تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

لبنان

جنبلاط يصرخ في الفراغ: الجنوب يُمحى… ولبنان يُدفع نحو حرب تُغيّر وجهه إلى الأبد

لبنان يُساق نحو حرب لا عودة منها

بيروت – اطلّ الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي ​وليد جنبلاط هذه المرّة من موقع التحذير الوجودي، لا من باب المواقف السياسية التقليدية. فالرجل يرى أن لبنان يقف على حافة مواجهة تتجاوز حدود العمليات العسكرية الجارية في الجنوب، لتلامس احتمال تغيير معالم المنطقة وواقعها السكاني. تحذيراته لا تأتي من فراغ، بل من قراءة لمشهد إقليمي يتبدّل بسرعة، ولجنوب يتعرّض لعمليات تدمير واسعة قد تعيد رسم جغرافيته البشرية والاجتماعية.

جنبلاط، في حديثه عبر قناة “LBCI”، وجّه رسالة مباشرة إلى الشيخ نعيم قاسم، مؤكداً أن لا أحد يملك حق توريط لبنان في حرب جديدة، وأن أي مواجهة إضافية ستجرّ خسائر فادحة على البلاد. كلامه حمل نبرة غير مسبوقة حين سأل بعض قيادات حزب الله: لماذا التضحية بالجنوب؟ ولماذا دفع بعض القرى إلى المجهول؟ ولماذا رمي الدروز في الحضن الإسرائيلي؟ أسئلة تعكس قلقاً عميقاً من مسار قد يجرّ لبنان إلى سيناريو يشبه ما حصل في غزة، حيث لا يعود الجنوب كما كان حتى لو انسحب الجيش الإسرائيلي، نتيجة عمليات الجرف والتدمير التي تطال المنازل والتراث والهوية.

في قراءته للمشهد الإقليمي، يرى جنبلاط أن إسرائيل وضعت، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، شروطاً لا تريد بموجبها وجود أحد في الجنوب، وأن المنطقة المستهدفة ليست مجرد مساحة جغرافية بل نسيج اجتماعي متنوع. لذلك يرفض المزايدات حول الحرب والسلام، ويعتبر أن لبنان لا يحتمل المزيد من المغامرات العسكرية، ولا المزيد من الخطابات التي تتجاهل حجم المخاطر.

علاقته مع حزب الله تبدو في مرحلة حساسة. فهو لا يتواصل مباشرة مع قيادة الحزب، لكنه ناقش مع نوابه ملف الإيواء، آملاً أن تصل رسالته رغم قساوتها. وفي الوقت نفسه، انتقد المسار التفاوضي مع إسرائيل، معتبراً أن الوفد اللبناني ذهب إلى “أحضان ماركو روبيو”، وأن بعض المفاوضين أخطأوا في حساباتهم حين ظنّوا أن توقيع الإطار الثلاثي سيقود تلقائياً إلى الانسحاب الإسرائيلي. جنبلاط ذهب أبعد حين قال إن أداء الجيش اللبناني في بعض الاجتماعات كان أفضل من أداء بعض أعضاء الوفد، موجهاً إليهم عبارة لافتة: “اقرأوا التوراة فذلك يفيدكم”.

وفي سياق أوسع، لم يستبعد جنبلاط أن تصل الأطماع الإسرائيلية إلى حدّ المطالبة بأراضٍ لبنانية محتلة باعتبارها أراضي إسرائيلية، محذراً من فتح ملف مزارع شبعا في هذه المرحلة، ومشدداً على أن قانون تجريم التعامل مع إسرائيل يجب أن يُناقش في مجلس النواب حصراً. كما أبدى موقفاً براغماتياً من الاتفاقات الإبراهيمية، قائلاً إنه ليس ضدها إذا كانت شاملة، لكنه تساءل عن مدى التزام إسرائيل ببنودها.

جنبلاط حذّر أيضاً من دعوات خطيرة تتحدث عن ترحيل الشيعة إلى العراق، مطالباً بوقف هذه الدعاية، ومؤكداً تمسكه بلبنان الكبير الذي يعتبر أنه بات في خطر. وفي سياق متصل، أشار إلى مخاطر تطال روافد نهر الأردن، وإلى احتمال استخدام ادعاءات الملكية العقارية في الجنوب مدخلاً لمشاريع استعمارية، داعياً إلى تجميد عمليات شراء الأراضي في جميع المناطق اللبنانية كما حصل سابقاً.

وفي ملف الوجود الدولي جنوباً، نفى جنبلاط صحة الحديث عن استبدال اليونيفيل بقوات أوروبية، مؤكداً أن إسرائيل لا تريد وجود الفرنسيين أو الإسبان، وأن صلاحيات اليونيفيل كانت مقيّدة لكنها أدّت دوراً إيجابياً. ودعا الدول الكبرى إلى إعادة الاعتبار لمجلس الأمن والأمم المتحدة، في ظل تراجع فعالية المؤسسات الدولية.

حادثة المتفجرات في ضهر البيدر شكّلت محوراً أساسياً في حديثه، إذ شدد على أنه لا يحق لحزب الله المطالبة باسترجاع المتفجرات التي ضبطها الجيش، معتبراً أن لبنان لا يستطيع الاستمرار كساحة معركة. وانتقد موقف النائب حسن فضل الله، داعياً إلى التحقيق مع الحزب أو جزء منه في القضية، رابطاً ما حصل بضعف التنسيق الأمني بين لبنان وسوريا، وبغياب التعاون الكافي بين الأجهزة في البلدين.

جنبلاط لم يوفر الحكومة من انتقاداته، معتبراً أنها لا تتعاطى السياسة، وداعياً رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إلى تحديد وجهة البلاد، وفي مقدمها تثبيت العلاقة مع سوريا بدلاً من الهروب منها. إقليمياً، رأى أن الانتخابات الإسرائيلية لن تغيّر جوهر السياسة الإسرائيلية، وأن البديل عن نتنياهو ليس أفضل منه، وأن الدعم الذي يحظى به من الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعكس ضعفاً في السياسة الأميركية تجاه المنطقة.

وفي قراءة أوسع، تساءل جنبلاط عن الاتجاه الذي تأخذنا إليه إيران، وعن المسار الذي تدفعنا إليه الولايات المتحدة، معتبراً أن إسرائيل هي المستفيد الوحيد من هذه المواجهات. وتحدث عن “بلفور ثانٍ” على طريق نتنياهو واليمين الإسرائيلي، وعن فوضى إقليمية تشبه ما سبق أن تحدثت عنه كوندوليزا رايس، مؤكداً أن المشروع الإسرائيلي لا يقف عند حدود معينة.

جنبلاط حذّر أيضاً من محاولات إخراج الدروز من تاريخهم الوطني والعربي والإسلامي، ومن استخدام تسميات مثل “جبل الباشان” لإضفاء شرعية على وجود يهودي في السويداء، مؤكداً تمسكه بثوابته التاريخية في مواجهة المشروع الإسرائيلي، وسائلاً: “هل التدمير سلام؟ وهل الاستيطان سلام؟”.

عربياً، اعتبر أن قطر هي الدولة العربية الوحيدة التي تفكّر اليوم بلبنان، مشيراً إلى مشكلات في السعودية، ومؤكداً تأييده استعادة العمل العربي المشترك وعقد اجتماع في الرياض وفق طرح عمرو موسى. وربط استمرار الحروب بمصالح الصناعات العسكرية والأسواق الأميركية.

اقتصادياً، تحدث عن مشروع نقل النفط من البصرة إلى بانياس، داعياً لبنان إلى الاستفادة منه، ومشيراً إلى إمكانية اعتماد صيغة “BOT” في مصفاة البداوي. ورغم انتقاداته الحادة لحزب الله وإيران، عاد ليؤكد أن الحوار يبقى السبيل الوحيد لحماية لبنان من تداعيات صراع الدول، داعياً إلى حوار داخلي تديره السلطة اللبنانية، ومبدياً شكوكه حول استعداد القوى الأساسية للمشاركة فيه.

وفي خاتمة حديثه، تساءل جنبلاط عن أسباب عدم استفادة اللبنانيين من تجارب الحروب السابقة، في رسالة تحمل جوهر تحذيراته: لبنان يقف على حافة مواجهة جديدة، وإذا لم يُحسن قراءة اللحظة، فقد يخسر ما تبقى من مقومات الاستقرار.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock