تخطي إلى المحتوى الرئيسي
35,269 مشاهدة
الجنوب اللبناني – بيروت تايمز – منى حسن
يتصاعد القلق الأمني في لبنان مع تجدد الغارات والقصف الإسرائيلي على عدد من المناطق الجنوبية، بالتزامن مع استمرار تحليق المسيّرات الإسرائيلية في أجواء بيروت والضاحية الجنوبية، في مشهد يعيد إلى ذاكرة اللبنانيين فصول الحرب والتهجير، ويثير مخاوف من انزلاق البلاد إلى مواجهة عسكرية أوسع قد تفرض موجة نزوح جديدة على آلاف العائلات.
وبينما يحاول أهالي الجنوب استعادة حياتهم الطبيعية، وترميم منازلهم وإعادة تشغيل مصالحهم والعودة إلى أراضيهم الزراعية، يجدون أنفسهم مجدداً أمام واقع أمني هش، تتداخل فيه المخاطر الميدانية مع الغموض السياسي، وسط تساؤلات عن قدرة الاتصالات الدبلوماسية والتفاهمات القائمة على احتواء التصعيد ومنع توسّع رقعة المواجهة.
وفي آخر التطورات الميدانية، شهد الجنوب غارات إسرائيلية استهدفت أطراف زوطر الشرقية وبني حيان، فيما طال القصف أطراف حاريص وحداثا، وسُجّل استهداف وادٍ بين فرون والغندورية، حيث اندلع حريق كبير. وترافقت هذه التطورات مع استمرار المخاوف من التحركات العسكرية الإسرائيلية وتحليق المسيّرات في أجواء عدد من المناطق، وصولاً إلى العاصمة بيروت، فيما لم تتوافر حصيلة نهائية شاملة للأضرار والخسائر الناجمة عن هذه الاعتداءات.
وتأتي هذه التطورات بعد سلسلة غارات وقصف مدفعي طالت مناطق في مرجعيون والقنطرة والمنصوري والنبطية الفوقا، إلى جانب بني حيان وزوطر الشرقية وميفدون وكفرتبنيت ووادي زبقين، ما يعزز المخاوف من استمرار التصعيد واتساع نطاقه.
ولا تقتصر خطورة المشهد على احتمال توسع العمليات العسكرية، بل تمتد إلى التداعيات الإنسانية والاجتماعية التي قد تترتب عليها، في ظل خشية السكان من تكرار تجربة النزوح، بعدما تكبدوا خسائر كبيرة في منازلهم وممتلكاتهم ومصادر رزقهم خلال المواجهات السابقة.
زوطر الشرقية والغربية… عودة محفوفة بالمخاطر
تختصر بلدتا زوطر الشرقية والغربية جانباً من معاناة الجنوبيين الذين يحاولون العودة إلى قراهم رغم استمرار المخاطر الأمنية والأضرار التي لحقت بالمنازل والبنية التحتية، فضلاً عن الصعوبات المرتبطة بتأمين الخدمات الأساسية واستعادة مقومات الحياة اليومية.
ففي عدد من المناطق الجنوبية، لا تزال العودة مرتبطة بعوامل تتجاوز مجرد الوصول إلى المنزل، إذ يحتاج السكان إلى طرق آمنة، ومياه وكهرباء، وإصلاحات أساسية للمباني، وإمكان الوصول إلى الأراضي الزراعية ومصادر العمل.
وتواجه العائلات التي عادت إلى زوطر الغربية تحديات معيشية وخدمية، فيما لا يزال عدد من أبناء زوطر الشرقية يواجهون مخاوف مرتبطة بالوضع الأمني وإمكان استعادة الحياة الطبيعية بصورة مستقرة.
وبالنسبة إلى هؤلاء، لا يعني وقف إطلاق النار، بحد ذاته، انتهاء المعاناة، ما لم يقترن بضمانات فعلية تسمح لهم بالبقاء في منازلهم من دون خوف من تجدّد القصف أو تضرر الممتلكات مجدداً.
كما أن استمرار الاعتداءات يهدد بتعطيل جهود التعافي وإعادة الإعمار، ويضع العائلات أمام معادلة صعبة بين الرغبة في العودة إلى أرضها والخشية من خسارة ما تبقى لديها من إمكانات.
الجنوب يعجّ بأهله… والتمسك بالأرض يتقدم على الخوف
على الرغم من المخاطر الأمنية، لا يزال الجنوب يعجّ بأهله في المناطق التي يستطيع السكان الوصول إليها والإقامة فيها، حيث يتمسك كثيرون بمنازلهم وقراهم وأراضيهم، رافضين أن يتحول النزوح المتكرر إلى واقع دائم يفرض عليهم الابتعاد عن جذورهم.
فالجنوبيون الذين خبروا الحروب وما خلّفته من دمار وخسائر، يدركون أن مغادرة المنزل لا تعني مجرد الانتقال إلى مكان أكثر أماناً، بل تترتب عليها أعباء اقتصادية واجتماعية ونفسية، تبدأ من تكاليف السكن والإيجارات، ولا تنتهي عند تعطّل الأعمال وتشتت العائلات والابتعاد عن البيئة الاجتماعية.
وبالنسبة إلى المزارعين، يرتبط البقاء بإمكان الوصول إلى الحقول ومتابعة المواسم الزراعية وجني المحاصيل، فيما يجد أصحاب المؤسسات والمتاجر الصغيرة أنفسهم أمام خيار صعب بين الاستمرار في العمل وسط المخاطر وإقفال أبوابهم خشية تطور الأوضاع.
أما العائلات التي لم تتمكن من العودة بصورة كاملة، فتواجه مستقبلاً غير واضح، في ظل تراكم أعباء إعادة الإعمار وإصلاح المنازل وتأمين الاحتياجات الأساسية.
ومن هنا، فإن تمسك الأهالي بأرضهم لا يعني الاستهانة بالمخاطر أو تجاهل سلامتهم، بل يعكس رغبتهم في استعادة حياتهم الطبيعية وعدم تكرار تجربة النزوح، شرط توافر الحد الأدنى من الأمان والاستقرار.
الضاحية الجنوبية تحت المراقبة… والقلق يمتد إلى بيروت
في موازاة التصعيد في الجنوب، يثير استمرار تحليق المسيّرات الإسرائيلية فوق بيروت والضاحية الجنوبية مخاوف إضافية لدى السكان، ولا سيما في ظل التهديدات والتقارير الإعلامية التي تحدثت عن احتمال توسيع الضربات الإسرائيلية إذا اتسعت المواجهة.
ومع تزايد القلق، يصبح التفكير في الانتقال إلى مناطق أخرى خياراً مطروحاً لدى بعض العائلات التي تسعى إلى الاحتياط لأي تطور مفاجئ، من دون أن يعني ذلك أن موجة نزوح واسعة من الضاحية قد بدأت أو أن إخلاءً شاملاً قد أُعلن.
فالتهديدات، حتى قبل تنفيذها، تنعكس على حياة الناس وقراراتهم اليومية، وتدفع بعض الأسر إلى إعادة النظر في خيارات السكن والعمل والتعليم، وسط صعوبة التخطيط للمستقبل في ظل غياب ضمانات واضحة بشأن استقرار الوضع الأمني.
وأي نزوح واسع من الضاحية الجنوبية، في حال وقوعه، من شأنه أن يفرض ضغوطاً إضافية على المناطق المستقبلة للنازحين، وعلى البلديات والمؤسسات الاجتماعية ومراكز الإيواء، في وقت لا يزال فيه لبنان يواجه تداعيات أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة.
وهكذا، لم يعد القلق محصوراً في القرى الحدودية والمناطق التي تتعرض للقصف، بل امتد إلى العاصمة ومحيطها، حيث يعيش السكان على وقع التطورات الميدانية والتحذيرات المتلاحقة.
هل يتجه لبنان نحو حرب ثالثة؟
يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً لدى اللبنانيين: هل تشكل التطورات الحالية مقدمة لحرب واسعة جديدة، أم أن التصعيد سيبقى ضمن حدود الضربات المتفرقة والضغط العسكري؟
لا تسمح المعطيات المتاحة بالجزم بأن حرباً شاملة أصبحت حتمية، لكن استمرار الغارات والقصف والتحركات العسكرية، بالتزامن مع التهديدات بتوسيع العمليات، يبقي احتمالات التصعيد قائمة ويزيد من صعوبة التنبؤ بمسار المرحلة المقبلة.
وتكمن خطورة الوضع في ارتباط الجبهة اللبنانية بالتطورات الإقليمية، ولا سيما التوترات بين إسرائيل وإيران، وما قد يترتب على أي مواجهة أوسع من انعكاسات مباشرة على لبنان.
كما تتداخل المخاوف العسكرية مع التعقيدات السياسية المرتبطة بتنفيذ التفاهمات القائمة، ومسألة الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، وترتيبات الأمن على الحدود.
وكانت وكالة رويترز قد أفادت، وفق ما ورد في المعطيات المتداولة، بأن لبنان يستعد لعرض مطالبه بوقف الاعتداءات الإسرائيلية خلال اجتماع برعاية أميركية في الولايات المتحدة، في إطار الجهود الرامية إلى معالجة الخلافات المتعلقة بتنفيذ التفاهمات.
وتبقى نتائج الاتصالات الدبلوماسية ومدى القدرة على ترجمتها إلى إجراءات عملية على الأرض من العوامل الأساسية في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة. فاستمرار الضربات من دون خطوات ملموسة لتثبيت التهدئة قد يعزز مخاوف السكان من العيش في منطقة مفتوحة على التصعيد، فيما يمكن لأي تقدم دبلوماسي جدي أن يفتح نافذة لتخفيف التوتر ومنع اتساع المواجهة.
اتفاق الإطار تحت الاختبار… والسكان ينتظرون نتائج ملموسة
كان اتفاق الإطار الذي أُعلن عنه برعاية أميركية في حزيران الماضي يُفترض أن يشكل مدخلاً لخفض التصعيد وتهيئة الظروف للانسحاب الإسرائيلي التدريجي وانتشار الجيش اللبناني في المناطق التي تُخلى، بما يسمح باستعادة الاستقرار وعودة الحياة إلى القرى المتضررة.
لكن استمرار الغارات والقصف والتحركات العسكرية الإسرائيلية يطرح تساؤلات حول قدرة التفاهمات القائمة على تحقيق الأهداف المعلنة، خصوصاً أن السكان لا يقيسون نجاح المسارات السياسية بعدد الاجتماعات والتصريحات، بل بما يلمسونه يومياً من أمن وقدرة على الوصول إلى منازلهم وأراضيهم.
فبالنسبة إلى العائلات الجنوبية، لا يكفي الإعلان عن تفاهمات أو عقد اجتماعات تفاوضية إذا ظلت المنازل عرضة للتدمير، والطرق مهددة بالقصف، والحقول بعيدة عن أصحابها، والعودة محفوفة بالمخاطر.
ومن هنا، تبرز أهمية اقتران الاتصالات السياسية والدبلوماسية بخطوات عملية تضمن وقف الاعتداءات، وتحد من مخاطر تجدد الحرب، وتساعد على تثبيت الاستقرار في المناطق الجنوبية.
كما تشكل حماية المدنيين، وتأمين وصول المساعدات والخدمات الأساسية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، عناصر أساسية في أي مسار جدي لإعادة الحياة إلى القرى المتضررة.
المدنيون يدفعون الثمن… والنزوح ليس قراراً سهلاً
لا تقتصر آثار التصعيد على الخسائر المباشرة الناجمة عن الغارات والقصف، بل تمتد إلى الأعباء النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي تتحملها العائلات.
فالخوف من فقدان المنزل أو الإصابة أو انقطاع مصادر الرزق يضع السكان في حالة ترقب مستمرة، فيما تضطر الأسر إلى الموازنة بين مخاطر البقاء وتكاليف المغادرة.
ويواجه النازحون، في حال اضطرارهم إلى الرحيل، تحديات تأمين السكن والإيجارات والتعليم والعمل والاحتياجات الأساسية، فضلاً عن الآثار النفسية التي يتركها الابتعاد عن البيئة الاجتماعية والعائلية.
أما العائلات التي عادت إلى منازلها بعد فترات من النزوح، فتعيش هاجس تكرار التجربة، خصوصاً بعدما أنفقت مدخراتها على إصلاح المنازل وشراء الأثاث وإعادة تشغيل أعمالها.
ويعني ذلك أن أي تصعيد جديد لن يبدأ من نقطة الصفر، بل سيصيب مجتمعاً أنهكته الحرب بالفعل، ويزيد من هشاشة أوضاع العائلات التي لم تتمكن بعد من التعافي من الخسائر السابقة.
من يحمي حق الجنوبيين في البقاء بأرضهم؟
تتجاوز القضية المطروحة اليوم احتمال اندلاع حرب واسعة، لتصل إلى حق سكان الجنوب في العيش بأمان في قراهم، وعدم اضطرارهم إلى مغادرتها كلما ارتفع منسوب التوتر.
فالسكان الذين يتمسكون بأرضهم يحتاجون إلى ضمانات أمنية فعلية، وإلى ظروف تسمح لهم بالعمل والزراعة والتعليم والتنقل، بعيداً عن الخوف الدائم من غارة أو قصف أو توغل عسكري.
كما أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تحقق أهدافها في ظل غياب الاستقرار، إذ يصعب على العائلات استثمار ما تبقى لديها من إمكانات في إصلاح المنازل والمؤسسات، إذا كانت تخشى أن تتعرض مجدداً للتدمير.
ويحتاج لبنان إلى مسار متكامل يجمع بين الجهود الدبلوماسية الرامية إلى حماية سيادته ووقف الاعتداءات، والإجراءات الإنسانية لدعم المتضررين، والخطط العملية لإعادة تأهيل المناطق المتضررة.
أما إبقاء السكان في دائرة الانتظار بين تهدئة غير مستقرة وتصعيد محتمل، فيعني استمرار القلق وتعطيل الحياة اليومية، وإبقاء احتمالات النزوح قائمة حتى في المناطق التي لم تشهد مغادرة جماعية لسكانها.
الجنوب لا يريد نزوحاً جديداً… فهل تنجح الدبلوماسية في منع الحرب؟
يقف الجنوب اللبناني أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها المخاطر العسكرية مع المخاوف الإنسانية والسياسية، في وقت يحاول فيه الأهالي التمسك بمنازلهم وأراضيهم واستعادة حياتهم رغم استمرار الاعتداءات.
فالغارات على القرى الجنوبية، والتحركات العسكرية في محيط زوطر الشرقية، والتحليق الإسرائيلي فوق بيروت والضاحية الجنوبية، كلها تطورات تعيد إلى الأذهان مشاهد الحرب، وتدفع السكان إلى التساؤل عما إذا كانت الأيام المقبلة ستحمل تهدئة فعلية أم مزيداً من التصعيد.
ومع ذلك، لا يزال كثير من أبناء الجنوب متمسكين بأرضهم، رافضين أن يتحول النزوح إلى قدر دائم، أو أن يصبح الخوف سبباً لاقتلاعهم المتكرر من منازلهم وقراهم.
لكن هذا التمسك يحتاج إلى ما يحميه: وقف الاعتداءات، وتثبيت الاستقرار، وضمان سلامة المدنيين، وتأمين العودة الآمنة والمستدامة للنازحين.
فالجنوب لا يحتاج إلى هدنة على الورق فحسب، بل إلى أمان يلمسه أبناؤه في حياتهم اليومية، ويتيح لهم البقاء في بيوتهم والعمل في أراضيهم وتربية أبنائهم وبناء مستقبلهم.
وحتى إعداد هذا التقرير، لا يمكن الجزم بأن لبنان يتجه حتماً نحو حرب شاملة جديدة، إلا أن استمرار التصعيد يبقي مخاوف السكان من اتساع المواجهة والتهجير المتكرر حاضرة بقوة، ويضع حماية المدنيين وتثبيت الاستقرار في صدارة الأولويات.
وبين الخوف والأمل، يبقى السؤال الذي يشغل اللبنانيين: هل تنجح الاتصالات السياسية في احتواء التصعيد ومنع حرب جديدة، أم يجد الجنوبيون أنفسهم مجدداً أمام رحلة نزوح لا يعرفون متى تنتهي؟