تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

بين ضيق المعيشة وأزمات الحكم ..

من باريس الى واشنطن الشعوب في مواجهة سياسة الانهاك 

بقلم / دعاء هزاع الجابري ـ اليمن

على مر الأزمان والسنوات الطوال، لطالما كانت الشعوب كائنات تتقن الصمت طويلا وتمنح السلطة فرصة بعد أخرى حتى يبدو صبرها موافقة واحتمالها رضوخا وانشغالها بلقمة العيش انصرافا عن السياسة، الا ان السلطة التي تخلط بين صمت الناس ورضاهم ترتكب خطأها الأكبر في ذلك، حيث هناك مسافة خفية بين شعب يحتمل أعباء الحياة وشعب بدأ يفقد ثقته بجدوى الاحتمال 

فمن فرنسا إلى إسبانيا وإيطاليا وبلجيكا والبرتغال، وصولا إلى الولايات المتحدة، تتعدد اليوم أشكال الاحتجاج وتختلف دوافعها، لكنها في ذات الوقت تفتح سؤالا مشتركا حول ” علاقة المواطن بالدولة ” وحدود قدرته على تحمل الأزمات ومدى استجابة المؤسسات لصوت الشارع، ففي أوروبا تتداخل أزمات المعيشة والسكن والأجور والتعليم والخدمات العامة مع مطالب سياسية ونقابية، بينما تحمل التحركات الأمريكية أبعادا سياسية مرتبطة بالسياسات الداخلية وحقوق المواطنين ومستقبل المؤسسات، نعم هذه الاحتجاجات ليست بحركة عالمية موحدة لكنها تكشف كيف يمكن لأزمات متزامنة أن تنتج مشهدا متشابها، حين يشعر الناس بأن المسافة بين وعود السياسة وواقع الحياة أصبحت أكبر من قدرتهم على الاحتمال، فالضغط على الشعوب لا يقاس بالأرقام الاقتصادية وحدها بل بالفجوة بين ما تعلنه الحكومات وما يعيشه المواطن، حيث قد تتحدث الدولة عن النمو والاستقرار بينما يجد الإنسان أن راتبه يتآكل، ومسكنه يبتعد، والخدمات تتراجع، والمستقبل يصبح أكثر غموضا، وعند هذه النقطة بالتحديد تتحول الأسعار إلى سؤال عن العدالة، والسكن إلى قضية كرامة، والتعليم إلى اختبار لتكافؤ الفرص، وتصبح المطالب المعيشية مدخلا لمساءلة السلطة ذاتها

إن ساعة نفاد صبر الشعوب من ضغط السياسات وتراكماتها لا موعد محدد لها، فقد يحتمل المجتمع أزمات طويلة إذا شعر بعدالة توزيع الأعباء ووجود أفق للتغيير، وقد ينفجر الغضب حين يجتمع الحرمان مع الإحساس بالتهميش وانسداد الطرق أمام المستقبل، لأن الأزمة لا تكمن دائما في قسوة الظروف على اختلافها بل في شعور الإنسان بأنه يتحمل ثمن القرارات دون أن يمتلك القدرة على التأثير فيها، لذلك فعلى المدى القريب تستطيع الاحتجاجات الواسعة دفع الحكومات إلى مراجعة الضرائب والإنفاق الاجتماعي وسياسات السكن والأجور، وقد تقود إلى استقالات وزارية أو انتخابات مبكرة أو تراجع أحزاب حاكمة، لكن هذه النتائج ليست حتمية، إذ تتوقف على حجم المشاركة وتماسك المطالب وطبيعة المؤسسات وقدرة المعارضة على تقديم بدائل مقنعة، أما على المدى البعيد فقد تتجاوز آثار الاحتجاجات تغيير الوجوه إلى مراجعة قواعد الحكم ذاتها، فحين تتكرر أزمة الثقة تبرز مطالب بإصلاح القوانين الانتخابية وتعزيز استقلال القضاء وتوسيع الرقابة البرلمانية وحماية الحق في التظاهر، بالإضافة لتطوير آليات المساءلة والشفافية، ليصبح من هنا الشارع قوة تدفع نحو التغيير الدستوري، شرط أن تتحول مطالبه إلى برامج ومؤسسات، لا أن تبقى مجرد موجات غضب عابرة

 وبالنظر إلى النظام الدولي، فأن آثار هذه الاحتجاجات لا تقف عند الحدود الوطنية، فأوروبا مترابطة اقتصاديا وسياسيا وأي تحولات انتخابية داخل دولها تنعكس بشكل مباشر على سياسات الهجرة والطاقة والإنفاق الدفاعي والعلاقات الخارجية، كما أن الاحتجاجات في الولايات المتحدة بما تحمله من دلالات سياسية داخلية ستؤثر في موازين الانتخابات وتوجهات المؤسسات، ومن ثم في أولويات واشنطن الدولية إذا ترجمت إلى تغييرات في الحكم والسياسات، ليبقى التحدي الأكبر أمام الشعوب في أن تحول غضبها إلى إصلاح منظم وسلمي، وامام الحكومات أن تدرك أن الأمن لا يتحقق بالقوة والقمع وأن تجاهل المطالب قد يجعل الأزمة أكثر تعقيدا 

 فالتاريخ لا يتغير كلما امتلأت الساحات، لكنه يبدأ بالتغير حين يصبح تجاهل صوت الناس أكثر كلفة من الاستماع إليه، لأن الشعوب لا تطلب دائما المعجزات بل تريد عدالة في توزيع الأعباء وكرامة في الحياة وأملا يستطيع أبناؤها البناء عليه، لذلك حين تنتهي الاحتجاجات من الشوارع، ستستمر آثارها في صناديق الاقتراع، وقاعات مجالس النواب، ومكاتب الحكومات، وصفحات الدساتير، وهناك تتحدد المسافة بين غضب عابر وتحول تاريخي، وبين سلطة تتعلم الإصغاء وأخرى تكتشف متأخرة أن صبر الشعوب ليس شيكا مفتوحا إلى الأبد .

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock