تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

القرد العادل والقطتان…

حين تُدار مصائر الشعوب بميزان المصالح

رشيد ج. مينا

من الكوة التي لا تزال تتيح لي الإطلالة على المشهد العام، ومتابعة ما يجري في العالم، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط، أحاول أن أقرأ ما وراء الأحداث المتسارعة، وأن أتلمس ملامح المستقبل وسط ضباب كثيف من الحروب والصراعات والتحولات التي لا يبدو أن نتائجها ستقتصر على حدود الدول المنخرطة فيها.

فالعالم يعيش مرحلة تتقدم فيها القوة على القانون، والمصالح على المبادئ، وتزداد فيها المسافة بين ما تعلنه الدول الكبرى من التزام بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وما تمارسه حين تتعارض تلك القيم مع حساباتها الاستراتيجية.

وفي منطقتنا، يبدو المشهد أشد قسوة. حروب تستنزف الشعوب، ودول تتآكل سيادتها، وقوى إقليمية ودولية تتصارع على النفوذ، فيما تمضي إسرائيل في اعتداءاتها وسياساتها التوسعية، مستندة إلى تفوق عسكري ودعم أمريكي يمنحانها قدرة استثنائية على فرض الوقائع، ويجعلان مستقبل المنطقة عرضة لحسابات لا تكون حقوق شعوبها في مقدمتها.

وأمام هذا المشهد، عادت إلى ذهني حكاية قديمة كنا نسمعها في طفولتنا، لكنها تبدو اليوم أقرب إلى درس في السياسة الدولية منها إلى حكاية للتسلية.

القرد العادل… وقطعة الجبن

تروي الحكاية أن قطتين عثرتا على قطعة من الجبن، فاختلفتا على تقسيمها، واحتكمتا إلى قرد طلبتا منه أن يكون عادلًا بينهما.

أحضر القرد ميزانًا، وقسم الجبن إلى قطعتين. ولما رجحت إحداهما، اقتطع منها جزءًا وأكله ليعيد التوازن. ثم رجحت الأخرى، فاقتطع منها بدوره جزءًا وأكله. واستمر في ممارسة عدالته المزعومة، حتى لم يبقَ من الجبن إلا فتات صغير. وحين طلبت القطتان ما تبقى، بعدما أدركتا حجم خسارتهما، رفض القرد، معلنًا أن الفتات الأخير هو أجره لقاء ما بذله من جهد في التحكيم!

قد تبدو الحكاية بسيطة، لكنها تختصر جانبًا من العلاقات بين القوى الكبرى والدول التي تتنازع فيما بينها، ثم تسلّم أمر خلافاتها إلى من يمتلك القوة والنفوذ، متوهمة أن امتلاك القوة يعني امتلاك العدالة.

وليس المقصود أن كل تدخل خارجي لا بد أن ينتهي على هذه الصورة، أو أن جميع النزاعات تصنعها قوة واحدة. إنما السؤال: ماذا يحدث حين يصبح من يتولى إدارة النزاع صاحب مصلحة في نتائجه، وربما في استمراره؟ وهل يكون الميزان عادلًا إذا كان من يمسك به يقتطع لنفسه نصيبًا كلما حاول تصحيح اختلاله؟

أمريكا… بين شعارات المبادئ وحسابات القوة

ليس جديدًا القول إن الولايات المتحدة تتحرك وفق مصالحها. فهذه طبيعة السياسة الدولية، ولا سيما سياسات القوى الكبرى. لكن ما يستحق المساءلة هو التناقض بين الخطاب الأمريكي الذي يرفع شعارات الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان واحترام سيادة الدول، وبين سياسات ومواقف تتقدم فيها الاعتبارات الاستراتيجية على تلك المبادئ.

وإذا كانت الولايات المتحدة قد أسهمت في بناء نظام دولي يقوم، نظريًا، على القانون والمؤسسات والحقوق، فإن سجلها السياسي والعسكري يطرح أسئلة جدية حول مدى التزامها بهذه القواعد عندما تتعارض مع مصالحها أو مصالح حلفائها.

ولا نحتاج إلى افتراض وجود خطة أمريكية واحدة تقف خلف كل حرب أو أزمة حتى ندرك حجم المسؤولية الأمريكية عن اختلالات شهدها العالم. يكفي أن نتأمل القرارات التي اتخذتها الإدارات المتعاقبة، والنتائج التي ترتبت عليها، والتناقضات التي ظهرت بين الأهداف المعلنة والممارسات الفعلية.

العراق… حين أُزيل الحاجز أمام التمدد الإيراني

لعل العراق يقدم أحد أبرز الأمثلة. فحين قررت الولايات المتحدة غزوه عام 2003 وإسقاط نظام صدام حسين، لم تسقط حكمًا فحسب، بل أسهمت، من خلال الاحتلال وقرارات تفكيك مؤسسات الدولة والجيش، في إحداث اختلال عميق في التوازن الإقليمي. وكانت إيران من أبرز المستفيدين من هذا التحول.

فالدولة التي خاضت حربًا طويلة مع العراق، وكانت تواجه على حدودها الغربية قوة إقليمية تحد من تمددها، وجدت نفسها أمام واقع جديد أتاح لها توسيع نفوذها داخل المؤسسات السياسية العراقية، وتعزيز علاقاتها بقوى مسلحة وسياسية أصبحت جزءًا مؤثرًا من المشهد. ولم تكن أهمية التوازن العراقي مجهولة لدى صناع السياسة الأمريكية.

فقد حذر هنري كيسنجر، في مواقفه المتعلقة بحرب الخليج عام 1991، من النتائج التي قد تترتب على تفكيك العراق وإخلال التوازن لمصلحة إيران.

كما أقر روبرت غيتس، وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، بأن إسقاط نظام صدام حسين، إلى جانب إسقاط حكم طالبان في أفغانستان، أزال اثنين من أبرز خصوم إيران، وأسهم في تعزيز موقعها الإقليمي.

وهنا يفرض السؤال نفسه: إذا كانت نتائج إضعاف العراق على التوازن الإقليمي قابلة للتوقع، فكيف يمكن فصل المسؤولية الأمريكية عن التمدد الإيراني الذي أعقب ذلك؟

صحيح أن لإيران مشروعها الإقليمي الخاص، وأن نفوذها في لبنان وسوريا وبعض الساحات الأخرى سبق الغزو الأمريكي للعراق، وأن لكل ساحة ظروفها الداخلية وتاريخها السياسي. لكن الصحيح أيضًا أن السياسات الأمريكية ساهمت في توفير ظروف جديدة أتاحت لهذا النفوذ أن يتسع ويتعمق. ولا تقف المساءلة عند نتائج الغزو وحدها.

فالولايات المتحدة، بما تمتلكه من قدرات استخباراتية وعسكرية، كانت ترصد شبكات التسليح والتمويل والارتباطات الإقليمية، وقد أعلنت مرارًا فرض عقوبات على جهات وشبكات مرتبطة بإيران. وحين اتخذت قرار استهداف قائد فيلق القدس قاسم سليماني في بغداد عام 2020، أثبتت قدرتها على تنفيذ عمليات دقيقة ضد قيادات إيرانية بارزة.

لكن القدرة على الاستهداف لا تعني بالضرورة القدرة على منع كل أشكال التمدد من دون مواجهة أوسع. ومن هنا لا بد من طرح السؤال السياسي بصيغته الدقيقة: لماذا اختارت واشنطن المواجهة في مراحل، والاحتواء أو التغاضي عن بعض الوقائع في مراحل أخرى؟ وما أثر تلك الخيارات في مصالح الدول العربية التي تحولت إلى ساحات لهذا الصراع؟

إن معرفة ما يجري، وامتلاك وسائل التأثير، ثم اختيار حدود التدخل وتوقيته، أمور لا تعفي صاحب القرار من مسؤولية النتائج، حتى حين لا نستطيع الجزم بأنه أراد كل تلك النتائج مسبقًا.

لبنان عام 1983… حين تراجعت القوة الكبرى

ولبنان نفسه يقدم شاهدًا تاريخيًا لا يقل دلالة.

ففي الثالث والعشرين من تشرين الأول عام 1983، تعرض مقر مشاة البحرية الأمريكية في بيروت لتفجير أدى إلى مقتل 241 عسكريًا أمريكيًا، بالتزامن مع تفجير استهدف القوات الفرنسية وأوقع عشرات القتلى. وكان ذلك من أكبر الهجمات التي تعرضت لها القوات الأمريكية في الخارج.

وقد ارتبط الهجوم، في التحقيقات والتقديرات الأمريكية، بشبكات مسلحة مدعومة من إيران، في مرحلة كانت تشهد صعود قوى جديدة في لبنان وتزايد الدور الإيراني. ورغم حجم الخسارة، ورغم الردود العسكرية الأمريكية التي أعقبت تلك المرحلة، اختارت إدارة الرئيس رونالد ريغان في شباط 1984 سحب قوات المارينز من مواقعها البرية في بيروت.

لم يكن ذلك دليلًا على غياب القوة العسكرية الأمريكية، وإنما على أن قرار استخدامها ظل محكومًا بحسابات سياسية واستراتيجية تتعلق بكلفة المواجهة واحتمالات اتساعها. والمفارقة أن الولايات المتحدة، التي تبذل في حالات كثيرة جهودًا طويلة لاستعادة عسكري مفقود أو التعرف إلى رفات جنودها بعد عقود، اختارت في لبنان عدم خوض مواجهة أوسع بعد خسارة بهذا الحجم.

والمقارنة هنا لا تتعلق بقيمة حياة الجندي الأمريكي، ولا تقلل من واجب دولته تجاهه، بل تكشف أن حجم الخسائر وحده لا يحدد طبيعة القرار الأمريكي؛ فالمصلحة السياسية وتقدير الكلفة هما اللذان يرجحان كفة التدخل أو الانسحاب.

ثم جاءت قضية «إيران–كونترا» لتكشف أن العداء المعلن بين واشنطن وطهران لم يمنع حصول صفقات أسلحة سرية بينهما خلال عهد ريغان. فكيف يمكن قراءة هذه الوقائع خارج منطق المصالح المتحركة، التي قد تجعل من الخصم طرفًا للتعامل، ومن الحليف طرفًا يتحمل نتائج الانسحاب أو تبدل الأولويات؟

وهنا لا بد من التمييز بين تفسير هذه السياسة وبين تبريرها؛ فكون الدول الكبرى تحسب مصالحها لا يجعل النتائج التي تتركها على الشعوب والدول الأخرى عادلة أو مقبولة.

إسرائيل… التفوق الذي صنعته الرعاية الأمريكية وعززته

وإذا انتقلنا إلى الصراع مع إسرائيل، وجدنا أن الدعم الأمريكي يشكل أحد أكثر الأمثلة وضوحًا على الانتقائية في تطبيق المبادئ الدولية.

منذ دعم إدارة الرئيس هاري ترومان قرار تقسيم فلسطين عام 1947، ثم اعتراف واشنطن بإسرائيل عام 1948، أخذ الدور الأمريكي يتعاظم في رسم موازين القوى المرتبطة بالقضية الفلسطينية.

صحيح أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية لم تكن في جميع المراحل على الصورة التي نعرفها اليوم. ففي العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، عارض الرئيس دوايت أيزنهاور الهجوم الذي شاركت فيه بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، ومارست إدارته ضغوطًا ساهمت في وقف العدوان والانسحاب.

لكن قراءة ذلك الموقف بمعزل عن الصراع على النفوذ في المنطقة ستكون قراءة ناقصة. فقد كان تراجع الدورين البريطاني والفرنسي يفتح المجال أمام صعود الولايات المتحدة بوصفها القوة الغربية الأكثر تأثيرًا في الشرق الأوسط، في مواجهة الاتحاد السوفياتي.

ولم يمضِ وقت طويل حتى أعلن أيزنهاور مذهبه الخاص بالمنطقة عام 1957، في إطار توسيع الدور الأمريكي وملء الفراغ الذي خلفه انحسار النفوذ الاستعماري الأوروبي. وهكذا اجتمع في الموقف الأمريكي أمران: مساهمة فعلية في وقف العدوان، ومصلحة استراتيجية في إعادة توزيع النفوذ لمصلحة واشنطن.

ثم جاءت حرب حزيران عام 1967 وما أعقبها من احتلال أراضٍ عربية، لتدخل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية مرحلة جديدة من تعاظم الدعم العسكري والسياسي.

وفي عام 1982، اجتاحت إسرائيل لبنان ووصلت قواتها إلى بيروت، بينما بقيت الولايات المتحدة حليفها الاستراتيجي الأساسي، رغم تدخلها الدبلوماسي خلال الحرب وما رافقها من خلافات بين الجانبين.

أما الاعتراف الأمريكي عام 2019 بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، فقد شكل مثالًا بالغ الوضوح على تجاوز الموقف الدولي الرافض لاكتساب الأراضي بالقوة.

ولم يعد الأمر يقتصر على الدعم العسكري الذي يضمن لإسرائيل تفوقًا نوعيًا على محيطها، بل امتد إلى مواقف سياسية تمنحها غطاءً استثنائيًا في مواجهة المطالب العربية المشروعة.

وهنا لا بد من سؤال لا يمكن تجاوزه:

كيف يمكن لقوة توفر لإسرائيل عناصر تفوقها العسكري، وتمنحها هذا القدر من الدعم والحماية السياسية، أن تقدم نفسها في الوقت نفسه حكمًا قادرًا على إنصاف الفلسطينيين أو إلزام إسرائيل بالحقوق التي ترفض الإقرار بها؟

هذا لا يعني أن واشنطن عاجزة عن الضغط على إسرائيل. بل إن حجم الدعم الأمريكي يمنحها وسائل تأثير كبيرة. لكن امتلاك القدرة على الضغط شيء، والاستعداد لاستخدامها لتحقيق حقوق الآخرين شيء مختلف تمامًا.

وإسرائيل، بطبيعة الحال، ليست مجرد منفذ للإرادة الأمريكية؛ فهي تمتلك مشروعها السياسي وقراراتها ومسؤوليتها المباشرة عن الاحتلال والاعتداءات. غير أن ذلك لا يلغي مسؤولية القوة التي توفر لها الدعم والغطاء وتساعدها على المحافظة على تفوقها.

أوكرانيا وأوروبا… كلفة الحرب وحسابات التحالف ولا يقتصر هذا النمط من التساؤلات على الشرق الأوسط. فالحرب في أوكرانيا، التي بدأت بغزو روسي شامل عام 2022، كشفت بدورها تعقيدات العلاقة بين مصالح الدول الكبرى ومصائر الدول التي تتحول أراضيها إلى ساحات للصراع.

لقد كان الدعم الأمريكي العسكري والمالي والاستخباراتي عاملًا أساسيًا في تمكين أوكرانيا من مقاومة الغزو الروسي، لكن تبدل مستويات الدعم، والخلافات السياسية داخل الولايات المتحدة، والتفاوت بين مواقف واشنطن وحلفائها، أثرت جميعها في حسابات الحرب وآفاق التسوية.

وفي المقابل، تحملت الدول الأوروبية أعباء اقتصادية وأمنية كبيرة، وأعادت النظر في سياساتها الدفاعية وعلاقاتها بالطاقة الروسية ومدى اعتمادها على المظلة الأمنية الأمريكية.

ولا يصح إعفاء روسيا من مسؤولية قرار الغزو، كما لا تتوافر أدلة كافية للجزم بأن استنزاف أوروبا كان الهدف الأمريكي المسبق من استمرار الحرب.

لكن من المشروع التساؤل عن النتائج التي أفضت إليها السياسات الأمريكية، وعن مدى استفادة واشنطن من تعاظم حاجة بعض حلفائها الأوروبيين إلى ضماناتها الأمنية وقدراتها العسكرية.

فالمصلحة قد تتحقق أحيانًا من نتائج لم تكن مقصودة أصلًا، وقد تصبح تلك النتائج لاحقًا جزءًا من الحسابات السياسية. وفي الحالتين، تبقى الشعوب هي التي تدفع الكلفة الأعلى من أمنها واقتصادها ومستقبل أجيالها.

لبنان… من عهد الإنقاذ إلى إدارة الأزمة ومن هذا المشهد الدولي والإقليمي الواسع، أعود إلى لبنان. إلى ذلك الوطن الذي لا يزال يدفع أثمان الحروب والصراعات والتدخلات، ويبحث عن دولة فعلية بعد عقود من الانقسامات والوصايات والمحاصصة وتعطيل المؤسسات.

لقد جاء العهد الجديد والحكومة تحت عناوين الإنقاذ والإصلاح واستعادة السيادة وبناء الدولة. وكان اللبنانيون يأملون أن يشكل ذلك بداية انتقال من إدارة الانهيار إلى معالجة أسبابه، ومن الاكتفاء بإعلان القرارات إلى امتلاك القدرة على تنفيذها.

لكن الواقع يطرح اليوم سؤالًا مؤلمًا: هل انتقلنا فعلًا إلى مشروع إنقاذ وإصلاح، أم أننا أمام إدارة جديدة للأزمة القديمة؟

فالسلطة تجد نفسها أمام اعتداءات إسرائيلية ومطالب وطنية مشروعة بوقفها وإنهاء الاحتلال، وأمام ملف السلاح وقرار الحرب والسلم، وأمام منظومة سياسية ومصلحية متجذرة في مؤسسات الدولة، فضلًا عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي أنهكت اللبنانيين. وليس من الإنصاف تحميل العهد والحكومة وحدهما مسؤولية ما تراكم طوال عقود.

لكن من حق اللبنانيين مساءلتهما عن كيفية التعامل مع هذا الإرث، وعن الخطوات التي اتخذتاها للخروج منه، وعن الفارق بين الوعود والإنجازات. وأحد الأخطاء الاستراتيجية التي أخشى أن تقع فيها السلطة هو المبالغة في الرهان على الدور الأمريكي بوصفه الطريق الحاسم لإلزام إسرائيل بالانسحاب ووقف اعتداءاتها واحترام الحقوق اللبنانية.

فمن حق لبنان أن يستخدم كل الوسائل الدبلوماسية المتاحة، وأن يستفيد من العلاقات الدولية ومن النفوذ الأمريكي، وأن يطالب بتطبيق القرار 1701 وسائر الالتزامات الدولية ذات الصلة.

لكن ليس من الحكمة أن تتحول واشنطن من طرف مؤثر يمكن التعامل معه إلى ضمانة وحيدة يُعلَّق عليها مصير لبنان.

فكيف نراهن على أن تضع الولايات المتحدة حقوق لبنان في مقدمة حساباتها، ونحن نعرف طبيعة تحالفها مع إسرائيل، وتاريخ مواقفها، والحدود التي تختار عندها ممارسة الضغوط على حلفائها؟ وهل يكفي أن ننتظر تبدل الإدارة الأمريكية أو نتائج الانتخابات الإسرائيلية حتى نعرف ما يمكن أن يكون عليه مستقبل بلدنا؟

إن في هذا الانتظار ما يبعث على القلق؛ لأنه يجعل الأحداث الداخلية في إسرائيل، والتحولات السياسية في واشنطن، أشبه ببوصلة تحدد اتجاهات المصير اللبناني. والأخطر أن يصبح الانتظار سياسة، وأن تتحول محدودية القدرة على التأثير في الخارج إلى مبرر لتعطيل المبادرة في الداخل.

أين المبادرة الوطنية الجامعة؟

هنا أصل إلى ما أراه جوهر مسؤولية العهد والحكومة. فإذا كانت السلطة تدرك حجم التعقيدات التي تواجه تنفيذ قراراتها، فلماذا لا تجعل من قيادة حوار وطني جدي مع القوى ذات التأثير الفعلي أولوية أساسية؟

لا أقصد حوارًا شكليًا جديدًا، ولا طاولة تُضاف إلى طاولات سابقة، ولا تفاهمات فضفاضة يستطيع كل طرف تفسيرها بما يلائم مصالحه. بل أقصد سياسة وطنية جامعة تقودها الدولة، تنطلق من الدستور والسيادة والمصلحة العامة، وتبحث عن حلول عملية قابلة للتطبيق، لا عن توافقات نظرية يتعذر تنفيذها.

فليس كافيًا أن تتخذ الحكومة قرارًا بحصر السلاح بيد الدولة، مهما كانت مشروعية هذا الهدف وأهميته، إذا لم تضع مسارًا سياسيًا ومؤسساتيًا واقعيًا لتحقيقه.

كما لا يكفي أن تطالب إسرائيل بالانسحاب ووقف الاعتداءات، إذا لم تقرن هذه المطالب بتحرك دبلوماسي متعدد المسارات، وبموقف داخلي جامع، وبخطة لتعزيز قدرات الجيش ومؤسسات الدولة. ولا يكفي إعلان مكافحة الفساد واستقلال القضاء والإصلاح الإداري، إذا بقيت المنظومة التي تعطل هذه الأهداف قادرة على إعادة إنتاج نفسها.

إن القيادة السياسية لا تقاس فقط بقدرتها على تحديد الأهداف الصحيحة، بل بقدرتها على توفير شروط الوصول إليها. والحوار المطلوب لا يعني وضع الدولة على قدم المساواة مع أي قوة مسلحة أو سياسية، ولا منح أحد حق النقض الدائم على صلاحياتها.

بل يعني أن تقود الدولة بنفسها عملية الانتقال إلى احتكارها الشرعي للسلاح والقرار، وأن تتعامل مع المخاوف والتعقيدات القائمة من دون أن تجعلها مبررًا لاستمرار الوضع الراهن.

فالمبادئ الدستورية ليست موضوع مساومة، أما وسائل تنفيذها ومراحل الانتقال إليها، فهي المجال الطبيعي للسياسة والحوار.

ولا يمكن أن نطالب اللبنانيين بالالتفاف حول الدولة، ثم نكتفي بإبلاغهم بقراراتها من دون إشراك القوى الاجتماعية والسياسية المؤثرة في البحث عن سبل تنفيذها.

وفي المقابل، لا يجوز لأي قوة أن تتخذ من الحوار ذريعة لتأجيل استحقاقات الدولة إلى أجل غير معلوم. فالمطلوب ليس توافقًا على تأجيل الخلاف، بل توافقًا على كيفية إنهائه.

اتفاق الطائف… درس لم يكتمل ولنا في اتفاق الطائف تجربة تستحق التأمل.

فالاتفاق الذي أُنجز عام 1989 أسهم في وضع إطار لإنهاء الحرب اللبنانية، وإعادة تنظيم السلطة، وفتح الطريق أمام استعادة المؤسسات.

لكنه تضمن أيضًا إصلاحات والتزامات جوهرية لم تُنفذ كاملة، وفي مقدمتها مسار إلغاء الطائفية السياسية، وإنشاء مجلس للشيوخ وفق الشروط الدستورية، واستكمال بناء الدولة القادرة على بسط سلطتها وحصر السلاح بيد مؤسساتها.

ولم تكن أسباب التعثر واحدة.

فمنها ما يتعلق بالظروف التي أحاطت بالتنفيذ، ومنها ما ارتبط بالوصاية السورية وموازين القوى، ومنها ما يعود إلى مصالح القوى السياسية التي وجدت في استمرار المحاصصة والامتيازات ما يخدم نفوذها.

ولهذا لا يصح أن نحمّل نص الطائف وحده مسؤولية كل ما جرى، كما لا يصح أن نعدّ الاتفاق ناجحًا في تحقيق جميع أهدافه لمجرد أنه ساهم في إنهاء الحرب.

لقد كان وقف الحرب إنجازًا، لكن وقف الحرب ليس مرادفًا لبناء الدولة.

وهذا هو الدرس الذي ينبغي ألا يغيب عن أي مشروع إنقاذ جديد.

فقد تتفق القوى السياسية على أهداف عظيمة، وقد تحظى تلك الأهداف بتأييد داخلي ودولي واسع، لكنها تبقى حبرًا على ورق إذا لم تُقرن بآليات تنفيذ واضحة، ومهل واقعية، ومسؤوليات محددة، وإرادة سياسية تتقدم على حسابات النفوذ.

ولا يحتاج لبنان إلى اتفاق جديد يُضاف إلى اتفاقاته السابقة بقدر حاجته إلى تحويل ما اتُّفق عليه من مبادئ وطنية ودستورية إلى واقع.

فما قيمة اتفاق يعلن قيام الدولة، إذا كانت القوى التي وقعت عليه تحتفظ بأسباب تعطيلها؟ وما قيمة توافق على الإصلاح، إذا بقي المستفيدون من الفساد قادرين على منع تطبيقه؟ وما قيمة إعلان السيادة، إذا ظل القرار الوطني موزعًا بين الداخل والخارج؟

لا خروج من التبعية بتبديل عنوانها

لقد عانى لبنان طويلًا من ارتباط قراره بصراعات الآخرين.

وكان من أخطر مظاهر هذا الواقع وجود قوى تملك السلاح والقدرة على اتخاذ قرارات مصيرية خارج المؤسسات الدستورية، في ظل ارتباطات إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية.

لكن معالجة هذا الخلل لا تكون باستبدال مرجعية خارجية بأخرى.

فليس الانتقال من انتظار ما تقرره طهران إلى انتظار ما تسمح به واشنطن استعادةً للقرار الوطني.

وليست معارضة النفوذ الإيراني مبررًا للتسليم الكامل بالسياسة الأمريكية، كما أن رفض الاعتداءات الإسرائيلية لا يمنح أي قوة حق الانفراد بقرار الحرب والسلم.

إن سيادة لبنان لا تتجزأ.

فالاعتداء الإسرائيلي على أي جزء من أرضه اعتداء على لبنان كله، لا على طائفة أو منطقة أو فئة سياسية. وفي الوقت نفسه، فإن حماية لبنان ومواجهة الأخطار التي تهدده مسؤولية الدولة ومؤسساتها الشرعية، لا مسؤولية قوة تقرر وحدها متى تدخل البلاد في الحرب ومتى تخرج منها. ولا تناقض بين الموقفين. بل إن الجمع بينهما هو الأساس الذي يمكن أن تقوم عليه سياسة دفاعية وطنية، تحمي لبنان من الاعتداءات وتمنع تحويله إلى ساحة لصراعات الآخرين. وهذه السياسة لا تولد من البيانات وحدها، وإنما من بناء الثقة بين الدولة والمواطنين، وبين مكونات المجتمع اللبناني، ومن تقديم مشروع واضح تتوافر له شروط التنفيذ.

الدولة ليست مجرد سلطة… والشعب ليس جمهورًا ينتظر

قد نختلف في تقييم أداء العهد والحكومة، وفي تقدير حجم العقبات التي تواجههما، لكن ما لا ينبغي الاختلاف عليه هو أن الدولة لا تقوم بمجرد انتخاب رئيس أو تشكيل حكومة أو إصدار قرارات.

الدولة مشروع متكامل يقوم على المؤسسات والقانون والعدالة والمواطنة والقدرة على التنفيذ.

ولا يمكن فصل استعادة السيادة عن إصلاح القضاء، أو مكافحة الفساد عن تحرير الإدارة من المحاصصة، أو بناء الجيش عن بناء الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم.

كما لا يمكن الحديث عن تغيير حقيقي ما دام قانون الانتخاب والمال السياسي وشبكات التبعية قادرة على إعادة إنتاج القوى التي أوصلت البلاد إلى أزماتها. فالشعب ليس جمهورًا ينتظر نتائج التسويات التي يبرمها الآخرون باسمه.

إنه صاحب الحق في اختيار ممثليه بحرية، ومحاسبتهم، وتغييرهم، والمشاركة في تقرير مستقبل وطنه. ولهذا فإن أي سياسة وطنية جامعة لا تكتمل إذا اقتصرت على تفاهمات القيادات، ولم تفتح المجال أمام إرادة شعبية حرة قادرة على حماية الإصلاح من العودة إلى المحاصصة.

إن الدولة التي نريدها ليست دولة تكتفي باحتكار أدوات القوة، بل دولة تجعل من القانون والحقوق والعدالة أساسًا لشرعيتها، وتضع قوتها في خدمة الإنسان والوطن.

من يحفظ قطعة الجبن؟

أعود إلى حكاية القرد والقطتين.

قد يكون من السهل تحميل القرد مسؤولية ما جرى، فقد استغل الخلاف، وادعى العدالة، وأكل قطعة الجبن تحت عنوان تحقيق التوازن. لكن الحكاية لا تكتمل إذا أغفلنا مسؤولية القطتين اللتين عجزتا عن الاتفاق على حفظ حقهما، ثم سلمتا أمرهما إلى من كانت له مصلحة في استمرار النزاع.

وهذا لا يبرر استغلال القرد، ولا يجعل الضحية مسؤولة عن عدوان المعتدي، لكنه يكشف حقيقة لا يجوز تجاهلها: أن الانقسام الداخلي يفتح الأبواب أمام التدخل الخارجي، وأن العجز عن إدارة الخلافات يجعل حقوق الشعوب عرضة لحسابات الآخرين.

فالدول الكبرى لن تتخلى عن مصالحها لأنها سمعت مناشداتنا، ولن تجعل حقوقنا بالضرورة في مقدمة أولوياتها لأنها أعلنت التزامها بالقانون الدولي. ولا يعني ذلك الاستغناء عن العلاقات الدولية أو رفض المساعدة أو الوساطة، بل يعني إدراك حدودها، وعدم تحويلها إلى بديل عن الإرادة الوطنية.

إن العالم لا تحكمه القوة وحدها، لكنه لا يستجيب للمبادئ المجردة ما لم تجد من يحميها بمؤسسات قادرة، ومجتمعات واعية، وقيادات تتحمل مسؤولياتها.

ولذلك، فإن التغيير الذي تحتاجه السياسات الأمريكية لتصبح أكثر اتساقًا مع شعارات الحرية والعدالة وحقوق الإنسان هو مسؤولية المجتمع الأمريكي ومؤسساته وقواه السياسية أيضًا.

أما نحن، فلا نستطيع تعليق مستقبلنا على انتظار ذلك التغيير. فلبنان لا يملك ترف الانتظار حتى تتبدل الحسابات الأمريكية، أو تتغير نتائج الانتخابات الإسرائيلية، أو تنتهي الصراعات الإقليمية، أو يتفق أصحاب النفوذ على توزيع جديد للمكاسب.

إنه يحتاج إلى سلطة تقود، لا سلطة تنتظر؛ وإلى سياسة وطنية تجمع، لا تسوية تؤجل؛ وإلى قرارات قابلة للتنفيذ، لا عناوين تبقى معلقة فوق واقع يناقضها.

وإذا كان من حقنا أن نسائل الولايات المتحدة عن سياساتها، وإسرائيل عن اعتداءاتها واحتلالها، وإيران عن تدخلاتها ونفوذها، فمن واجبنا أيضًا أن نسائل أنفسنا وقياداتنا: ماذا فعلنا حتى لا تبقى أوطاننا ساحات يتقرر مصيرها خارج حدودها؟

لقد دفع اللبنانيون أثمانًا باهظة من حياتهم وأمنهم واقتصادهم ومستقبل أبنائهم، ولم يعودوا بحاجة إلى وعود جديدة بقدر حاجتهم إلى طريق واضح للخروج من أزماتهم.

وإذا كان العهد والحكومة قد جاءا تحت عنوان الإنقاذ والإصلاح، فإن مسؤوليتهما اليوم أن يثبتا أن هذا العنوان لم يكن مجرد وعد آخر يضاف إلى وعود كثيرة. فالإنقاذ لا يكون بإدارة الأزمة إلى أن تتغير الظروف، والإصلاح لا يتحقق بإعلان النيات، والسيادة لا تُستعاد بانتظار من يقرر منحها لنا.

إن أخطر ما قد يصيب لبنان ليس أن يعجز عن حل أزماته دفعة واحدة، بل أن يعتاد العجز حتى يصبح الانتظار سياسة، والتبرير إنجازًا، وإدارة الأزمة بديلًا دائمًا عن الخروج منها. وحين ندرك أن حقوقنا لا تُصان بمجرد تسليمها إلى من يملك ميزان القوة، وأن وحدتنا الوطنية لا تعني إلغاء اختلافاتنا بل قدرتنا على إدارتها تحت سقف الدولة والقانون، نكون قد بدأنا الطريق الحقيقي نحو التغيير.

فليس المطلوب أن نجد قردًا أكثر عدلًا، بل أن نبني دولة وشعبًا قادرين على حفظ الحقوق، وحسم الخلافات، وصناعة المستقبل بإرادتهما.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock