رشيد ج. مينا
منذ عقود، يطرح سؤال ملحّ: أين المثقفون العرب؟ وماذا أنجزوا فعليًا في مسار التغيير والنهوض؟ ليس تجنّيًا القول إن كثيرًا من المثقفين والمناضلين وصلوا إلى مواقع السلطة والقرار، لكن أوضاع بلدانهم لم تشهد تحسّنًا يُذكر؛ بل على العكس، ازداد التضييق على الحريات، وتكرّست ديمقراطيات زائفة، وتحولت أنظمة رفعت شعارات التحرّر والعدالة إلى سلطات قمعية تُقصي المعارضة وتسحق الرأي الآخر.
الفجوة بين النظرية والممارسة
الإشكالية لم تكن يومًا في وفرة النظريات أو العناوين الكبرى. اجتمع المثقفون والمناضلون في آلاف المؤتمرات والندوات، وأُنتجت مواثيق وأطر تنظيمية لا تُحصى. ومع ذلك بقيت الفجوة بين النظرية والممارسة واسعة، بل قاتلة. عند كل مفترق حاسم، عاد كثيرون إلى طوائفهم وزعاماتهم وعشائرهم، وإلى “وليّ النعمة” والداعم، وإلى مناصب السلطة وفتاتها، فسقط الخطاب الكبير أمام سلوك يناقضه بالكامل.
جذور الأزمة: فكر، سلوك، وبيئة
هل المشكلة في الفكر؟ أم في السلوك؟ أم في البيئة التربوية والسياسية التي أنتجت هذا التناقض؟ الجواب ربما في الثلاثة معًا: فكر لم يُترجم فعلًا، وسلوك خضع للإغراء والخوف، وبيئة سياسية شوهت معنى النضال وحوّلته إلى وسيلة صعود لا أداة تغيير. هذا الواقع يستدعي مراجعة جريئة لا تهدف إلى جلد الذات، بل إلى تحديد مكامن الخلل لاستعادة دور المثقفين والمناضلين كطليعة نقدية لا كأداة تبرير وتكيّف.
النموذج اللبناني: تجربة تحذيرية
لا يمكن تجاوز النموذج اللبناني. تغنّى كثيرون بحيوية شعبه وتعدده وحرياته، لكن هذه الصورة لم تشكّل حصانة وطنية تمنع سقوطه في نفق الانقسامات والوصايات والحروب. أي حرية وديمقراطية تلك التي أوصلت إلى سدّة رئاسة الجمهورية خمسة قادة عسكريين؟ السؤال لا يستهدف الأشخاص بقدر ما يعكس عقم النظام السياسي وسلوك الطبقة الحاكمة ودور الداعمين الخارجيين في تكريس المأزق.
النضال كترجمة عملية
التغيير في لبنان ليس ترفًا فكريًا ولا شعارًا موسميًا، بل شرط أساسي للخروج من النفق والانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجتها، ومن إبقاء لبنان ساحة رهينة للصراعات الخارجية إلى استعادته وطنًا ودولة. إذا لم يتحوّل النضال إلى ترجمة عملية للفكر والثقافة والقيم الوطنية والاجتماعية، فإنه يفقد معناه ويتحوّل إلى نفاق ووصولية وانتهازية: مكاسب آنية لأفراد مقابل تدمير منهجي للأوطان واغتيال لإرادة الشعوب وتطلعاتها.
المسؤولية التاريخية للمثقفين والمناضلين
هنا تُطرح المسؤولية التاريخية: إما استعادة دور المثقفين والمناضلين كقوة تغيير حقيقية، أو ترك الساحة لمن يعيد إنتاج المأساة باسم الشعارات نفسها. المطلوب ليس مجرد نقد رمزي، بل برامج عمل واضحة: إصلاح التعليم، بناء مؤسسات مستقلة، تعزيز ثقافة المواطنة، وإرساء آليات مساءلة وشفافية تحول الخطاب من خطاب احتجاج إلى مشروع بناء.












02/02/2026 - 17:41 PM





Comments