لبنان بين نعمة الجغرافيا ونقمة الاستغلال: من الوطن إلى الساحة

02/03/2026 - 05:58 AM

Prestige Jewelry

 

رشيد ج. مينا

هل يمكن للجغرافيا أن تكون لعنة على شعب ووطن بدل أن تكون نعمة؟

وهل يمكن للتنوّع، الذي يفترض أن يكون مصدر غنى وقوة، أن يتحوّل إلى نقمة تهدّد الاستقرار والكيان؟

لبنان، الواقع في غربي قارة آسيا على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، بمساحة لا تتجاوز 10,452 كلم²، يتمتّع بجغرافيا استثنائية نادرًا ما اجتمعت في بلد صغير: سهل ساحلي ضيق، سلسلتان جبليتان تفصل بينهما سهول البقاع الخصبة، قمم شاهقة تصل إلى 3088 مترًا في القرنة السوداء، أنهار أساسية، ومناخ متوسطي معتدل. ويزيد من أهميته موقعه الجغرافي كحلقة وصل بين المتوسط والداخل الآسيوي، ما منحه عبر التاريخ دورًا تجاريًا واستراتيجيًا بالغ الأهمية.

إلى هذه الجغرافيا الجميلة، يُضاف تنوّع ديني وثقافي غني، كان يفترض أن يجعل من لبنان نموذجًا للتعايش، ومنارةً في محيطه العربي، وامتدادًا طبيعيًا لعمق عربي زاخر بالثقافة والموارد. لكن الواقع جاء على النقيض تمامًا.

منذ إعلان لبنان الكبير، ومن ثم نيل الاستقلال بالمعنى القانوني الشكلي، لم يعرف لبنان استقرارًا حقيقيًا. تحوّل، بفعل موقعه وجغرافيته، إلى ساحة مفتوحة للصراع العربي–الإسرائيلي منذ نكبة فلسطين، وحُمّل أكثر مما يحتمل من أعباء هذا الصراع، سياسيًا وأمنيًا وديموغرافيًا.

ورغم أن الشعب اللبناني العربي لم يتخلَّ يومًا عن موقفه المبدئي من القضية الفلسطينية، وحق الشعب الفلسطيني في التحرير والعودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة، إلا أن لبنان دُفع إلى دفع أثمان تفوق قدراته وإمكاناته، ما فجّر انقسامات حادة في وحدته الوطنية.

لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل ترجمت الصراعات العربية والإقليمية نفسها على الساحة اللبنانية. استُغلت الجغرافيا، واستُثمر التنوّع الديني والمذهبي أبشع استثمار، فدخل لبنان نفقًا مظلمًا منذ أكثر من خمسة عقود، ولا يزال شعبه يحاول الخروج منه بلا جدوى، لأن السياسات المعتمدة لم تكن يومًا سياسات حل، بل سياسات إدارة أزمة تُبقي البلد رهينة للخارج ولمصالحه وأجنداته.

الوصايات والتدخلات فُرضت على لبنان، والقيادات السياسية، بسلوكها الطائفي والمذهبي وارتهانها للخارج، لعبت دورًا أساسيًا في تعميق الانقسام، حفاظًا على مواقعها في السلطة وخدمة لمصالح الدولة العميقة وكارتيلاتها، لا لمصلحة الوطن.

لكي لا تبقى الجغرافيا الجميلة والتنوّع الديني لعنة على لبنان، لا بد من تغيير جذري، ينطلق من وعي شعبي جامع، وإعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة، ولدور الدولة ومؤسساتها. وهذا يستوجب انخراط الجميع في مشروع الدولة، القائم على بسط سيادتها الكاملة، وحصر السلاح بيد القوى العسكرية والأمنية الشرعية دون شراكة أو ازدواجية، لأن الدولة وحدها هي الضمانة للجميع.

الوحدة الوطنية ليست شعارًا، بل هي السلاح الأمضى للدفاع عن الوطن، وطريق الخلاص من الاستنزاف، والمدخل الطبيعي للتحرير والتنمية والتطوير. عندها فقط، تعود الجغرافيا نعمة لا نقمة، ويصبح التنوّع مصدر قوة لا ضعف، ويستعيد لبنان دوره الحيوي والفاعل ضمن عمقه العربي الطبيعي. كما أن على العرب، بدورهم، احتضان هذا التوجّه ودعمه، لأن لبنان المعافى، المستقر، والمنتج ليس مصلحة لبنانية فحسب، بل ضرورة للأمن والاستقرار العربيين.

ولا يمكن فصل تحوّل الجغرافيا اللبنانية من نعمة إلى نقمة عن العدوان الإسرائيلي المستمر الذي لم يتوقف يومًا، والذي استباح الأرض والسيادة، وحوّل لبنان إلى ساحة مواجهة مفتوحة تخدم المشروع التوسعي الصهيوني، تحت غطاء دولي ودعم أمريكي كامل. كما لا يمكن تجاهل الدور الإيراني السلبي الذي استغل الجغرافيا اللبنانية والتنوّع الطائفي، وحوّل جزءًا من هذا الوطن إلى أداة في صراعات إقليمية لا تخدم لبنان ولا قضاياه، بل زادت من عزلته واستنزافه وعمّقت الانقسام داخله.

بين عدوان خارجي دائم، وتدخّل إقليمي توظيفي، وقيادات داخلية فاشلة، بقي لبنان يدفع ثمن موقعه وجغرافيته وتنوّعه. والخروج من هذا المأزق التاريخي لا يكون إلا بكسر منطق الساحة، واستعادة منطق الدولة، وبوحدة وطنية واعية تُنهي الارتهان، وتضع حدًا لاستباحة الأرض والقرار. عندها فقط، يمكن أن تتحوّل الجغرافيا مجددًا إلى نعمة، والتنوّع إلى غنى، ويستعيد لبنان دوره الطبيعي وطنًا سيدًا، لا صندوق بريد، ورسالة حضارية لا ساحة صراع.

 

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment