تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

رسائل الجاهزية في زمن التصعيد الدولي

من حدود الردع إلى إدارة الموت .. حين تدخل المقابر خرائط التخطيط العسكري 

بقلم / دعاء هزاع الجابري ـ اليمن

لم تعد تقاس الحروب في بداياتها ونهاياتها بما تتركه من خرائط ممزقة أو اتفاقيات موقعة ، فثمة ما يجري خلف المشهد العسكري في الغرف التي لا تصل إليها الكاميرات ، حيث تنشغل العواصم بحسابات أكثر قسوة من احتمالات الانتصار والهزيمة ، وتتحول الخسائر البشرية هناك من نتيجة محتملة للمعركة إلى بند في دفاتر الاستعداد ، وتصبح المقابر جزءا من التخطيط العسكري قبل أن تبدأ المعركة ذاتها

ففي مشهد يحمل من الدلالات ما يتجاوز صور الجرافات والخنادق ، عاد الجيش الأميركي إلى اختبار قدراته على إنشاء مواقع ” دفن مؤقتة ” واسعة النطاق لجنوده الذين قد يسقطون في ساحات القتال ، حيث أن في قاعدة ” فورت براغ ” بولاية ” نورث كارولينا ” استحضرت المناورات العسكرية عبر عملية ” ميثاق التنين ” مشهدا لم يكن مألوفا في الحسابات الأميركية منذ الحرب الكورية ، إذ وضعت القوات الهندسية أمام اختبار التعامل مع أعداد كبيرة من الجثامين وحفظها وإمكانية التعرف على هويات أصحابها وإعادتهم إلى وطنهم بعد توقف العمليات ، الا أن المفارقة الأكثر قسوة في ذلك هو أن الجرافات التي اعتادت شق الطرق أمام الجيوش باتت تختبر قدرتها على فتح مسارات إلى الأرض الأخيرة التي تستقبل الجنود ، ولم يعد السؤال مقتصرا على كيفية إيصال القوات إلى ميدان الاشتباك بل امتد إلى كيفية التعامل مع ما قد يتركه ذلك الميدان خلفه حين تضيق مساحات الإنقاذ وتتراجع قدرة الطائرات ووسائل النقل على الوصول إلى الجثامين وإعادتها

لذلك فأن هذا التحول لا يمكن قراءته باعتباره إجراء هندسيا منفصلا عن طبيعة الحروب المقبلة ، فالجيش الذي اعتاد خلال عقود من عملياته في ” العراق وأفغانستان ” الاعتماد على الإخلاء السريع لجثامين قتلاه يختبر اليوم احتمالا مختلفا قوامه أن تكون ساحات القتال أكثر تعقيدا وأن تصبح خطوط الإمداد والمطارات والممرات الجوية نفسها عرضة للتهديد ، ففي الحروب عالية الكثافة قد لا تكون المسافة بين سقوط الجندي وعودته إلى وطنه مسافة جغرافية محدودة بل مسافة تفرضها موازين القوة والسيطرة على المجالين الجوي والبري ، كما أن هذه الصورة تزداد ثقلا حين توضع في سياق دولي تتعدد فيه بؤر التوتر وتتقاطع فيه الحسابات العسكرية.

فالشرق الأوسط اليوم يعيش على إيقاع مواجهات وتوترات تتجاوز حدود ساحاته المباشرة من ” إيران ومحيط الخليج ” إلى ” الممرات البحرية الحيوية والبحر الأحمر ” ، حيث تتشابك المصالح الأمنية والاقتصادية وتصبح حركة السفن والطائرات والطاقة جزءا من معادلة الضغط المتبادل ، وفي الجهة المقابلة ايظا لا تزال الحرب في أوكرانيا تترك ظلالها على الأمن الأوروبي ، فيما تتصاعد المخاوف من اتساع التنافس العسكري بين القوى الكبرى ، لتبقى منطقة المحيطين الهندي والهادئ مسرحا لحسابات استراتيجية لا تغيب عنها احتمالات المواجهة

أما في أوروبا فلم يعد الاستعداد للأزمات محصور في تحديث الترسانات أو رفع جاهزية الجيوش ، فقد اتجهت حكومات إلى إعادة طرح مفاهيم الحماية المدنية واستعداد السكان للطوارئ وتأمين الاحتياجات الأساسية في حال انقطاع الخدمات أو وقوع أزمة أمنية واسعة ، كما ان دول ” حلف شمال الأطلسي ” تعمل على تطوير خطط الردع والدفاع وتعزيز قدرات الاستجابة والتحرك العسكري ، وبينما تختلف دوافع هذه الإجراءات من دولة إلى أخرى فإن القاسم المشترك بينها هو ” اتساع مساحة القلق ” من عالم لم تعد فيه الأزمات بعيدة بما يكفي لتبقى مجرد احتمالات نظرية ، ومن هنا تحديدا تبرز دلالة التدريب الأميركي في سياق أوسع ، فالدول لا تستعد للحرب بالسلاح وحده وإنما تعيد ترتيب مؤسساتها لتواجه ما يمكن أن يحدث إذا تعطلت الحياة المعتادة تحت ضغط المواجهة ، من ” مخازن الغذاء والوقود ” إلى ” المستشفيات والملاجئ وشبكات الاتصالات ” وصولا إلى ” منظومات الإخلاء وإدارة الخسائر البشرية ” ، مما يدل على أن مفهوم الجاهزية أخذ يتسع من حماية الحدود إلى حماية المجتمع ، ومن كسب المعركة إلى القدرة على احتمال تبعاتها

الا أن أكثر ما يستوقف في هذه المناورات هو الرقم الذي كشفته الحسابات التشغيلية للجيش الأميركي ، إذ أشارت التقديرات إلى إمكانية تجهيز وحدة هندسية مؤهلة لدفن ما يصل إلى ” ألفين وأربعمائة ” جثمان خلال أربع وعشرين ساعة من العمل المتواصل ، وهذا الرقم لا يمثل توقعا بعدد القتلى ولا دليلا على وجود خطة لحرب محددة ، لكنه يكشف حجم القدرة التي أراد الجيش اختبارها ومدى جدية التعامل مع سيناريو الخسائر الجماعية في التخطيط للعمليات القتالية واسعة النطاق ، بالإضافة الا أن لمشاركة الفرق الطبية والقساوسة العسكريين في التدريب دلالة أخرى ، فالحرب حين تتسع لا تضع الجسد وحده أمام نهايته بل تضع المؤسسات والقيم الإنسانية أمام امتحانها الأصعب ، في : كيف تحفظ هوية إنسان وسط مئات الجثامين؟ وكيف تصان كرامته حين تفرض الضرورة تسريع إجراءات الدفن؟ وكيف تستعيد العائلات أبناءها حين تصبح العودة مؤجلة إلى ما بعد انقضاء المعارك ؟ ، إنها أسئلة لا تجيب عنها الأسلحة المتطورة على اختلافها ولا تحسمها خرائط العمليات ، فهي أشد تعقيدا مما قد يجاب بها

ولهذا فأن في خلفية هذا المشهد تبدو المفارقة الدولية أكثر عمقا ، فالعالم الذي ينفق على تطوير الصواريخ والطائرات وأنظمة الدفاع يضطر في الوقت ذاته إلى تطوير قدراته على التعامل مع نتائج استخدامها ، حيث تتسابق الدول على امتلاك وسائل الردع لكنها توسع أيضا خطط الطوارئ تحسبا للحظة التي قد يفشل فيها الردع أو تتجاوز فيها المواجهة حدود السيطرة ، وبين هذين المسارين تتشكل معادلة شديدة الحساسية ، وهي : كلما اتسعت قدرات التدمير ، ازدادت الحاجة إلى الاستعداد لما يتركه التدمير من فراغات بشرية ومؤسسية لا تستطيع التكنولوجيا ملأها

ولا يعني ذلك بأن الدخول في الحروب الكبرى أصبح قدرا محتوما ، لكن الخطورة تكمن في أن تتحول الاستعدادات الدائمة لها إلى واقع تتعامل معه العواصم باعتباره جزءا طبيعيا من مستقبلها ، وبدل مما كانت توضع عليه من سيناريوهات استثنائية تصبح مع الوقت مكونا دائما في حسابات الأمن القومي ، لهذا فأن المقابر التي تستعد لها الجيوش قبل المعارك تفتح نافذة على عالم تتراجع فيه المسافة بين التخطيط للحياة والاستعداد للموت ، ولا تكمن الرسالة الأعمق بذلك في عدد الخنادق التي تستطيع الجرافات حفرها بل في السؤال الذي يظل معلقا فوق عواصم العالم ، وهو : إلى أي مدى يمكن أن تبلغ المواجهات حين تبدأ الدول في حساب خسائرها البشرية قبل أن تعرف كيف ستنتهي حروبها ؟ ، ففي اللحظة التي تنشغل فيها الجيوش بتأمين الأرض الأخيرة لجنودها ، يصبح واجب السياسة أن تبحث عن الأرض التي لا يصل إليها الرصاص ، إذ لا تقاس حكمة الدول بقدرتها على إدارة المقابر بعد امتلائها وإنما بقدرتها على منع اللحظة التي تصبح فيها المقابر جزءا من خططها الاستراتيجية .

تنويه من إدارة بيروت تايمز

الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock