تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

خيبة أمل في صناديق الاقتراع: كيف خسر نتنياهو رهانه الأكبر؟

إسماعيل مسلماني *

لم تكن ليلة الانتخابات الإسرائيلية مجرد محطة جديدة لتوزيع مقاعد الكنيست، بل جاءت كزلازل سياسي يعري الأزمة العميقة التي تعيشها إسرائيل اليوم. دخل بنيامين نتنياهو هذه المعركة مدججاً بكل ما يملك من أوراق القوة: خطابات الترهيب، قرع طبول الحرب المستمرة، ودعم علني لا محدود من حليفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. غير أن النتائج جاءت بصدمة مدوية؛ مشهد سياسي مأزوم، وحكومة معلقة بلا أغلبية برلمانية تمكنه من الإمساك بزمام الحكم.

الأمن لم يعد شيكاً على بياض

طوال سنوات، اعتاد نتنياهو تقديم نفسه بوصفه “حامي الحمى” والشخص الوحيد القادر على قيادة السفينة وسط الأزمات الإقليمية. غير أن الشارع الإسرائيلي بعث هذه المرة برسالة حاسمة؛ فالاستعراض العسكري والوعود الأمنية قد تمنح شعبية مؤقتة، لكنها عاجزة عن إخفاء الشروخ المجتمعية المتجذرة. ولم تُجدِ نفعاً العلاقات الاستثنائية بـ”واشنطن” في طمس الأزمات الاقتصادية والسياسية؛ إذ اتضح أن الرهان على دعم واشنطن لا يُترجم تلقائياً إلى تفويض شعبية داخلية.

أزمة ثقة وتعمق غير مسبوق للانقسام

الخسارة الحقيقية لم تكن مجرد أرقام في صناديق الاقتراع؛ بل كشفت عن أزمة ثقة حادة تضرب علاقة المواطن بمؤسسات الدولة وبرأس الهرم السياسي. لقد أفرزت الانتخابات مجتمعاً مقسوماً على ذاته بصورة أشد حدة من أي وقت مضى، وسط تبادل اتهامات بالتخوين والتزوير وهجمات إعلامية شرسة. هذا الانقسام المتجذر جعل البرلمان الإسرائيلي يبدو كميدان للصراع المعسكرات بدلاً من أن يكون منصة لإدارة الدولة، مما يهدد بشلل حكومي طويل الأجل.

تراجع أرقام.. ولا حسم دستوري بعد

تظهر نتائج الفرز تراجعاً كبيراً لكتلة نتنياهو إلى 53 مقعداً مقابل 48 مقعداً لمعسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت. بالنسبة لمعسكر كان يتكئ على أغلبية مريحة في الكنيست السابق، فإن هذا الهبوط يمثل انتكاسة قاسية. ومع ذلك، من المبكر القول إن نتنياهو قد أُقصي نهائياً من المشهد؛ فالرجل لا يزالئي رئيس الوزراء ومناوراً بارعاً يعرف كيف يستغل ثغرات الخصوم. غير أن الفرق اليوم هو انهيار قدرته على فرض شروطه، لتصبح خياراته معقدة بين مفاوضات ائتلافية شاقة أو الانزلاق مجدداً نحو دوامة انتخابات مبكرة.

الصوت العربي والانسداد السياسي

على الجانب الآخر، شكّل وصول التمثيل العربي إلى 19 مقعداً تحولاً يفرض معادلة جديدة لا يمكن تجاوزها. غير أن هذه القوة الحسابية تصطدم بجدار من التناقضات؛ فالمعارضة بقيادة آيزنكوت لا تزال تتردد في رسم تحالف مباشر مع الأحزاب العربية، مما يعكس الأزمة الجوهرية للنظام السياسي: احتياج حسابي لأصوات العرب، يرافقه رفض سياسي وإيديولوجي لمشاركتهم الفعلية في صناعة

اي نعم ، لم يسقط نتنياهو ضربة قاضية من الناحية الدستورية، لكن مشروعه السياسي القائم على معادلة “الحرب والدعم الخارجي يساوي بقاءً في السلطة” قد انكسر. أثبتت هذه الانتخابات أن التفوق العسكري لا يمنح شرعية دائمة، وأن الأزمات الداخلية لا تُحل بقرارات خارجيّة، بل تظل رهينة أزمة الثقة والانقسام الذي ينخر في قلب المجتمع الإسرائيلي.

* مختص بالشان الاسرائيلي

تنويه من إدارة بيروت تايمز

الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock