التخريب في فرنسا وإيطاليا: احتجاج اجتماعي أم عنف سياسي يستهدف الدولة؟
منذ يوم واحد
5 دقائق
التخريب في فرنسا وإيطاليا: احتجاج اجتماعي أم عنف سياسي يستهدف الدولة؟
23,214 مشاهدة
مقال صحفي تحليلي: ضياء الدين مرزقي
لم يعد التخريب في فرنسا وإيطاليا مجرد كتابة على الجدران أو تكسير واجهات المحال. ففي السنوات الأخيرة، اتسع نطاق الظاهرة ليشمل ثلاثة مستويات متداخلة: أضرارًا يومية تصيب الممتلكات، وأعمال عنف ترافق الاحتجاجات، وعمليات تخريب منظّمة تستهدف مرافق حيوية مثل السكك الحديدية والاتصالات. غير أن جمع هذه المستويات في خانة واحدة يخلق صورة مضللة؛ فالدافع والقدرة التنظيمية وحجم الضرر تختلف جذريًا بين شاب يحطم واجهة متجر خلال اضطراب عابر، وشبكة تخطط لتعطيل خط قطار أو إحراق مبنى حكومي.
أرقام لا تؤكد انفلاتًا عامًا
تُظهر البيانات الفرنسية الرسمية صورة أكثر تعقيدًا من الانطباع الذي تصنعه المشاهد المتداولة على منصات التواصل. فقد ارتفع عدد أعمال التدمير والإضرار العمدي المسجلة في فرنسا بنسبة طفيفة بلغت 2% عام 2025 مقارنة بعام 2024، لكنه ظل أقل من مستوى 2023، السنة التي شهدت أعمال عنف حضرية واسعة في مطلع الصيف. وفي الأشهر الاثني عشر المنتهية في 30 يونيو/حزيران 2026، تراجع المؤشر نفسه بنسبة 2%.
هذه الأرقام لا تعني أن الظاهرة هامشية، ولا تسمح في الوقت نفسه بالقول إن فرنسا تشهد تصاعدًا مستمرًا للتخريب. فهي تقيس الوقائع التي وصلت إلى الشرطة والدرك، بينما لا يبلّغ عدد من المتضررين عن الأضرار، خصوصًا عندما تكون الخسارة محدودة أو عندما يعتقد أصحابها أن فرص كشف الفاعلين ضعيفة. كما أن ارتفاع التسجيل قد يعكس أحيانًا تحسنًا في الرصد أو تغيرًا في سلوك الإبلاغ، لا زيادة خالصة في عدد الأفعال.
في إيطاليا، تبدو المقارنة الوطنية أصعب بسبب اختلاف طريقة عرض البيانات وتجميعها. وتنشر وزارة الداخلية معطيات الجريمة عبر جهاز تحليل جنائي متخصص، لكن «التخريب» لا يظهر في المصدر المنشور بوصفه مؤشرًا وطنيًا موحدًا يمكن مقارنته مباشرة بالسلسلة الفرنسية. وتقدم التقارير المحلية أو الموضوعية مؤشرات جزئية؛
دراسة لوزارة الداخلية حول جنوح القاصرين في المدن الكبرى أظهرت، مثلًا، ارتفاعًا بنسبة 58.33% في بلاغات القاصرين الأجانب المشتبه في تورطهم في جريمة الإضرار بالممتلكات في مدينة فلورنسا الكبرى بين 2022 و2023، مع بقاء الأرقام الإجمالية منخفضة باستثناء ذروة استثنائية تعود إلى عام 2011. وهذا مثال مهم، لكنه لا يبرر تعميم النتيجة على إيطاليا كلها أو اختزال الظاهرة في خلفية المشتبه فيهم.
فرنسا: من الشارع إلى البنية التحتية
تتمتع فرنسا بتقاليد احتجاجية قوية، وتتحول المظاهرات أحيانًا إلى بيئة تستغلها مجموعات صغيرة مقنّعة أو شبكات أكثر صلابة. الفارق بين الاحتجاج والتخريب هنا أساسي: فالمشاركة في مسيرة أو الإضراب حق سياسي، بينما إحراق منشأة عامة أو تدمير ممتلكات الغير فعل جنائي، حتى لو وقع في سياق قضية اجتماعية حقيقية.
برز هذا الفارق بوضوح خلال الاضطرابات التي شهدتها البلاد في أكتوبر/تشرين الأول 2026 على خلفية غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة. وبحسب تقرير لرويترز، شارك أكثر من نصف مليون شخص في مسيرات عبر مدن عدة، بينما استغلت مجموعات عنيفة الفوضى لنهب متاجر وإتلاف واجهات ومهاجمة الشرطة. وسجلت السلطات أكثر من ألفي عملية توقيف وإصابة أكثر من 600 شرطي، فيما تضررت مئات المحال، وأُحرق مبنى بلدية ليموج ودُمّر جزء كبير منه. لكن هذه الوقائع لا تسمح بوصف جميع المشاركين في الاحتجاج بأنهم مخربون؛ بل تؤكد أن العنف المنظم يمكن أن يندس داخل حشد واسع ذي مطالب مشروعة.
والأخطر من تخريب الواجهات هو الانتقال إلى مرافق يعتمد عليها ملايين الناس. ففي يوليو/تموز 2024، وقبيل افتتاح الألعاب الأولمبية في باريس، تعرضت شبكة القطارات فائقة السرعة لهجمات منسقة عطلت حركة السفر، كما طالت أعمال تخريب كابلات ومنشآت اتصالات في خمسة مواقع. وقدرت السلطات أن اضطراب السكك أثر في نحو 800 ألف مسافر، بينما تضرر نحو 11 ألف مستخدم من مشكلات شبكة الاتصالات. آنذاك اشتبهت السلطات في مجموعات يسارية متطرفة، لكن التقارير الصحفية شددت على أن التحقيق لم يكن قد أثبت وجود صلة بين هجمات السكك والاتصالات.
تكشف هذه الحادثة تحوّلًا في منطق التخريب: لم يعد الهدف إحداث صورة صادمة فحسب، بل تعطيل وظيفة عامة، ورفع كلفة الحماية، وإظهار هشاشة البنية التحتية في لحظة رمزية يتابعها العالم. وكلما كان التوقيت مرتبطًا بانتخابات أو تظاهرة دولية أو أزمة سياسية، زادت قيمة الأثر الإعلامي للعمل، حتى لو بقي الضرر المادي محدودًا.
إيطاليا: تخريب محدود العدد، مرتفع الرمزية
في إيطاليا، ظهر البعد السياسي والأيديولوجي بوضوح في عدد من الوقائع المنسوبة إلى جماعات فوضوية أو يسارية متطرفة. ووفق تقرير «يوروبول» حول اتجاهات الإرهاب في الاتحاد الأوروبي، سُجلت في 2025 اثنتا عشرة عملية إرهابية يسارية أو فوضوية في الاتحاد، نُفذت إحدى عشرة منها في إيطاليا وواحدة في اليونان. ولم تُسجل ضحايا في هذه العمليات، إذ تركزت الأهداف أساسًا على مبانٍ ومركبات. ويذكر التقرير حالتين إيطاليتين: عبوة تسببت في أضرار مادية لمبنى وكالة سفر في يناير/كانون الثاني 2025، وعبوة عُثر عليها وفُككت في قسم علم الإجرام بجامعة بيروجيا في مارس/آذار من العام نفسه.
الأرقام هنا لا تصف «إيطاليا المخربة»، بل تصف نمطًا محدودًا من العنف السياسي المنظم. ومع ذلك، فإن محدودية عدد العمليات لا تلغي خطورتها؛ لأن استهداف مؤسسات عامة أو شركات أو مراكز بحثية يرسل رسالة ترهيب تتجاوز قيمة الضرر المادي، ويضغط على الدولة كي توزع موارد أمنية كبيرة على أهداف متعددة.
في فبراير/شباط 2026، تعرضت منشآت للسكك الحديدية قرب بولونيا لثلاثة حوادث متزامنة تقريبًا خلال عطلة افتتاح الألعاب الأولمبية الشتوية. تحدثت السلطات عن حريق في غرفة لمحوّل سكة قرب بيزارو، وقطع كابلات مرتبطة برصد سرعة القطارات قرب بولونيا، والعثور على عبوة بدائية قرب مسار للقطار. أدت الوقائع إلى تأخيرات بلغت ساعتين ونصفًا في بعض الرحلات، من دون تسجيل إصابات أو تضرر قطارات. وبعد يومين، أعلنت جماعة فوضوية مسؤوليتها في بيان نشر على الإنترنت، وربطت العملية بتشديد القيود على التظاهر وبمعارضة الألعاب الأولمبية بوصفها احتفالًا بالقومية. تظل المسؤولية، صحفيًا وقانونيًا، منسوبة إلى الجماعة وفق ما أوردته رويترز، ولا تعادل وحدها حكمًا قضائيًا نهائيًا.
ما الذي يجمع البلدين؟
القاسم المشترك الأول هو أزمة الثقة. فحين تتراكم مشكلات غلاء المعيشة أو البطالة أو تراجع الخدمات أو الشعور بأن المؤسسات لا تستجيب، يتحول الفضاء العام إلى ساحة للتعبير عن الغضب. لكن الأزمة الاجتماعية لا تفسر وحدها التخريب المنظم. هذا الأخير يحتاج إلى سردية سياسية تبرر استهداف الدولة أو الشركات أو الشرطة، وإلى أفراد يمتلكون قدرة على التخطيط والعمل السري واستغلال لحظة تجمع جماهيري أو حدث دولي.
القاسم الثاني هو تغير قيمة الهدف. فاستهداف واجهة متجر يوقع خسارة محلية، أما تعطيل السكك أو الاتصالات فيصيب الاقتصاد والتنقل والثقة العامة في آن واحد. وتزداد قابلية البنية التحتية للتأثر لأن كثيرًا من المنشآت موزع في مواقع مفتوحة، ولأن إصلاح عطل صغير في نقطة حساسة قد يتطلب فحص شبكة كاملة. لذلك يمكن لعمل محدود من حيث عدد المنفذين أن يحقق أثرًا وطنيًا واسعًا.
أما القاسم الثالث فهو سرعة انتشار الصور والروايات. فالتخريب لا يكتفي بإحداث الضرر؛ إنه ينتج مشهدًا قابلًا للتداول، وقد تستثمره الحكومة لتشديد الأمن، أو تستثمره الجماعات لتقديم نفسها بوصفها قادرة على تحدي الدولة. وفي الحالتين، قد تتحول الأضرار إلى وقود للاستقطاب بدل أن تكون مجرد ملف جنائي.
اختلاف في طبيعة المشهد
مع هذا التشابه، لا ينبغي إخفاء الفروق. في فرنسا، يرتبط الجزء الأبرز من التخريب المرئي باضطرابات جماهيرية واسعة وباحتجاجات اجتماعية قابلة للتمدد السريع، بينما يظهر في إيطاليا نمط أوضح من العمليات الصغيرة ذات الخطاب الفوضوي أو المناهض للمؤسسات، إلى جانب أعمال الشغب المرتبطة ببعض الاحتجاجات. كما أن اختلاف التعريفات القانونية وأنظمة التسجيل يجعل المقارنة الرقمية المباشرة بين البلدين غير سليمة.
ومن الخطأ كذلك تحويل كل تخريب إلى «إرهاب». فالتصنيف يقتضي عادة توافر نية ترهيب أو إكراه سياسي وفق القانون الوطني، إلى جانب طبيعة الفعل والهدف والقرائن. بعض الأضرار جنوح حضري أو جريمة ملكية، وبعضها عنف احتجاجي، وبعضها قد يدخل في الإرهاب السياسي. الخلط بينها يخدم الخطاب الانفعالي لكنه يضعف التحليل ويؤدي إلى سياسات عامة غير دقيقة.
بين الرد الأمني والمعالجة السياسية
تحتاج الحكومتان إلى حماية المرافق الحيوية ورفع قدرة التحقيق الجنائي، خصوصًا في ما يتعلق بتبادل المعلومات بين الشرطة وأجهزة النقل والاتصالات والسلطات المحلية. كما أن سرعة إصلاح الأضرار وشفافية إعلان نتائج التحقيق تساعدان على منع الشائعات من ملء الفراغ.
لكن الرد الأمني وحده لا يعالج جذور المسألة. فالمظاهرات السلمية يجب أن تبقى منفصلة قانونيًا وأخلاقيًا عن التخريب، وعلى الدولة أن تضمن هذا الفصل بدل أن تعامل الحشد كله ككتلة مشتبه فيها. وفي الوقت نفسه، يجب أن تكون محاسبة من يحرق أو ينهب أو يعطل خدمة عامة فردية ومحددة، لا ذريعة لعقاب جماعي أو لتجريم المعارضة السياسية.
الخلاصة أن فرنسا وإيطاليا لا تواجهان ظاهرة واحدة اسمها «التخريب»، بل طبقات مختلفة من الأفعال. البيانات الفرنسية الأخيرة لا تثبت انفلاتًا عامًا متواصلًا، بينما تكشف الحالات الإيطالية والفرنسية ذات الطابع السياسي أن عدد العمليات ليس معيار الخطر الوحيد. التحدي الحقيقي هو منع انتقال الغضب الاجتماعي من الاحتجاج إلى العنف، ومن العنف العابر إلى تخريب منظم يصيب البنية التحتية ويحوّل هشاشة المجتمع إلى أزمة ثقة في الدولة.