تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
اخبار عربية

سوريا تتفكك… والمسيحيون في مرمى الاستهداف

دولة تتلاشى والعدالة تتحوّل إلى أداة قمع وانتقام

دمشق – تقرير اخباري

تشهد سوريا اليوم انهيارًا عميقًا في مفهوم الدولة، يتجاوز حدود الفوضى التقليدية ليصل إلى مستوى تفكك الكيان نفسه. فالجغرافيا السورية لم تعد تعكس دولة واحدة، بل ثلاث “سوريات” متراكبة:

سوريا الانتقام التي تُشرعن التشفي وتعتبره عدالة، وسوريا التسامح المزيّف التي ترفع شعارات العيش المشترك بينما تمارس الإقصاء، وسوريا الإنهاك التي تُساق فيها فئات واسعة إلى التضييق والاعتقال والتهجير بصمت. هذا التشظّي لم يعد توصيفًا سياسيًا، بل واقعًا يوميًا ينعكس مباشرة على حياة السوريين، ويضع المسيحيين تحديدًا في دائرة استهداف وجودي يتصاعد بصمت.

وتؤكد شهادات وتقارير ميدانية متزايدة خلال الأشهر الأخيرة أن المسيحيين يدفعون ثمنًا باهظًا لهذا التفكك، عبر سلسلة ممارسات تتخذ شكل تضييق اقتصادي ممنهج، توقيفات كيدية، وعدالة انتقائية تُستخدم كسلاح ضغط. ففي منطقة القصير، تتكرر حالات منع غير معلن لعودة العائلات المسيحية إلى منازلها ومحالها بعد سنوات من النزوح، حيث تُغلق المحال التجارية دون أي مسوّغ قضائي، وتُمارس ضغوط غير مباشرة تجعل العمل مستحيلًا، في رسائل واضحة بأن العودة غير مرغوبة. هكذا تتحول القصير إلى نموذج صارخ لسوريا التي تُدار بالمزاج لا بالقانون، حيث يصبح البقاء نفسه معركة خاسرة.

وفي صيدنايا، البلدة التي لطالما شكّلت رمزًا للتعايش، تتزايد حالات توقيف شبان مسيحيين بناءً على شكاوى كيدية تُنفّذ خلال ساعات، وسط غياب أي تدقيق قانوني أو ضمانات قضائية، وحماية غير مبررة للمشتكي المجهول. تتحول الشكوى إلى أداة قمع وانتقام، ويتحوّل المتهم إلى ضحية مطالبة بإثبات براءته من تهمة لا وجود لها أصلًا. الأخطر أن العدالة نفسها باتت تُستبدل بالفدية، إذ تُطلب مبالغ مالية مقابل الإفراج عن الموقوفين، ما يحوّل القضاء إلى ساحة ابتزاز، ويجعل القانون سلعة تُباع وتُشترى، في مشهد ينسف فكرة الدولة من أساسها.

هذا النمط المتكرر في مناطق مختلفة، تضييق اقتصادي، توقيفات كيدية، وعدالة انتقائية، يكشف عن عقلية تشفّي تتجاوز حدود الطائفة والمنطقة، وتضع المسيحيين في دائرة استهداف وجودي لا يمكن اعتباره حوادث فردية. فالممارسات لا تُعلن رسميًا، لكنها تُنفّذ يوميًا، وتُحكى في البيوت والقرى والكنائس، بعيدًا عن الإعلام الرسمي، ما يعمّق شعورًا عامًا بأن العدالة لم تعد للجميع، وأن القانون بات أداة بيد الأقوى.

السوريون، بكل مكوّناتهم، لا يطالبون بامتيازات طائفية، بل بقانون واحد يحمي الجميع. والاختبار الحقيقي لسوريا الجديدة يكمن في قدرة تاجر في القصير على فتح متجره دون تهديد، وقدرة شاب في صيدنايا على العودة إلى منزله دون خوف من شكوى كاذبة، وقدرة عائلة مسيحية على العيش دون أن تُعامل كضيف مؤقت في وطنها. فالدولة التي تسمح بالتشفي تفقد أبناءها بصمت، أما الدولة التي تطبّق القانون على الجميع فهي وحدها القادرة على البقاء.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock