النفسي، وساعات دراسة أقل ودرجات اختبار أدنى.
ولا تثبت هذه الدراسة أن الإباحية سببت الاكتئاب أو ضعف التحصيل، فهي مقطعية، أي إنها تقيس السلوك والحالة النفسية في نقطة زمنية واحدة. وقد يكون الاتجاه معكوسًا أو ثنائيًا؛ فضغوط الدراسة أو الاكتئاب قد يدفعان بعض الطلاب إلى الاستخدام، وقد يزيد الاستخدام القهري بدوره من اضطراب النوم والتركيز.
والصحافة الدقيقة يجب أن تقول “ارتبط” لا “أدى إلى”.
كما أن طلاب الطب في جامعة واحدة لا يمثلون كل الشباب المصريين، فضلًا عن الشباب العرب. لكن الدراسة مهمة لأنها تنقل النقاش من سؤال “هل شاهد؟” إلى سؤال أكثر فائدة للصحة العامة: “هل فقد السيطرة؟ وهل عطّل ذلك حياته؟”
المغرب: إنذار مبكر من مخاطر أوسع من الشاشة
في دراسة مغربية منشورة عام 2013، أفاد نحو ثلث من جرت مقابلتهم بأنهم يستهلكون الإباحية بانتظام على الإنترنت. وذكرت الدراسة أن نصف المراهقين دون 18 عامًا في العينة قالوا إنهم تعرّوا أمام كاميرا ويب أو أرسلوا صورًا عارية إلى غرباء مرة واحدة على الأقل.
هذه أرقام قديمة، ولا نملك من الملخص وحده ما يكفي لتعميمها على المراهقين المغاربة اليوم. لكنها تكشف أن القضية لا تتعلق بمشاهدة مواد جاهزة فقط.
فانتقال الشاب من المشاهدة إلى إرسال صورة حميمة يفتح بابًا مختلفًا يتمثل في الابتزاز الجنسي، وإعادة النشر، وفقدان السيطرة على الصورة، والتواصل مع أشخاص مجهولين أو حسابات غير موثوقة.
وهنا يجب التفريق بين المحتوى المخصص للبالغين وبين استغلال القاصرين. فأي استغلال أو ابتزاز أو تداول لصور جنسية تخص قاصرًا يعد اعتداءً واستغلالًا وجريمة تستدعي الحماية القانونية والتبليغ الفوري.
ماذا تقول الأبحاث عن التأثير؟
تقدم مراجعة منهجية منشورة عام 2023 قراءة أكثر توازنًا من الادعاءات القطعية. فقد راجع الباحثون 19 دراسة كمية عن المراهقين بين 10 و19 عامًا.
ومن بين ثماني دراسات درست بدء العلاقة الجنسية قبل سن 16 عامًا، وجدت خمس دراسات ارتباطًا ذا دلالة إحصائية بالتعرض للإباحية. لكن الباحثين أكدوا أن معظم الدراسات مقطعية أو تعاني من مشكلات في القياس، ولذلك لا يمكن استنتاج علاقة سببية مباشرة.
وكانت الأدلة متعارضة أو غير كافية بالنسبة إلى نتائج أخرى مثل العلاقات غير الآمنة، أو تعدد الشركاء، أو العدوان الجنسي.
والمعنى الصحفي لهذه النتيجة مزدوج. فمن جهة، لا يصح القول إن كل شاب يشاهد هذا النوع من المحتوى سيصبح عنيفًا أو غير قادر على بناء علاقة سليمة. ومن جهة أخرى، لا يصح تجاهل احتمال أن يتعلم بعض المراهقين مفاهيم مضللة عن العلاقات من محتوى صُمم للإثارة لا للتعليم، خصوصًا عندما يغيب الحوار الأسري والتثقيف الصحي المناسب للعمر.
فالعمل التجاري أو الترفيهي لا يشرح الموافقة، ولا الحدود، ولا الاحترام، ولا الفارق بين الخيال والعلاقة الواقعية.
الصمت العربي… عامل خطر قابل للقياس النوعي
في دراسة نوعية نُشرت عام 2018، أُجريت مقابلات معمقة مع 20 مراهقًا عربيًا تتراوح أعمارهم بين 14 و18 عامًا، إضافة إلى 20 أمًا.
ووصف عدد من الأولاد المشاهدة بأنها أمر روتيني، بينما ظهرت لدى البنات درجة أكبر من التحفظ أو الإنكار. كما ظهر لدى بعض المشاركين شعور بالذنب نتيجة الصدام بين المحتوى والقيم الأسرية والدينية.
وأظهرت المقابلات أيضًا أن غياب الحوار يترك مساحة للتعلم من مصادر غير موثوقة، ويرتبط بمخاطر التحرش والتهديد والابتزاز عبر الصور والفيديوهات الحميمة.
ولا يمكن تحويل مقابلات مع أربعين شخصًا إلى نسبة سكانية، لكنها تساعد في تفسير سبب احتمال انخفاض نسب الإفصاح في بعض الاستطلاعات، بسبب الحساسية الاجتماعية للموضوع والخوف من الوصمة.
اتصال أسرع… وحماية غير متساوية
تشير بيانات الاتصالات في المنطقة العربية إلى توسع كبير في الوصول إلى الإنترنت وشبكات النطاق العريض المتنقل، خصوصًا بين فئة الشباب.
ورغم أن هذه الأرقام لا تقيس التعرض للمحتوى الجنسي بشكل مباشر، فإنها تفسر البيئة التي يحدث فيها هذا التعرض: هاتف شخصي، اتصال دائم، ومنصات تقدم محتوى متجددًا باستمرار.
كما تؤكد هذه المؤشرات أن أي مقاربة للحد من المخاطر يجب أن تراعي الفروقات بين الدول والمجتمعات، بدل الاعتماد على متوسطات عامة لا تعكس الواقع المحلي لكل دولة.
متى يصبح الأمر مشكلة سريرية؟
تعرف الأدبيات الطبية اضطراب السلوك الجنسي القهري بأنه نمط مستمر من صعوبة التحكم في اندفاعات أو سلوكيات جنسية متكررة تؤدي إلى ضيق واضح أو إلى تراجع في الأداء الأسري أو الدراسي أو المهني.
وتشدد الإرشادات على أن ارتفاع الرغبة الجنسية وحده ليس اضطرابًا بحد ذاته، وأن الشعور بالذنب الناتج فقط عن موقف أخلاقي أو ديني لا يكفي للتشخيص.
عمليًا، تصبح المشكلة أكثر جدية عندما تظهر مؤشرات مثل فقدان السيطرة، أو المحاولات المتكررة والفاشلة للتوقف، أو إهمال الدراسة والنوم والعلاقات الاجتماعية، أو الاستمرار في السلوك رغم الأضرار الواضحة.
أما القاصر الذي تعرض لمحتوى غير مرغوب فيه أو وصل إليه بدافع الفضول، فإنه يحتاج أولًا إلى الحماية والحوار والتوعية، لا إلى الوصم أو التهديد.
كيف نحد من الضرر؟
في الأسرة
يبدأ التدخل من جملة بسيطة لا تحمل تهديدًا: “إذا ظهر لك محتوى مزعج أو طلب منك أحد صورة شخصية أو خاصة، أخبرني ولن أعاقبك”.
كما ينبغي تعليم الأبناء عدم مشاركة الصور الخاصة، وعدم التواصل أو اللقاء بأشخاص مجهولين عبر الإنترنت، والاحتفاظ بالأدلة وطلب المساعدة عند التعرض للتهديد أو الابتزاز.
في المدرسة والجامعة
تبرز أهمية تعزيز التربية الرقمية ومحو الأمية الإعلامية، وشرح مفاهيم الخصوصية والأمان الرقمي، وآليات الإبلاغ عن الابتزاز الإلكتروني، وتوفير قنوات آمنة وسرية للمساعدة.
في المنصات وشركات الاتصالات
تتمثل الأولويات في توفير أدوات فعّالة للإبلاغ، وإزالة المحتوى غير التوافقي، وتعزيز وسائل الحماية المخصصة للقاصرين، والتعاون مع الجهات المختصة لحماية الضحايا.
في الصحة النفسية
يحتاج الاستخدام القهري إلى تقييم مهني لا إلى محاكمة اجتماعية. كما ينبغي التعامل مع حالات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم والعزلة الاجتماعية وفق أسس علمية تراعي الخصوصية والسرية.
في البحث والإعلام
تبقى الحاجة ملحّة إلى مسوح وطنية أكثر دقة وتمثيلًا، تفرق بين التعرض العرضي، والمشاهدة المتكررة، والاستخدام الإشكالي، والتعرض غير المرغوب فيه، والابتزاز الإلكتروني.
الحكم النهائي
المشكلة ليست في إنتاج رواية أخلاقية عن “جيل فاسد”، ولا في إنكار ما يحدث لأن الحديث عنه محرج. المشكلة القابلة للإثبات تكمن في اتساع الوصول الرقمي، وضعف البيانات العربية، وغياب الحوار الآمن، ووجود فئة من الشباب تتعرض للاستغلال أو تفقد السيطرة على سلوكها الرقمي.
فالوقاية الأكثر فاعلية لا تقوم على التخويف وحده، بل على مزيج من التوعية الرقمية، والحوار الأسري المفتوح، والحماية القانونية والتقنية، وتوفير خدمات نفسية تحفظ الكرامة والخصوصية وتساعد على التدخل المبكر قبل تفاقم المشكلات.