40,634 مشاهدة
إكرام زين الدين
نستيقظ كل صباح على الضوء ذاته يتسلّل من الستارة، وعلى القهوة ذاتها، غير أنّ شيئاً قد تغيّر، تلك السنوات التي أنفقناها بين الكتب والسهر، وما راكمناه من نجاحات وشهادات وخبرات، تتهاوى اليوم أمام آلةٍ لا تنام، تُنجز في ثوانٍ ما شيّدنا عليه هويتنا في عقود.
ليس هذا تطوراً تقنياً عادياً كالذي عرفته الأجيال قبلنا، حين جاء المحراث الحديدي، ثم المصنع، ثم الحاسوب، كان الإنسان يفقد ذراعاً ويكسب عقلاً، يتخلّى عن عضلاته ويعتصم بفكره. أما اليوم فقد بلغ الطوفان
آخر حصون الإنسان.
نمضي معصوبي الأعين نحو غدٍ مجهول، بلا بوصلة ولا أفق، وحتى الذين يصنعون هذه الآلات يعترفون في ساعات صدقهم بأنهم لا يعلمون إلى أين تمضي بنا.
وأقسى ما في الذكاء الاصطناعي أنه لا يهدم الوظائف وحدها، بل يهدم الحكاية التي نرويها عن أنفسنا. لقد نشأنا على أن الجهد يصنع القيمة، وأن من زرع حصد، وأن الطموح سُلَّمٌ نرتقيه درجةً درجة، فما بقاء السُّلَّم إن صار الجميع قادرين على الطيران بلا عناء؟ وماذا يقول أبٌ لابنه عن الاجتهاد؟ وبأي لغةٍ نشرح لفتى في العشرين أن الطريق الذي يرسمه غامض.
وسط هذا الغبار كله، لا بدّ أن نتشبّث بفكرةٍ صغيرة عنيدة، أن القيمة في الإنسان الذي يحمل المعرفة والمعلومة ، في الخوف الذي رافق قراره، في الشغف والمعنى الذي أودعه في كل تحركاته
قد يطوي العقدُ القادم صفحة الطموح كما ألفناها، ولا مفرّ من الاعتراف بذلك. وقد يتفُوق الذكاء الإصطناعي على مهاراتنا بأشواط ، لكنه يكتب ولا يشعر، لا يشتاق ولا يحنّ، يعرف اسم الفرح ولا يذوق حلاوة النجاح، ويحفظ كلمة الدمع ولا يعرف ملوحته.
سنمضي، نعم، لكننا مشينا في دروب الحياة بقلوبٍ ترتجف وتحبّ ، سهِرنا على أحلامنا، وعرفنا مرارة التعثّر وبهجة الوصول، رافقَنا الشغف في كل ما أعمالنا،
وبقي علينا أن نورّث من بعدنا حكايةً تعجز الآلة عن روايتها، حكاية عبورنا هذا الطوفان بلا خريطة، لا يهدينا فيها إلا ما في قلوبنا من إيمان.