ملف شراء الأراضي في المتن الاعلى… توسّع عقاري ممنهج أم ثغرات رقابية خطيرة؟
من سمح بتمرير شراء الأراضي على نطاق واسع؟ مسؤوليات ضائعة وثغرات خطيرة وحلول باتت إلزامية قبل فوات الأوان”
منذ 21 ساعة
3 دقائق
37,926 مشاهدة
بيروت – تحقيق اخباري من اعداد جورج ديب
ملف شراء الأراضي في منطقة المتن الاعلى يتصاعد، بصورة غير مسبوقة، بعدما تبيّن أن رجل الأعمال رضا محمد الجفّال نفّذ خلال سنوات سلسلة عمليات شراء واسعة على مساحات متجاورة، وبأسعار تفوق القيمة السوقية، ما أثار شكوكًا حول وجود مخطط منظّم للاستحواذ على مساحات حساسة في منطقة ذات خصوصية ديموغرافية. ورغم أن الجفّال نفى الاتهامات واعتبرها حملة سياسية تستهدفه، فإن حجم العمليات وطبيعتها يطرح أسئلة خطيرة حول الجهات التي تغاضت، والسبب الذي سمح بتمرير هذا الملف دون أي تدقيق، وكيف يمكن معالجة الثغرات التي سمحت بتحوّل قضية عقارية إلى أزمة رأي عام.
القضية بدأت بصمت، عبر عمليات شراء متفرقة لم تلفت الانتباه في بدايتها، قبل أن تتكشّف لاحقًا شبكة صفقات متتابعة استهدفت عقارات متلاصقة، ما دفع جهات محلية وناشطين إلى دقّ ناقوس الخطر. ورغم أن الجفّال قدّم رواية مفصّلة عن أن عمليات الشراء تمت بين 2008 و2014 وبأموال شخصية موثّقة عبر المصارف، فإن ذلك لا يلغي حقيقة أن الدولة اللبنانية، ببلدياتها ودوائرها العقارية وأجهزتها الأمنية، لم تتحرك في الوقت المناسب، ولم تمارس أي دور رقابي استباقي، ما سمح بتضخّم الملف إلى حدّ بات يهدد الثقة العامة في قدرة المؤسسات على حماية التوازنات العقارية والديموغرافية.
المسؤولية الأولى تقع على البلديات التي لم ترصد التغيّر المتسارع في ملكيات الأراضي، رغم أن أي بلدية تمتلك القدرة على ملاحظة انتقال ملكيات متجاورة خلال فترة قصيرة. لكن البلديات في لبنان تعاني من ضعف بنيوي في المتابعة، وغياب الأدوات التقنية، وانعدام الصلاحيات التي تسمح لها بالتدخل أو حتى الاعتراض. هذا الضعف جعلها الحلقة الأضعف في مواجهة عمليات شراء واسعة، فمرّت الصفقات دون أن تُسجّل أي اعتراض أو حتى ملاحظة رسمية، ما سمح بتراكمها إلى أن انفجرت إعلاميًا.
أما الدوائر العقارية، فهي تسجّل عمليات البيع وفق المستندات القانونية دون أن تمتلك صلاحية التحقيق في مصدر الأموال أو هوية المستفيد الفعلي أو النمط المتكرر للشراء. هذا القصور القانوني جعلها مجرّد جهة تسجيل، لا جهة رقابة، فمرّت عمليات الشراء وكأنها معاملات عادية، رغم أنها كانت تستدعي تحقيقًا استباقيًا بسبب حجمها وطبيعتها. الأجهزة الأمنية بدورها لم تتحرك إلا بعد الضجة الإعلامية، رغم أن أي تغيّر غير اعتيادي في ملكيات مناطق حساسة يجب أن يكون موضع متابعة مسبقة، خصوصًا في بلد يعاني من توترات سياسية وطائفية تجعل أي تحوّل عقاري قابلًا للتأويل.
القوى السياسية لم تكن أفضل حالًا، إذ تعاملت مع الملف بانتقائية، فدخلت عليه بعد تضخّم الجدل بدل أن تتابعه منذ بدايته. بعض القوى استخدمت القضية في السجالات الطائفية، بدل أن تدفع نحو تحقيق رسمي يحدد المسؤوليات ويضع حدًا للتأويلات. هذا التوظيف السياسي زاد من تعقيد الملف، وسمح بانتشار روايات متناقضة، بعضها مبالغ فيه وبعضها مبني على مخاوف حقيقية، لكن النتيجة واحدة: غياب الدولة عن ملف حسّاس، وتركه يتضخم حتى بات أزمة وطنية.
السبب الحقيقي للتغاضي لا يرتبط بشخص واحد، بل بمنظومة كاملة تعاني من ضعف الرقابة، هشاشة المؤسسات، غياب التشريعات، وانعدام التنسيق بين الجهات الرسمية. فالدولة اللبنانية لا تمتلك أي قانون يمنع تكوين كتل عقارية متجاورة، ولا تفرض الكشف عن المستفيد الفعلي، ولا تراقب حركة الأموال في عمليات الشراء الكبيرة، ولا تملك آلية تربط بين الدوائر العقارية والأجهزة الأمنية لرصد أي نمط غير اعتيادي. هذا الفراغ التشريعي والرقابي جعل أي جهة قادرة على شراء مساحات واسعة دون أن تواجه أي سؤال أو تدقيق، ما يفتح الباب أمام استغلال الثغرات لأهداف تجارية أو سياسية أو حتى ديموغرافية.
الجفّال من جهته قدّم رواية دفاعية هادئة، نفى فيها أي أهداف سياسية أو أمنية، وأكد أن الأموال شخصية ومحوّلة عبر المصارف، ودعا الجيش والإعلام للكشف على العقارات، وأبدى استعدادًا لبيعها بسعر عادل إذا رغبت البلديات بذلك. هذا الخطاب يعكس رغبة في احتواء الأزمة، لكنه لا يلغي الحاجة إلى تحقيق رسمي يحدد ما إذا كانت عمليات الشراء جزءًا من استثمار فردي أو نمطًا يستدعي التدقيق. فالقضية لم تعد مرتبطة بشخص واحد، بل بمنظومة سمحت بحدوث ذلك دون أي رقابة.
الحلول المستقبلية باتت إلزامية، وأولها إنشاء وحدة رقابة عقارية وطنية تراقب عمليات الشراء الكبيرة، وتدقق في مصادر الأموال، وترصد الملكيات المتجاورة، وترفع تقارير دورية إلى وزارة الداخلية. كما يجب تعديل القوانين العقارية لفرض الكشف عن المستفيد الفعلي، ومنع تكوين كتل عقارية متجاورة دون موافقة البلدية، وإلزام المشترين بتقديم بيانات مالية واضحة. البلديات يجب أن تُعزّز بصلاحيات وأدوات تقنية، والأجهزة الأمنية يجب أن تُشرك مبكرًا في أي عملية شراء غير اعتيادية، عبر آلية تنسيق واضحة بين الدوائر العقارية ومديرية المخابرات. كما يجب إطلاق منصة شفافية عقارية تتيح للمواطنين الاطلاع على الملكيات الجديدة وحجم الصفقات وهوية المشترين، ضمن حدود الخصوصية، لمنع أي تضليل أو استغلال سياسي.
المخاوف الطائفية يجب أن تُعالج بالحوار لا بالتحريض، عبر إشراك القوى السياسية والكنسية والبلديات في نقاش هادئ يهدف إلى حماية التوازن الديموغرافي دون تحويل الملف إلى مادة صراع. فالقضية ليست معركة طوائف، بل أزمة دولة غائبة عن الرقابة، ومؤسسات عاجزة عن حماية مصالح المواطنين.
في الخلاصة، ملف شراء الأراضي ليس مجرد قضية عقارية، بل هو مرآة لأزمة أعمق تتعلق بغياب الدولة، ضعف الرقابة، هشاشة المؤسسات، وتداخل الاقتصاد بالسياسة والطوائف. ورغم أن الاتهامات الموجهة إلى رضا الجفّال لم تُثبت حتى الآن، فإن حجم العمليات وطبيعتها يفرضان تحقيقًا رسميًا شفافًا يحدد المسؤوليات ويضع حدًا للتأويلات، ويمنع تكرار هذا النوع من الملفات في مناطق أخرى. فالدولة التي لا تراقب أرضها، لا تستطيع أن تحمي مجتمعها، ولا أن تمنع الانزلاق نحو أزمات أكبر.