تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

من نصّبك وصيّاً على لبنان؟ المسيحيون ليسوا مزهريات… ولبنان ليس دولة أحد!

بقلم: فرانسوا الجردي

يبدو أن بعضهم لم يستوعب بعد أن لبنان ليس أرضاً سائبة، ولا ملكية طائفية مسجّلة باسم أحد، ولا دولة تُحدّد هويتها وفق حسابات الأكثرية العددية أو وفق أهواء أصحاب المنابر والخطابات التحريضية. والأغرب أن يصدر عن رجل دين كلام يعتبر لبنان دولة إسلامية، ويختزل رئاسة الجمهورية المسيحية بوصفها مجرد «مزهرية ورد»! هنا لا نكون أمام اختلاف في الرأي، بل أمام استخفاف خطير بتاريخ لبنان وبدستوره وبشعبه وبالميثاق الذي قامت عليه الجمهورية.

إلى الشيخ عباس الجوهري نقول بصراحة: من نصّبك وصيّاً على لبنان حتى تقرّر هويته، وتحدّد موقع مكوّناته، وتوزّع شهادات المواطنة على أبنائه؟

لبنان ليس دولة إسلامية، كما أنه ليس دولة مسيحية. لبنان جمهورية برلمانية ديمقراطية، تقوم على العيش المشترك والمناصفة والشراكة الوطنية، وفق دستور لا يتيح لأحد احتكار الوطن أو مصادرته. ومن يعتقد أن الأكثرية العددية تمنحه حق إلغاء الآخرين، فليقرأ الدستور قبل أن يلقي دروساً في الوطنية والتاريخ.

أما وصف رئيس الجمهورية بأنه «مزهرية»، فهو ليس إهانة لرئيس الجمهورية وحده، بل إهانة لموقع الرئاسة الأولى وللميثاق الوطني ولجميع اللبنانيين الذين يؤمنون بأن لبنان لا يقوم إلا بالشراكة. رئيس الجمهورية ليس قطعة أثاث في قصر بعبدا، ولا واجهة تجميلية لنظام سياسي، بل رئيس الدولة ورمز وحدتها، وموقعه الدستوري ليس منّةً من أحد ولا هبةً قابلة للاسترداد.

ولعلّ ما يحتاج الشيخ الجوهري إلى تذكّره قبل إطلاق الأحكام هو أن المسيحيين لم يصلوا إلى هذا الشرق مع الإسلام، ولم يستوردوا وجودهم من الخارج!

المسيحية وُلدت في المشرق في القرن الأول الميلادي، أي قبل ظهور الإسلام بنحو ستة قرون. وفي هذه الأرض نشأت الكنائس الأولى، وانتشرت الأديرة، وتأسست المدارس اللاهوتية، وازدهرت حركة فكرية وروحية تركت بصماتها في تاريخ الحضارة الإنسانية.

أما في لبنان، فقد شكّل المسيحيون، ولا سيما الموارنة، جزءاً أصيلاً من تاريخ جباله وقراه ووديانه، وحافظوا على تراثهم ولغتهم وخصوصيتهم عبر قرون طويلة. وكان لهم دور أساسي في النهضة الثقافية والتعليمية والصحافية والفكرية العربية، وفي قيام دولة لبنان الكبير عام 1920.

فبأي منطق يُطلب من أصحاب التاريخ والجذور أن يتعاملوا مع وطنهم وكأنهم ضيوف فيه؟ وبأي حق يُختزل وجودهم إلى وظيفة تجميلية في دولة يظن البعض أنها ملك لطائفة دون سواها؟

المسيحيون ليسوا أقلية تبحث عن إذن للبقاء، ولا جماعة تنتظر شهادة حسن سلوك من أحد.

إن دعوة المطران حنا رحمة إلى عودة ملايين المتحدرين من أصل لبناني ليست مجرد ردّ على استفزاز، بل تذكير بأن لبنان لا يزال حاضراً في وجدان أبنائه المنتشرين في العالم، وأن الاغتراب لم يقطع حبل الانتماء، وأن من غادروا تحت ضغط الحروب والأزمات لا يفقدون حقهم في وطنهم.

لكننا نريد أن نكون واضحين: لا نطالب بعودة المسيحيين لمواجهة المسلمين، ولا نريد تحويل لبنان إلى ساحة استعراض للأعداد. نريد عودتهم إلى دولة تحميهم وتحمي جميع اللبنانيين، دولة لا يشعر فيها أحد بأن هويته موضع تشكيك أو أن حقوقه قابلة للإلغاء متى تبدّلت موازين القوى.

أما من يريد تحويل المسألة إلى معركة أرقام، فنقول له إن الوطن ليس مباراة ديمغرافية، وإن الحقوق لا تُقاس بعدد الرؤوس، وإن الدستور لا يُمحى بإحصاء سكاني.

المشكلة ليست في وجود مسلمين ومسيحيين، بل في عقلية تريد أن تجعل من الأكثرية العددية سلطة فوق الدستور وفوق الشراكة وفوق حقوق الآخرين.

وهنا لا بد من التمييز بين الإسلام كدين عظيم يؤمن به ملايين اللبنانيين، وبين خطاب سياسي أو ديني يحاول توظيف الدين لتبرير الهيمنة. فالمسلمون اللبنانيون شركاء في تأسيس لبنان وحمايته، وليسوا بحاجة إلى من يضعهم في مواجهة شركائهم المسيحيين. والتاريخ اللبناني حافل برجال مسلمين آمنوا بلبنان التعددي، ودافعوا عن صيغته واستقلاله وسيادته.

إننا نرفض أن يتحول المنبر الديني إلى منصة لتفجير الانقسامات، وأن يصبح رجل الدين طرفاً في امتحان ولاءات اللبنانيين أو في التهديد الضمني لمكوّناتهم. فالمسؤولية الدينية والأخلاقية تقتضي التهدئة واحترام الآخر، لا الاستفزاز والانتقاص من كرامته.

وللشيخ الجوهري نقول: إذا كنت ترى لبنان دولة إسلامية، فهذه رؤيتك التي لا تلزم أحداً، أما إذا كنت تريد فرضها على اللبنانيين، فأنت تصطدم بدستورهم وميثاقهم وتاريخهم وإرادتهم الوطنية. وإذا كنت ترى رئيس الجمهورية مزهرية، فنحن نرى في هذا الموقع ركناً من أركان الجمهورية، لا يحق لك ولا لغيرك تحويله إلى تفصيل شكلي.

لقد دفع اللبنانيون أثماناً باهظة من دمائهم وأرزاقهم وهجرتهم للحفاظ على وطنهم. ولم تكن تضحياتهم كي يأتي أحد اليوم ويعلن انتهاء الشراكة أو يصنّف المواطنين بين أصحاب الوطن وضيوفه.

لبنان ليس ملكاً للمسيحيين وحدهم، لكنه بالتأكيد ليس ملكاً للمسلمين وحدهم. إنه وطن الشراكة، أو لا يكون. وهو وطن الدستور، أو يتحوّل إلى ساحة تتنازعها مشاريع الغلبة والإلغاء.

وأخيراً، نقول لمن يستهين بالمسيحيين ويستخفّ بدورهم: لا تختبروا صبر اللبنانيين على خطاب الاستعلاء، ولا تخلطوا بين الأزمات التي أصابت المسيحيين وبين انتهاء دورهم أو سقوط حقهم في وطنهم.

المسيحيون باقون بإرادتهم، لا بإذن أحد. والمسلمون شركاء لا خصوم. أما لبنان، فلن يكون مزهرية في يد شيخ، ولا مزرعة في يد طائفة، ولا ولاية تابعة لأي مشروع ديني أو إقليمي.

فمن أراد لبنان فليقبل به وطناً لجميع أبنائه، ومن لم يقبل بالشراكة فليُراجع مفهومه للدولة، لا أن يطالب الآخرين بالتنازل عن وطنهم!

تنويه من إدارة بيروت تايمز

الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock