تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

بين إرث الماضي وشراكة المستقبل في لبنان وسوريا

سيرينا جمال دملج *

في مؤشرٍ يدلّ إلى البراغماتية اللبنانية الراهنة في معالجة إحدى الأزمات المحلية ذات الامتدادات الإقليمية المعقّدة، جاء تأكيد الرئيس جوزيف عون، يوم الثلاثاء، على أن “لبنان لم يعد قادرًا على استيعاب المزيد من النازحين السوريين”، وأن “التواصل قائم مع الدولة السورية لتنظيم عودتهم على مراحل”، ليعكس بلاغةً في التعبير عن عُمق أزمة النزوح السوري التي كادت أن تفجّر الداخل اللبناني في الصميم خلال السنوات الماضية، لا سيما عندما أشار الرئيس عون، خلال استقباله المديرة العامة للمركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة، سوزان راب، في قصر بعبدا، إلى أنه “على المجتمع الدولي والمنظّمات الإنسانية التي تقدّم مساعدات لهؤلاء النازحين في لبنان أن تقدّمها لهم في بلادهم، لتشجيعهم على العودة”.

بالتزامن مع هذا الموقف الصريح الذي لم يسبق لوضوح قيمته الوطنية أي مثيلٍ منذ عقود، جاءت الزيارة الوزارية اللبنانية إلى دمشق في لحظة تتجاوز أهميتها جدول الاجتماعات والملفات الإدارية المطروحة. فالعلاقة بين لبنان وسوريا لا تشبه علاقة دولتين متجاورتين فحسب؛ إنها علاقة تشابكت فيها الجغرافيا بالتاريخ، والمصالح بالتدخلات، والروابط الاجتماعية بذاكرة سياسية لا تزال حاضرة في وجدان شرائح واسعة من الشعبين.

ولهذا، فإن السؤال الذي تطرحه الزيارة ليس ما إذا كان البلدان بحاجة إلى التعاون، فهذه حاجة تفرضها الجغرافيا والاقتصاد والواقع الاجتماعي، بل ما إذا كانا قادرين على بناء علاقة مختلفة، تقوم على احترام السيادة والمصالح المتبادلة، بدلًا من استعادة أنماط الماضي بأسماء جديدة.

من الذاكرة إلى المصالح

لا يمكن قراءة العلاقات اللبنانية السورية من دون التوقف عند الإرث الثقيل الذي خلّفته عقود من التداخل السياسي والأمني، وخصوصًا تجربة الوجود العسكري السوري في لبنان، وما ارتبط بها من تدخلات في الحياة السياسية اللبنانية. كما لا يمكن تجاهل أثر الحرب السورية، وما رافقها من انقسامات وتدخلات إقليمية، ثم مشاركة حزب الله في القتال إلى جانب نظام بشار الأسد، وما تركه ذلك من تداعيات على العلاقة بين البلدين.

لكن الاعتراف بهذا الإرث لا ينبغي أن يتحول إلى دعوة لإدامة الخصومة. فالماضي، مهما كان مؤلمًا، لا يستطيع وحده أن يرسم مستقبل العلاقات بين شعبين تجمعهما حدود طويلة، وصلات عائلية واقتصادية واجتماعية عميقة.

المطلوب ليس نسيان ما حدث، ولا القفز فوق الملفات العالقة، بل التعامل معها من خلال المؤسسات والقانون والحوار المباشر. فالمصالحة بين الدول لا تُبنى على إنكار الذاكرة، وإنما على تحويل دروسها إلى ضمانات تمنع تكرار التجارب التي أضعفت الثقة وألحقت الضرر بالاستقرار.

الملفات الإنسانية اختبار للثقة

تضع المباحثات الوزارية الحالية بين الجانبين عددًا من الملفات العملية في مقدمة الأولويات، وفي طليعتها عودة النازحين السوريين، وتنظيم سوق العمل، والاعتراف بالشهادات والمؤهلات التعليمية، إلى جانب القضايا الإدارية والاجتماعية المشتركة.

هذه الملفات ليست تفصيلًا تقنيًا. فعودة النازحين، على سبيل المثال، لا يمكن أن تُختزل في أرقامٍ أو قوافل عبور؛ إذ تتطلب توافر شروط تضمن العودة الآمنة والطوعية والكريمة، وإمكان الوصول إلى السكن والتعليم والخدمات وفرص العمل. كما أن تنظيم وجود السوريين في لبنان ينبغي أن يتم وفق القوانين، مع احترام الحقوق الإنسانية الأساسية، بعيدًا عن التعميم أو تحويل قضية إنسانية معقدة إلى مادة للمزايدات السياسية.

وفي المقابل، يحتاج لبنان إلى تعاون سوري جدي في معالجة المسائل المرتبطة بالحدود والمعابر، والوثائق المدنية، والموقوفين والسجناء، ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة. ولا يمكن لأي من البلدين أن يعالج هذه القضايا منفردًا، لأن طبيعتها العابرة للحدود تجعل التنسيق المؤسسي ضرورة لا خيارًا.

العلاقة بين دولتين لا بين سلطتين

لعلّ التحدي الأهم في المرحلة المقبلة هو الانتقال من إدارة الملفات المتفرقة إلى بناء إطار مستقر للعلاقات الثنائية. وقد شكّل الاتفاق على إنشاء اللجنة العليا اللبنانية السورية المشتركة في يوليو/تموز 2026 خطوة مؤسسية في هذا الاتجاه، على أن تُقاس أهميتها بما تستطيع إنجازه، لا بمجرد وجودها أو انتظام اجتماعاتها.

فالعلاقة المتوازنة لا تقوم على المجاملات السياسية، ولا على افتراض تطابق المصالح في كل القضايا، بل على الاعتراف بأن لكل دولة مؤسساتها وقرارها الوطني وأولوياتها الخاصة. وهذا يعني أن احترام سيادة لبنان واستقلال قراره يجب أن يكون قاعدة ثابتة، كما ينبغي احترام سيادة سوريا وعدم التعامل معها باعتبارها ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

ومن هنا، فإن أي تعاون أمني أو اقتصادي أو سياسي ينبغي أن يمر عبر القنوات الرسمية، وأن يكون خاضعًا للمساءلة والشفافية. فالدولة لا تستعيد دورها حين تستبدل نفوذًا خارجيًا بآخر، بل حين تصبح هي المرجعية الوحيدة في إدارة علاقاتها ومصالحها.

شراكة المستقبل تبدأ من التفاصيل

قد تبدو ملفات مثل تسهيل عبور الشاحنات، وتنظيم الرسوم الجمركية، والاعتراف بالشهادات، وتبادل الخبرات الإدارية أقل إثارة من العناوين السياسية الكبرى، لكنها في الواقع تقيس مدى جدية الانتقال إلى مرحلة جديدة. فالتجارة بين البلدين، وحركة النقل عبر الأراضي السورية نحو الأسواق العربية، وإمكان التعاون في الكهرباء والاستثمار، كلها مصالح يمكن أن تعود بالنفع على المجتمعين إذا أُديرت وفق قواعد واضحة ومتوازنة.

وقد أشارت مباحثات اقتصادية سابقة إلى الحاجة لمراجعة الاتفاقات التجارية القديمة ومعالجة العقبات التي تعترض حركة السلع والنقل بين البلدين. وهذا يوضح أن إعادة بناء العلاقة تحتاج إلى عمل تقني طويل النفس، لا إلى بيانات سياسية متفائلة وحدها.

وهكذا، فإن لبنان وسوريا يقفان أمام فرصة لإعادة تعريف العلاقة بينهما على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. لكن هذه الفرصة لا تصبح واقعًا بمجرد تبدّل السلطات أو تبدّل الخطاب، بل تحتاج إلى خطوات ملموسة، وإلى شجاعة سياسية في معالجة الملفات الصعبة، وإلى قناعة بأن استقرار كل بلد لا ينبغي أن يكون على حساب استقرار الآخر.

فهل حان وقت الانتقال من إرث الماضي إلى شراكة المستقبل؟

هنا تكمن براغماتية العهد اللبناني الحالي. فربما لا تكمن الإجابة في إعلان سياسي كبير، بل في نجاح البلدين في إنجاز ما ينتظره الناس منهما: حدود أكثر انتظامًا وأمنًا، عودة كريمة لمن يرغب في العودة، تعاون اقتصادي عادل، وقرارات تصدر عن مؤسسات تحترم سيادة الدولتين.

عندها فقط، يمكن أن تصبح الجغرافيا المشتركة أساسًا لشراكة حقيقية، لا عبئًا إضافيًا على ذاكرة مثقلة بالتجارب.

*إعلامية وكاتبة لبنانية – روسية

تنويه من إدارة بيروت تايمز

الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock