تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

ماذا بقي من طرابلس المدينة؟

رشيد ج. مينا

ليس من السهل على من عرف طرابلس، وعاش شيئًا من تاريخها، وواكب التحولات التي عصفت بها، أن يتأمل واقعها اليوم من دون أن يتوقف أمام سؤال موجع يفرض نفسه:

ماذا بقي من طرابلس المدينة؟

ليس السؤال وليد لحظة انفعال، ولا تعبيرًا عن حنين إلى ماضٍ مضى، ولا محاولة لإضافة مقال جديد إلى ما سبق أن كتبته عن طرابلس وتاريخها ومكانتها وما أصابها من تهميش وحرمان. إنما هو سؤال فرضته الوقائع المعاشة، وما نشهده ونسمعه ونتداوله يوميًا عن اتساع الفقر والبطالة، وتنامي مظاهر الفلتان والجريمة، وتراجع الخدمات، واضمحلال الحضور الفعلي للدولة ومؤسساتها، فضلًا عن التحولات الديموغرافية والاجتماعية التي تستوجب قراءة متأنية في أسبابها ونتائجها.

فطرابلس ليست مجرد مساحة جغرافية تضم أبنية وشوارع وأسواقًا وأحياء سكنية. المدينة، في معناها الحضاري والاجتماعي، مجتمع تجمعه روابط الانتماء والمصالح المشتركة، وتحكمه المؤسسات والقوانين، وتنتظم فيه العلاقات بين الأفراد والجماعات، وتتكامل فيه أدوار الاقتصاد والتعليم والثقافة والعمل والإدارة العامة.

وحين تتراجع هذه المقومات، لا يعود السؤال مقتصرًا على ما خسرته المدينة من مرافق وفرص عمل وخدمات، بل يمتد إلى ما أصاب بنيتها الاجتماعية وثقافتها المدنية وقدرتها على إنتاج مستقبلها.

مدينة لم تفتقر إلى المقومات

عرفت طرابلس، قبل الحرب اللبنانية عام 1975، حضورًا اقتصاديًا وتجاريًا وصناعيًا وحرفيًا وثقافيًا جعل منها مركزًا رئيسيًا للشمال اللبناني، وامتد دورها إلى محيطها الجغرافي الأوسع.

لم تكن مدينة بلا موارد أو إمكانات تنتظر من الدولة أن تنشئ لها أسباب الحياة من العدم. فقد امتلكت المرفأ، ومصفاة النفط، ومعرض رشيد كرامي الدولي، ومرافق النقل والسكك الحديدية، والأسواق والمؤسسات الصناعية والحرفية، إلى جانب طاقات بشرية وكفاءات علمية ومهنية وتجارية.

ومع ذلك، فإن السؤال الذي لم يجد جوابًا مقنعًا حتى اليوم هو:

ماذا فعلت الدولة، وماذا فعل الذين تعاقبوا على مواقع السلطة والنفوذ، للحفاظ على هذه المقومات وتطويرها وإعادة ربطها بدورة اقتصادية منتجة؟

ماذا جرى للمصفاة بعد توقف التكرير فيها؟ ولماذا بقي معرض رشيد كرامي الدولي، بما يمثله من قيمة معمارية وموقع وإمكانات، عاجزًا عن أداء الدور الاقتصادي الذي أُنشئ من أجله؟ وأين أصبحت مشاريع تطوير المرفأ وربطه بالنقل والتجارة والصناعة؟ وماذا عن سكك الحديد التي غابت عن الحياة الاقتصادية؟ وأين السياسات التي كان يفترض أن تعيد إلى طرابلس صناعاتها، وتستقطب استثمارات جديدة، وتوفر فرص العمل لأبنائها؟

ثم ماذا عن الفوضى العمرانية والمخالفات والتعديات، وعن تنظيم المدينة وأسواقها وأحيائها، وحماية أملاكها العامة، وصون ما بقي من نسيجها العمراني والاجتماعي؟

إنها أسئلة كثيرة، لكنها في جوهرها تتصل بسؤال واحد:

لماذا لم تُعامل طرابلس بوصفها مدينة تمتلك مقومات اقتصاد متكامل، وإنما بوصفها مدينة تحتاج باستمرار إلى مساعدات ومشاريع خدماتية متفرقة؟

فتزفيت بعض الشوارع، أو ترميم منشآت، أو تقديم مساعدات مالية وشخصية، قد يلبي حاجات ضرورية، لكنه لا يصنع تحولًا اقتصاديًا، ولا يعيد بناء قاعدة إنتاجية، ولا يمنح الناس القدرة على الاستغناء عن المساعدات والوساطات.

والمدينة لا تنهض بما يُوزَّع على أبنائها من مساعدات، بل بما يتاح لهم من فرص العمل والإنتاج والتعليم والاستثمار، وبما تمتلكه من مؤسسات قادرة على إدارة مواردها وتطويرها.

حتى في زمن إعادة الإعمار

لقد دفعت طرابلس أثمانًا باهظة خلال الحروب والصراعات التي شهدها لبنان، لكن المفارقة أنها لم تستعد ما خسرته حين دخل البلد مرحلة إعادة الإعمار.

فخلال مرحلة الرئيس رفيق الحريري، وما شهدته من مشاريع كبرى وإنفاق واسع على إعادة بناء مرافق لبنان وبناه التحتية، لم تتحول طرابلس إلى ورشة إنمائية تعيد إليها دورها الاقتصادي والإنتاجي.

ولا يتعلق الأمر بإنكار ما نُفذ فيها من مشاريع أو خدمات، وإنما بالسؤال عن حجمها وطبيعتها ونتائجها، وما إذا كانت قد أسست لتحول فعلي ومستدام في اقتصاد المدينة.

فهل كان المطلوب أن تنال طرابلس حصة من الإنفاق فحسب، أم أن تكون هناك سياسة وطنية للتنمية المتوازنة، تستثمر مقوماتها وتعيد إليها دورها بوصفها مركزًا اقتصاديًا للشمال؟

وهنا لا تنحصر المسؤولية برئيس حكومة أو حكومة بعينها، بل تشمل النهج الاقتصادي والإنمائي الذي اعتمدته السلطات المتعاقبة، وكذلك القيادات والمرجعيات المحلية التي شاركت في الحكم أو امتلكت القدرة على التأثير فيه.

لقد وصل العديد من أبناء طرابلس إلى مناصب عليا في الدولة ومؤسساتها، لكن الانتماء إلى المدينة لا يكفي للحكم على الدور الذي أداه صاحبه في خدمتها. فثمة فرق كبير بين أن يصل ابن طرابلس إلى السلطة، وأن تصل قضايا طرابلس ومصالحها إلى موقع القرار.

مؤسسات قائمة ومشاريع معلّقة

لم تكن طرابلس تعاني قلة الحديث عن المشاريع، ولا غياب الوعود والخطط والدراسات. فما أكثر ما سمعنا عن تطوير المرفأ، وتشغيل المعرض، والمنطقة الاقتصادية الخاصة، وإحياء المرافق، واستقطاب الاستثمارات، وخلق آلاف فرص العمل.

لكن السنوات مضت، وتعاقبت الحكومات والإدارات والمجالس، وبقي الكثير من تلك المشاريع حاضرًا في الخطاب السياسي أكثر من حضوره في الحياة الاقتصادية للمدينة.

ولنا في المنطقة الاقتصادية الخاصة مثال واضح على طول المسافة بين إنشاء المؤسسة وتحقيق الغاية منها. فقد صدر قانون إنشائها عام 2008، وعُيّن أول مجلس إدارة لها عام 2015، وتعاقبت المراحل والخطط والإجراءات، من دون أن تتحول، حتى الآن، إلى القاعدة الإنتاجية والتشغيلية التي انتظرها أبناء المدينة.

وليس المقصود أن كل إدارة لم تعمل، أو أن كل جهد كان بلا قيمة، وإنما أن معيار النجاح لا يمكن أن يكون عدد الاجتماعات والبيانات والدراسات، بل ما تحقق فعليًا من استثمارات ومشاريع وفرص عمل. وهذا ينطبق على سائر المؤسسات والمرافق والمجالس والسلطات المحلية.

فوجود مجلس إدارة ومديرين وموظفين وموازنات لا يشكل إنجازًا بحد ذاته. والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح على كل مؤسسة هو:

ماذا أنتجت؟ وما الذي تغير في حياة الناس نتيجة وجودها؟ وما حجم الموارد التي أُنفقت، وما النتائج التي تحققت؟

والأشد خطورة أن تكون بعض هذه المؤسسات قد تحولت، بفعل المحاصصة السياسية، إلى مواقع لتوزيع النفوذ والمنافع، بدل أن تكون أدوات لخدمة المصلحة العامة.

إن الوظيفة العامة ليست مكافأة على الولاء، والمجلس الإداري ليس حصة سياسية، والبلدية ليست امتدادًا لمكتب الزعيم أو نفوذه الانتخابي.

لقد أُنشئت المؤسسات لتخدم المواطنين، لا ليصبح المواطنون وسيلة لاستمرار القائمين عليها في مواقعهم.

ومن هنا تبرز أهمية استعادة دور الكفاءة والاستحقاق والرقابة، واحترام الأصول القانونية في التعيينات، وتعزيز دور مجلس الخدمة المدنية حيث تنطبق صلاحياته، بدل تكريس ثقافة المحاصصة والتبعية.

أما المجالس البلدية المتعاقبة، فلا يكفي تقييمها بعدد المشاريع الصغيرة أو الخدمات اليومية، على ضرورتها، بل بما قدمته من رؤية وتنظيم وتخطيط وحماية للمصلحة العامة، وبما حققته ضمن صلاحياتها ومواردها، وما بذلته للدفاع عن حاجات المدينة لدى السلطات المركزية.

طرابلس والدولة… تاريخ من التوتر

ولا يمكن فهم ما آلت إليه طرابلس من دون العودة إلى تاريخ علاقتها المضطربة بالدولة اللبنانية.

فمن أحداث عام 1958، مرورًا بمراحل الحرب وما رافقها من سلطات أمر واقع وظواهر عُرفت بتسميات مثل «دولة المطلوبين»، وصولًا إلى الاغتيالات السياسية والأمنية، ومنها اغتيال محافظ الشمال، وإلى جولات العنف والمواجهات التي شهدتها المدينة في مراحل لاحقة، تتكشف أمامنا علاقة كثيرًا ما طغى عليها التوتر والشك، وأحيانًا الدم.

لكن قراءة هذا التاريخ تستوجب التمييز بين الدولة والسلطة، وبين الاعتراض المشروع على السياسات والممارسات، وبين الصراعات المسلحة التي خاضتها قوى مختلفة تحت عناوين سياسية ووطنية ودينية.

فلم تكن كل مواجهة مع السلطة دفاعًا عن مصالح طرابلس، كما لم يكن كل حضور أمني للدولة تعبيرًا عن قيامها بواجباتها.

وقد عانت المدينة في مراحل متعددة من حضور الدولة بوصفها سلطة أمنية، مقابل ضعف حضورها بوصفها مؤسسات للعدالة والتنمية والخدمات وحماية الحقوق.

وفي المقابل، ساهمت القوى المسلحة وسلطات الأمر الواقع في إضعاف سلطة القانون، وإخضاع حياة الناس لموازين القوة والنفوذ.

وهكذا نشأت مفارقة مؤلمة:

مدينة تطالب بالدولة وتحتاج إليها، لكنها تحمل في ذاكرتها تجارب طويلة من التوتر مع السلطة التي حكمت باسمها.

الإقطاع السياسي… والتغيير الذي أعاد إنتاجه

ولم تكن الدولة وحدها مسؤولة عن تراجع طرابلس.

فقد ترك الإقطاع السياسي، بما قام عليه من نفوذ عائلي وشخصي وشبكات مصالح وخدمات وولاءات، أثرًا عميقًا في الحياة العامة للمدينة.

لكن المأساة لم تتوقف عند القوى التقليدية.

فبعض القوى التي رفعت لواء التغيير والتحرر من الإقطاع والتبعية، وأعلنت انحيازها إلى قضايا الناس والعدالة والحرية، لم تنجح في تقديم نموذج مختلف، بل إن بعضها مارس أشكالًا من التسلط والإقصاء، وارتهن للأجهزة الأمنية والجهات الوصية التي حكمت لبنان لعقود.

وتعاقبت على المدينة صراعات وتوازنات فرضتها قوى السلاح والنفوذ والوصايات، واتخذت أحيانًا عناوين وطنية أو قومية أو دينية ومذهبية، بينما بقيت مصالح طرابلس الفعلية خارج أولويات الكثير ممن تصدروا المشهد.

ولا يعني ذلك وضع جميع القوى والتجارب في مرتبة واحدة، أو إنكار ما قدمته بعض الشخصيات والحركات من تضحيات ومواقف ومبادرات صادقة.

لكن لا يجوز أيضًا إعفاء أي تجربة من النقد لمجرد ما رفعته من شعارات.

فالتغيير لا يُقاس بما يُعلن من مبادئ، بل بما يُمارس من سلوك، وما يُحقق من نتائج.

وقد يكون من أكثر ما أصاب الحياة السياسية في طرابلس أن التغيير اقتصر في محطات عديدة على تبدل الأشخاص والرايات والولاءات، بينما بقيت أدوات السيطرة والتبعية والمحاصصة حاضرة، وأحيانًا بأشكال أشد قسوة.

قيادات كثيرة… ومشروع غائب

عرفت طرابلس شخصيات سياسية وفكرية وثقافية وعلمية واقتصادية، واحتضنت أحزابًا وحركات وتنظيمات ولقاءات متعددة.

لكن كثرة الشخصيات لا تعني وجود قيادة، وتعدد التنظيمات لا يعني قيام مشروع جامع.

لقد غابت، أو تراجعت، القيادة القادرة على جمع الطاقات حول مصالح المدينة الأساسية، بعيدًا عن الحسابات الانتخابية والتنافس على النفوذ والمواقع.

وانكفأ الكثير من المثقفين وأصحاب الكفاءات عن التأثير الفعلي في الحياة العامة، وتراجعت ثقافة العمل الوطني التشاركي، فيما تصدرت المشهد شخصيات انشغلت بمصالحها أو ارتهنت لمرجعياتها السياسية والأمنية.

وكان يمكن للاختلافات السياسية والفكرية أن تبقى قائمة، مع الالتقاء حول مشروع مشترك للنهوض بالمدينة.

فلا يحتاج أبناء طرابلس إلى أن يتفقوا على كل شيء حتى يتفقوا على حقهم في الأمن والعمل والتعليم والخدمات، وعلى حماية مرافقهم واقتصادهم ومستقبل أبنائهم.

لكن ذلك لم يتحول إلى نهج ثابت أو قوة منظمة قادرة على فرض أولويات المدينة على أصحاب القرار.

الحراك الأهلي… بين معالجة النتائج وتغيير الأسباب

ولا يمكن أن نستثني من هذه المراجعة الأطر والتجمعات التي نشأت خارج التنظيمات السياسية التقليدية، أو تلك التي جمعت بين العمل السياسي والاجتماعي تحت عنوان ما يُسمى «المجتمع المدني».

وأجد أن استخدام هذا المصطلح يستدعي بعض التحفظ، فالمجتمع كله مدني في مقابل البنى العسكرية والسلطات المسلحة، وإن كان للمصطلح معنى محدد في العلوم السياسية والاجتماعية يشير إلى التنظيمات المستقلة نسبيًا عن الدولة.

أما ما يعنينا هنا فهو الحراك الأهلي والاجتماعي، ومدى قدرته على بناء عمل مشترك ومستقل يغير الواقع، لا أن يكتفي بالتكيف معه.

ولنا في تجارب لقاءات الأحزاب، وهيئة التنسيق الشمالية، والتجمع الوطني للعمل الاجتماعي، وغيرها من الأطر والتجمعات، ما يستحق المراجعة والبحث.

فقد أدت بعض هذه التجارب أدوارًا مهمة في ظروف استثنائية، وساهمت في معالجة أزمات معيشية وخدماتية، وجمعت قوى وفعاليات متعددة حول مطالب وحاجات مشتركة.

لكن السؤال يبقى: لماذا لم تتحول هذه التجارب إلى قوة مستدامة تحمل مشروعًا جامعًا للمدينة؟ ولماذا بقي تأثير الكثير من المبادرات محصورًا في تخفيف نتائج الأزمات، بدل تغيير الأسباب التي تنتجها؟

إن العمل الاجتماعي والإنساني ضرورة لا يجوز التقليل من شأنها، خصوصًا حين تتراجع الدولة وتتسع معاناة الناس. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الدور إلى بديل دائم عن مسؤولية المؤسسات العامة، أو إلى وسيلة لتنفيس الاحتقان الاجتماعي من دون المساس بالبنى التي تنتج الأزمات.

وقد تكون بعض الأطر قد ساهمت، بقصد أو من دونه، في منع الانهيار الكامل، لكنها لم تتمكن من منع استمرار المسار الذي يقود إليه.

وهنا ينبغي التمييز بين من خدم الناس بصدق ضمن إمكاناته، ومن استخدم العمل الاجتماعي غطاءً للمصالح والنفوذ، وبين محدودية النتائج والتبعية الفعلية لمنظومات السلطة.

فالإنصاف يقتضي الاعتراف بما أُنجز، لكنه لا يمنع السؤال عما كان ينبغي إنجازه ولم يتحقق.

ماذا أصاب المجتمع نفسه؟

إن أخطر ما في مسار طرابلس ليس فقط ما أصاب اقتصادها ومرافقها ومؤسساتها، بل ما يمكن أن تتركه هذه التحولات المتراكمة في بنية المجتمع وثقافته وسلوكه.

فحين تتسع البطالة والفاقة، وتتراجع فرص التعليم والعمل، وتضعف سلطة القانون، وتصبح الخدمات والحقوق مرتبطة بالوساطات والولاءات، فإن النتائج لا تقف عند حدود الحرمان المادي.

بل تمتد إلى علاقة الإنسان بالدولة والمجتمع، وإلى ثقته بالمؤسسات، وإلى مفهوم المواطنة والحقوق والواجبات، وإلى قدرة الأجيال الجديدة على تصور مستقبل مختلف.

وحين يتكرر العنف والفلتان، وتتحول بعض مظاهر الخلل إلى وقائع يومية، يصبح الخطر في اعتيادها والتكيف معها، لا في وجودها وحده.

أما التحولات الديموغرافية والاجتماعية التي شهدتها المدينة، فهي تستوجب دراسة موضوعية لأسبابها وحجمها وآثارها، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو تحميل جماعات سكانية بعينها مسؤولية واقع صنعته عوامل سياسية واقتصادية وأمنية متشابكة.

فالمدينة تتغير بطبيعتها، وليس كل تغير تهديدًا لهويتها. إنما الخطر يكمن في أن تجري التحولات في ظل غياب التخطيط والمؤسسات والقدرة على الاستيعاب، وأن تتراجع معها الروابط المدنية الجامعة.

وهنا يفرض السؤال نفسه:

هل ما زالت طرابلس تمتلك القدرة على إنتاج حياة مدينية منظمة، تحكمها المؤسسات والقانون والمصالح المشتركة؟ أم أن استمرار هذا المسار يهدد بتحويلها إلى تجمعات سكانية تتجاور داخل حدود جغرافية واحدة، بينما تتراجع بينها مقومات الانتماء إلى مدينة واحدة؟

إنه سؤال لا يتضمن حكمًا مسبقًا على أهل طرابلس، ولا انتقاصًا من قيمهم وقدراتهم، بل تحذير من نتائج مسار طويل إذا تُرك من دون مراجعة وتغيير.

من يتحمل المسؤولية؟

ليس من الإنصاف، ولا من الموضوعية، أن نحمّل الدولة وحدها مسؤولية ما آلت إليه طرابلس، كما لا يجوز إعفاء الدولة من مسؤولياتها الأساسية.

لقد ساهمت في صناعة هذا الواقع سياسات التهميش واختلال أولويات التنمية، والحروب والصراعات والوصايات، وهيمنة السلاح والأجهزة الأمنية في مراحل مختلفة، والإقطاع السياسي، وإخفاق قوى رفعت شعارات التغيير، وتراجع دور النخب، وضعف العمل الوطني التشاركي، والمحاصصة التي أصابت المؤسسات والسلطات المحلية.

لكن هذه المسؤوليات ليست متساوية؛ فمسؤولية من امتلك السلطة والقرار والموارد تختلف عن مسؤولية من حاول العمل ضمن إمكانات محدودة.

ومع ذلك، فإن أحدًا ممن تصدروا مواقع المسؤولية والنفوذ، أو ادعوا تمثيل المدينة والدفاع عن مصالحها، لا ينبغي أن يكون خارج نطاق المساءلة.

فطرابلس لم تفتقر إلى من تحدثوا باسمها، وإنما افتقرت إلى مشروع تتلاقى حوله الإرادات والطاقات، ويتحول إلى قوة قادرة على حماية مصالحها.

ولم تكن تفتقر إلى الشعارات والوعود، بل إلى الإرادة المنظمة التي تنقلها من الخطاب إلى العمل، ومن العمل إلى الإنجاز.

ماذا بقي من طرابلس المدينة؟

ليس الهدف من هذا السؤال إعلان نهاية طرابلس، ولا نعي مدينة ما زالت تختزن تاريخًا عريقًا وطاقات بشرية وكفاءات ومقومات نهوض لا يستهان بها.

لكنه سؤال يفرضه الخوف على حاضرها ومستقبلها، وعلى الأجيال التي تنشأ في واقع لم تصنعه، وتتحمل نتائجه.

لقد خسرَت طرابلس الكثير من دورها الاقتصادي والإنتاجي، ومن فرص التنمية التي كان يمكن أن تغير مسارها. وتعرض نسيجها الاجتماعي والسياسي والمؤسسي لاهتزازات متراكمة، حتى بات من المشروع التساؤل عما بقي من مقومات المدينة، لا من أبنيتها ومرافقها وحدها.

لكن ما بقي لا يمكن اختزاله في ما نراه من مظاهر التراجع.

فما زال في طرابلس من يؤمن بها، ومن يعمل وينتج ويبدع، ومن يتمسك بالقيم والعلم والمعرفة، ومن يرفض أن يكون مستقبل المدينة امتدادًا لماضيها المثقل بالخسارات.

غير أن هذه الطاقات، مهما بلغت، لن تكون كافية ما لم تلتقِ على مشروع يعيد الاعتبار إلى مفهوم الدولة والمؤسسة والمواطنة والعمل المشترك، ويحرر القرار المحلي من التبعية والمحاصصة، ويجعل الاقتصاد المنتج وفرص العمل والتعليم والتنظيم العمراني والعدالة وسيادة القانون أولويات فعلية.

ولا تبدأ استعادة طرابلس بتبديل الوجوه أو إعادة توزيع المواقع، ولا بإضافة هيئة جديدة إلى الهيئات القائمة، ولا بإطلاق المزيد من الوعود والمشاريع المؤجلة.

إنما تبدأ بمراجعة شجاعة وصادقة للتجارب التي حكمت المدينة وتحدثت باسمها، وبإعادة الاعتبار إلى الكفاءة والمساءلة، وبناء ثقافة وطنية تشاركية، وإنتاج قيادة تنتمي إلى قضايا الناس ومصالحهم، لا إلى شبكات النفوذ والولاءات.

فقد تستطيع مدينة أن تستعيد مرافقها ومصانعها وأسواقها، لكن استعادة مجتمع اعتاد غياب المؤسسات، وتراجعت ثقته بالقانون، وتفككت بعض روابطه المدنية، قد تكون المهمة الأصعب.

ولذلك فإن السؤال الذي بدأنا به لا ينبغي أن ينتهي عند تعداد الخسارات، بل أن يقود إلى سؤال أكثر مسؤولية:

هل ما زالت طرابلس قادرة على استعادة ذاتها، وهل بقي لدى أبنائها وقواها الحية من الوعي والإرادة والاستقلالية ما يمكّنهم من الالتقاء على مشروع ينقذ حاضرها ويصنع مستقبلها؟

إن طرابلس لا تحتاج إلى من يذكّرها بعظمة ماضيها بقدر حاجتها إلى من يعمل من أجل مستقبل يليق بتاريخها وأهلها.

فالمأساة ليست في أن تفقد المدينة بعض ما كانت تملكه، بل في أن يستمر فقدانها، بينما يكتفي أبناؤها وقياداتها بالتساؤل عما بقي منها.

تنويه من إدارة بيروت تايمز

الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock