طرابلس… من مدينة الدور إلى مدينة الغربة

02/02/2026 - 18:57 PM

Bt adv

 

 

رشيد ج. مينا

طرابلس التي عرفناها ليست طرابلس التي نراها اليوم. هي مدينة ضاربة في التاريخ، مدينة علم وعلماء، صناعة وتجارة، حيوية وانفتاح، مدينة الروح الوطنية والعروبة المتأصلة. لم تكن يومًا هامشًا ولا عبئًا، بل كانت شريكة فاعلة في صياغة التاريخ اللبناني، منذ ما قبل إعلان لبنان الكبير وصولًا إلى مراحله المفصلية.

طرابلس كانت مدينة تُنتج، تُعلّم، وتستقبل. كانت مقصدًا لكل من حولها، وحاضنة للفكر، ومختبرًا طبيعيًا للتفاعل الثقافي والاجتماعي والاقتصادي. كان لأهلها حضور، وللمدينة وزن، وللدور معنى. حتى حين كنا نسمّي من حكمها بـ«الإقطاع السياسي»، كانت المدينة نابضة، حيّة، جاذبة، ولها كرامة ودور ومكانة.

عشتُ طرابلس في طفولتي وشبابي مدينة مفتوحة على نفسها وعلى محيطها، مدينة الثقة بالنفس، مدينة تشبه حجمها الحقيقي. ثم، كما كثيرين، دفعتني الظروف السياسية والأمنية، وضيق سُبل العيش، إلى العمل في الخارج. لم يكن ذلك هروبًا من المدينة، بل بحثًا عن لقمة عيش تضمن لي حرية الفكر والاختيار، وكرامة العمل، واستقلال القرار.

وعندما أعود اليوم إلى مدينتي، مدينة العشق والذاكرة، لا أعود إليها كما تركتها. أستعيد صورًا من الماضي المفعم بالحركة والكرامة، لكني أُفاجأ بواقع مختلف. أشعر بالغربة في مكان أعرف كل زاوية فيه. كأن طرابلس وناسها قد استُبدلوا. ماضٍ مشرف، حاضر مُثقل بالحزن، ومستقبل بدا لفترة طويلة بلا نافذة.

منذ أكثر من خمسة عقود، أُدخلت طرابلس، كما لبنان كله، في نفق طويل. لكن ما يوجِع في حالة طرابلس أنها لم تُهمَّش صدفة، بل دُفِعت إلى الهامش. أُخرجت من دورها، شُوّهت صورتها، واستُخدمت ساحة بدل أن تُعامَل كمدينة. أُفرغت من طاقاتها، وكُسرت ثقة أبنائها بها وبالدولة.

اليوم، حين أسأل: أين طرابلس مما كانت عليه؟ لا أسأل بدافع الحنين وحده، بل من منطلق السؤال الوطني الكبير: كيف لمدينة بهذا الإرث، وهذه الطاقات، وهذا العمق، أن تُترك خارج الشراكة الحقيقية في القرار الوطني؟

طرابلس لا تبحث عن صدقة، ولا عن وصاية، ولا عن تعاطف موسمي. تبحث عن استعادة دورها الطبيعي: مدينة حيّة، شريكة، فاعلة، كما كانت… وكما يجب أن تكون.

طرابلس ليست ذكرى تُستعاد في الحنين، ولا جرحًا يُستخدم في السياسة، بل مسؤولية وطنية مؤجَّلة. ما أصابها لم يكن قدرًا، بل نتيجة خيارات وإقصاء وتوظيف طويل. واستعادة طرابلس لا تبدأ بالشعارات ولا بالمواسم الانتخابية، بل بإعادة الاعتبار لدورها، وكرامة أهلها، وشراكتها الفعلية في القرار الوطني.

حين تُستعاد طرابلس مدينةً لا ساحة، ودورًا لا وظيفة، ستعود كما كانت: حيّة، منتجة، وحاضرة في قلب الوطن، لا على هامشه.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment