مقالات رأي
خيانة القلم: حين يقتل الحبر أكثر من الرصاص

بقلم: الدكتورة لور عبد الخالق الأعور
في زمن تتسابق فيه الأخبار، تصبح الكلمة سلاحًا ذا حدّين: تُضيء أو تُطفئ، تدافع أو تبيع. خاطرة في خيانة القلم، وثمن الكلمة حين تتحوّل من نافذة على الحقيقة إلى جدارٍ يُخفِيها.
طرقت رأسي أفكارٌ حين استيقظت، والضوءُ يشقّ طريقه بمحاذاة الفجر، كأنّ العالم يتنفّس للمرة الأولى. غير أنّي ما إن فتحتُ هاتفي وبدأتُ أقلّب صفحتي على منصات التواصل، حتى وجدتُ الكلمةَ تُثبت وجودها كقاتل؛ وكأنّ كلّ خبرٍ يحمل شهادةَ إجرامها. هناك حيث كان يجب أن تكون الكلمة نافذةً على الحقيقة، رأيتُها جدارًا يُبنى على الأنقاض، وصوتًا يعلو فوق صوت الضحية، ويدًا تكتب بدمٍ ليس دمها.
لطالما عرفتُ أنّ الرصاصَ الغادر يقتل النساءَ والرجالَ والأطفال. رأيتُه في عيون الأمهات، في أحذية الأطفال المتناثرة، في حقائب النازحين، في صمتٍ أثقل من الصراخ. لكنّي اليوم أرى خيانةً أعظم: قلمٌ يُفترض أن يدافع ويُلهم، فإذا به يزيّف الحق، ويُسكت الصوت، ويُبرّر الظلم، ويبيع الكلمة. قلمٌ يقتل مرتين: مرة حين يكذب، ومرة حين يجعل الناسَ يصدّقون الكذبة.
شعرتُ بشيءٍ يشبه الغصّة، ثم بالغضب، ثم بالخجل. خجلٌ من أن نكون جميعًا، أحيانًا، جزءًا من هذه الخيانة، حين نشارك خبرًا دون أن نتحقق، وحين نصمت عن ظلمٍ لأنّ الصمت أسهل، وحين نُسمّي التبرير حكمةً، والتراجعَ واقعيةً، والخوفَ تعقّلًا. الكلمة ليست حبرًا فقط؛ هي مسؤولية. وكلّ كلمةٍ نكتبها أو نعيد نشرها، إمّا أن تُضيء طريقًا، أو تُطفئ ضميرًا.
في الشاشات المزدحمة بالأخبار، رأيتُ وجوهًا كثيرة: طفلًا في الركام، أمًّا تقرأ خبر موت ابنها قبل أن يصلها، لاجئًا تُسرق قصته ويُعاد كتابتها بلغةٍ لا تشبه جرحه، وامرأةً تُشوَّه صورتها ثم يُقال: هذه هي الحقيقة. ورأيتُ أيضًا أقلامًا صامتة، وأخرى مأجورة، وأخرى خائفة. فكرتُ: كم من جريمةٍ لم يرتكبها القاتل وحده، بل مهّد لها قلمٌ باع ضميره؟
الرصاص يقتل الأجساد، وخيانة القلم تقتل الوعي. الرصاص ينهي حياةً، وخيانة القلم تُنهي قدرةَ أمةٍ على التمييز بين الحق والباطل. ولهذا فإنّ خيانة القلم خيانة عظمى؛ لأنها لا تقتل الحاضر فقط، بل تُفسد ذاكرة الأجيال، وتُعلّم الناسَ أن الكذب ممكن، وأن الصمت مقبول، وأن الحقّ قابلٌ للمساومة.
غير أنّي، في وسط هذا الوجع، تمسّكتُ بشيءٍ صغير؛ أنّ القلم نفسه الذي يخون، قادرٌ أن يشهد. وأنّ الكلمة التي تقتل، قادرةٌ أن تُحيي. وحين يخون بعضُ الأقلام، يبقى على الأديب أن يحرس قلمه، وعلى الإنسان أن يحرس كلمته. سأكتب إذن، لا لأشعل نارًا، بل لأحفظ ضوءًا؛ لا لأُصادر صوتًا، بل لأعيد إليه صدقه. سأكتب ببطءٍ، بتحقّقٍ، برحمةٍ، بغضبٍ نزيه. سأكتب كأنّ كلّ كلمةٍ ستمثل أمام ضميري غدًا.
طرقت رأسي أفكارٌ عند الفجر، فخرجتُ منها بجرحٍ ويقين؛ الرصاص يقتل الأجساد، وخيانة القلم تقتل الوعي. وخيانة القلم خيانة عظمى.
تنويه من إدارة بيروت تايمز
الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.


















