مصادر دبلوماسية قطرية لـ”بيروت تايمز”: رئيس الحكومة القطرية سيبحث مع المسؤولين اللبنانيين سبل إقامة تعاون اقتصادي بين دولة قطر والحكومة اللبنانية
الدوحة تتحرّك لتحييد لبنان عن صراعات المنطقة ودعم الجيش والاقتصاد
منذ 6 ساعات
5 دقائق
38,333 مشاهدة
بيروت – بيروت تايمز – منى حسن
في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، وصل رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني إلى بيروت، في زيارة رسمية تستمر يومين، تحمل أبعاداً سياسية ودبلوماسية واقتصادية، في ظل تصاعد التوترات في المنطقة وتزايد المخاوف من انعكاس المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران على الساحة اللبنانية.
وتأتي الزيارة في مرحلة دقيقة يواجه فيها لبنان تحديات أمنية واقتصادية متشابكة، فيما تتواصل الاعتداءات الإسرائيلية والمخاوف من اتساع رقعة المواجهة. وفي هذا المشهد، تبرز أهمية الدور القطري، انطلاقاً من شبكة علاقات الدوحة العربية والدولية، وقدرتها على التواصل مع أطراف إقليمية متعددة، بما قد يتيح لها المساهمة في احتواء التصعيد وتغليب الحلول الدبلوماسية، والعمل على تحييد لبنان عن صراعات المنطقة.
وعلى متن طائرة خاصة تابعة للخطوط الجوية القطرية، وصل رئيس الحكومة القطرية إلى مطار رفيق الحريري الدولي، قادماً من أذربيجان، حيث كان في استقباله رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام والسفير القطري في لبنان الشيخ سعود بن عبد الرحمن آل ثاني، في استقبال رسمي يعكس أهمية الزيارة ومستوى العلاقات بين البلدين.
وتتجاوز دلالات الزيارة إطار اللقاءات البروتوكولية، إذ يُنتظر أن تشكّل مناسبة لبحث سبل تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي، ومواصلة دعم المؤسسات اللبنانية، وفي مقدمها الجيش اللبناني، إلى جانب مناقشة التطورات الأمنية والجهود الرامية إلى حماية استقرار لبنان في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة.
لقاءات مع الرؤساء الثلاثة وملفات أمنية واقتصادية على الطاولة
بحسب البرنامج المتداول للزيارة، من المقرر أن يلتقي الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، الذي يستضيفه إلى مأدبة غداء في السرايا الحكومية، على أن تشمل المحادثات ملفات سياسية وأمنية واقتصادية ذات أولوية للجانبين.
كما يتضمن البرنامج لقاءً مع قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، إلى جانب المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير، في إطار البحث في حاجات المؤسسات الأمنية اللبنانية والتحديات التي تواجهها في المرحلة الراهنة.
ومن المتوقع أن تتصدر ملفات الوضع في الجنوب، والاعتداءات الإسرائيلية، وسبل خفض التصعيد، ودعم الجيش اللبناني، إضافة إلى قطاعي الطاقة والكهرباء والتعاون الاقتصادي، جدول المحادثات.
وتكتسب هذه الملفات أهمية استثنائية في ظل الحاجة إلى تعزيز قدرة الدولة اللبنانية ومؤسساتها على مواجهة التحديات الأمنية، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، وتوفير مقومات الصمود والتعافي الاقتصادي.
قطر تتحرّك عبر شبكة علاقاتها العربية والدولية
في قراءة سياسية للزيارة، لا يمكن فصل الحضور القطري في بيروت عن المشهد الإقليمي الأوسع، حيث تتزايد المخاوف من أن تتحول الجبهة اللبنانية إلى إحدى ساحات المواجهة المرتبطة بالتوتر بين واشنطن وطهران.
وتسعى الدوحة، بما تمتلكه من علاقات مع أطراف عربية ودولية وإقليمية، إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، ودعم المساعي الدبلوماسية الرامية إلى احتواء الأزمات ومنع توسّعها.
ومن هذا المنطلق، تكتسب الزيارة أهمية إضافية، إذ يواجه لبنان خطر الانجرار إلى مواجهة أوسع قد تكون تداعياتها قاسية على أمنه واقتصاده وبنيته التحتية، في وقت لا يزال فيه البلد يواجه آثار الأزمات المتراكمة.
ويُنتظر أن يبحث المسؤولون اللبنانيون مع رئيس الحكومة القطرية إمكان الاستفادة من علاقات الدوحة واتصالاتها للمساعدة في خفض التوتر، ودعم المسار الدبلوماسي، وتعزيز فرص حماية لبنان من تداعيات الصراع الإقليمي.
غير أن مدى قدرة هذه الاتصالات على تحقيق نتائج ملموسة يبقى مرتبطاً بمواقف الأطراف المعنية، وبالتطورات الميدانية والسياسية في المنطقة.
الجيش اللبناني في صدارة الاهتمام القطري
يحتل دعم الجيش اللبناني موقعاً أساسياً في العلاقات بين بيروت والدوحة، باعتبار المؤسسة العسكرية إحدى ركائز الاستقرار الوطني، ودورها محورياً في حماية الحدود والحفاظ على الأمن وتنفيذ المهام الموكلة إليها في مختلف المناطق اللبنانية.
وفي هذا السياق، أعلنت قطر في كانون الثاني 2026 تقديم حزمة دعم للبنان بقيمة إجمالية بلغت نحو 434.25 مليون دولار، شملت قطاعات تنموية وإنسانية، مع تخصيص ما يصل إلى 400 مليون دولار لقطاع الطاقة، إلى جانب دعم التعليم والجيش والقطاع الرياضي.
وفي خطوة عملية لدعم المؤسسة العسكرية، تسلّم الجيش اللبناني في 29 كانون الثاني 2026 الدفعة الأولى من هبة قطرية تضمنت 37 آلية، ضمن هبة إجمالية تشمل 162 آلية مخصصة لتعزيز قدراته اللوجستية والعملياتية.
ويعكس هذا الدعم توجهاً قطرياً نحو مساندة المؤسسات الرسمية اللبنانية، في وقت تبرز فيه الحاجة إلى تعزيز قدراتها لمواجهة التحديات الأمنية المتزايدة.
ومن هنا، يُتوقع أن يحضر ملف الجيش بقوة خلال لقاء رئيس الحكومة القطرية قائد الجيش، سواء على مستوى الاحتياجات اللوجستية والتجهيزات، أو في إطار البحث في سبل مواصلة الدعم القطري للمؤسسة العسكرية.
ومع ذلك، لا يعني إدراج هذا الملف على جدول المحادثات أن مساعدات إضافية قد أُقرّت بالفعل، إذ تبقى أي التزامات جديدة مرتبطة بما سيُعلن رسمياً عقب الاجتماعات.
الكهرباء والطاقة والتعاون الاقتصادي: من المساعدات إلى الشراكات المستدامة
لا يقتصر الاهتمام القطري بلبنان على الجانب السياسي والأمني، بل يمتد إلى القطاعات الاقتصادية والتنموية، في ظل استمرار الأزمة المالية والحاجة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية وتحسين الخدمات الأساسية.
ويشكّل قطاع الكهرباء والطاقة أحد أبرز الملفات التي يمكن أن تفتح المجال أمام تعاون أوسع بين البلدين، ولا سيما في ضوء حزمة الدعم القطرية المعلنة في مطلع العام الجاري.
وفي هذا الإطار، أفادت مصادر دبلوماسية قطرية لـ”بيروت تايمز” بأن رئيس الحكومة القطرية سيبحث مع المسؤولين اللبنانيين سبل إقامة تعاون اقتصادي بين دولة قطر والحكومة اللبنانية، بما يتيح استكشاف مجالات جديدة للشراكة والاستثمار، وتحديد القطاعات التي يمكن أن تشهد تعاوناً عملياً خلال المرحلة المقبلة.
ويُنتظر أن تشمل النقاشات إمكانات التعاون في مجالات الطاقة والكهرباء، والمشاريع التنموية، ودعم القطاعات الإنتاجية، إلى جانب البحث في فرص تعزيز العلاقات الاقتصادية بما يحقق مصالح مشتركة للبلدين.
وتكمن أهمية هذا المسار في الانتقال من المساعدات الطارئة إلى شراكات طويلة الأمد، تسهم في تحريك الاقتصاد اللبناني، وخلق فرص عمل، وتعزيز الثقة بقدرة المؤسسات اللبنانية على استعادة دورها.
وفي ظل ما يواجهه لبنان من تحديات مالية ومعيشية، فإن أي تعاون اقتصادي مدروس، يستند إلى مشاريع واضحة وآليات تنفيذ شفافة، يمكن أن يشكّل رافعة مهمة لمسار التعافي.
رصيد قطري في لبنان يتجاوز المساعدات المالية
تستند العلاقات اللبنانية – القطرية إلى رصيد من التعاون السياسي والإنساني والتنموي، وقد برز الدعم القطري في محطات متعددة، سواء من خلال مساندة الجيش اللبناني، أو تقديم المساعدات الإنسانية، أو دعم قطاعات حيوية تحتاج إلى استثمارات طويلة الأمد.
وقد أكدت الدوحة مراراً دعمها لاستقرار لبنان وسيادته وسلامة أراضيه، كما واصلت اتصالاتها مع المسؤولين اللبنانيين لبحث سبل تعزيز التعاون ومواكبة التطورات الإقليمية.
وفي أيلول 2026، بحث رئيس الحكومة القطرية مع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التوتر وتعزيز الأمن والاستقرار. ويعكس هذا التواصل استمرار الاهتمام القطري بالملف اللبناني، وحرص الدوحة على إبقاء التعاون قائماً مع السلطات اللبنانية في مختلف المجالات.
ولا تقتصر أهمية هذا الدور على قيمة المساعدات أو حجم المشاريع، بل تشمل أيضاً القدرة على فتح قنوات اتصال والمساهمة في تهيئة الظروف السياسية والدبلوماسية التي تسمح للبنان بتجاوز أزماته.
بين طبول الحرب وفرص التهدئة
تأتي الزيارة القطرية فيما تبقى احتمالات التصعيد الإقليمي حاضرة بقوة، وسط مخاوف من أن يؤدي اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى زيادة الضغوط على لبنان، الذي لا يزال يواجه تداعيات الوضع الأمني في الجنوب والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة.
وفي هذا السياق، تبدو بيروت معنية بالحصول على دعم سياسي ودبلوماسي عربي يساعدها في حماية استقرارها، ويعزز فرص تجنيبها مواجهة لا تحتمل البلاد كلفتها.
ومن هنا، تحمل زيارة الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني رسالة تتصل بأهمية استمرار التواصل العربي مع لبنان، وبضرورة دعم مؤسساته الرسمية، ولا سيما الجيش، بالتوازي مع العمل على تنشيط العلاقات الاقتصادية.
لكن التحدي الأساسي يبقى في ترجمة المواقف الإيجابية إلى خطوات عملية، سواء عبر توسيع التعاون الاقتصادي، أو مواصلة دعم الجيش، أو تفعيل الاتصالات الدبلوماسية الهادفة إلى خفض التصعيد.
وفي انتظار ما ستسفر عنه لقاءات بيروت، تتجه الأنظار إلى نتائج المحادثات وما إذا كانت ستفتح الباب أمام مبادرات جديدة في مجالات الدعم الاقتصادي والأمني، أو ستقتصر على تثبيت المواقف المشتركة ومواصلة التنسيق بين البلدين.
فالرهان اللبناني اليوم لا يقتصر على الحصول على دعم إضافي، بل يتمثل أيضاً في الاستفادة من شبكة العلاقات القطرية للمساعدة في تحصين لبنان سياسياً وأمنياً، ومنع تحوّله إلى ساحة مفتوحة لصراعات المنطقة، بالتوازي مع إطلاق مسار اقتصادي يعيد الثقة بمستقبله.