إيران، إسرائيل، والفراغ العربي: لماذا تفشل أساطير الردع؟

02/02/2026 - 15:54 PM

Prestige Jewelry

 

 

معتز فخرالدين

في كل النقاشات السياسية والصحفية، تتكرر فكرة واحدة: أن سقوط إيران يعني تفرد إسرائيل بالشرق الأوسط، وبقاؤها يمثل آخر خط دفاع للعرب. هذه الفرضية تبدو بديهية، لكنها تتهاوى أمام الوقائع التاريخية: من إيران الشاه وتركيا الحليفة لإسرائيل، إلى الفشل الذريع لأي قوة خارجية في فرض توازن دائم على المنطقة. الواقع يكشف أن التهديد الحقيقي ليس إيران أو إسرائيل، بل الفراغ العربي الذي يسمح لكل مشروع إقليمي بالتمدد بلا رادع.

ما قبل الثورة: إيران الشاه وتركيا… ولم تتحقق الهيمنة

قبل الثورة الإسلامية، كانت إيران الشاه حليفًا لإسرائيل، وتركيا شريكًا استراتيجيًا لها أيضًا. ومع ذلك لم تتحقق الهيمنة الإسرائيلية الشاملة، وظل العرب فاعلين على الأرض رغم هشاشة بعض أنظمتهم. هذه الوقائع تثبت أن وجود خصم أو حليف لإسرائيل لم يكن يومًا مقياسًا حقيقيًا للتوازن الإقليمي.

وهم الثنائية القطبية

قد يُقال إن الثنائية القطبية وفّرت حماية ما. الواقع يقول غير ذلك:

الاتحاد السوفياتي لم يخض حربًا مباشرة دفاعًا عن مصر أو سوريا في 1967 و1973، بينما الولايات المتحدة تدخلت بصورة حاسمة لصالح إسرائيل. حتى في ذروة الثنائية القطبية، كان “التوازن” وهميًا، والنتيجة: تفوق إسرائيلي مستمر، وخصوم عرب رهائن هشاشة الداخل واعتمادهم على الخارج.

بعد الثورة: تغيّر الأسلوب لا الجوهر

بعد الثورة، تغيّر أسلوب الدور الإيراني، لا جوهره. لم تواجه إيران إسرائيل مباشرة، بل وسعت نفوذها عبر فواعل غير دولية، مستغلة هشاشة الدول العربية. النتيجة: دول عربية أضعف، مجتمعات أكثر هشاشة، وصراعات مفتوحة داخليًا وخارجيًا.

العراق، سوريا، لبنان، اليمن، البحرين، وحتى الأردن شهدت آثار هذا النفوذ، بينما إسرائيل توسعت بلا عائق.

صراع مشاريع متوازية

اليوم، الصراع في المنطقة هو صراع مشاريع متوازية:

• المشروع الإسرائيلي: تفوق عسكري، فرض وقائع، توسع استيطاني.

• المشروع الإيراني: نفوذ غير مباشر، إدارة صراع بالوكالة، استثمار الانقسامات.

• المشروع التركي: إعادة دور إقليمي عبر القوة الصلبة والناعمة.

والمفارقة الصادمة: غياب مشروع عربي جامع يجعل المنطقة ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، لا طرفًا فاعلًا.

 

التحصين الداخلي: شرط أساسي لأي حماية

مهما حاولت القوى الإقليمية فرض نفوذها، فإن أي حماية حقيقية للدول العربية لا تأتي من الخارج، بل من الداخل. التحصين الداخلي يشمل:

• بناء مؤسسات دولة قوية وفعالة،

• تعزيز حكم القانون واستقلال القضاء وإدارة الموارد بفعالية،

• توحيد القدرة الدفاعية وتحديثها وفق التهديدات،

• تعزيز التنمية الاقتصادية المستقلة وتحسين الخدمات الاجتماعية.

الدول التي تصمد داخليًا قادرة على استيعاب النفوذ الخارجي وتحويله إلى شراكة متوازنة، بدلاً من أن تكون أداة تدخل أو ضعف. التحصين الداخلي ليس رفاهية، بل شرط وجود لأي مشروع عربي حقيقي.

 

الوحدة الوظيفية العربية: من الرؤية إلى التنفيذ

الوحدة العربية لا تعني الشعارات البراقة، بل تنسيقًا عمليًا وظيفيًا بين الدول العربية على مستويات متعددة:

• الأمن والدفاع المشترك: مراقبة الحدود، تبادل المعلومات، تنمية القدرات الدفاعية.

• التعاون الاقتصادي: مشاريع بنية تحتية، شبكة طاقة مشتركة، تنمية صناعية وزراعية تقلل الاعتماد على الخارج.

• السياسة الخارجية الجماعية: قرارات منسقة تجاه القوى الإقليمية والدولية على قاعدة المصالح المشتركة.

بهذه الآليات، تتحول الوحدة العربية إلى قوة فعلية، لا مجرد شعار.

 

التحديات الداخلية: لماذا فشل المشروع العربي سابقًا؟

أي حديث عن إعادة بناء المشروع العربي لا يمكن أن يتجاهل أسباب الفشل التاريخية:

• الانقسامات الطائفية والعرقية،

• هشاشة الدولة والمؤسسات،

• القصور الاقتصادي والاجتماعي: الفقر، البطالة، عدم المساواة،

• ضعف الوعي المدني وانعدام المشاركة الشعبية.

هذه العوامل شكلت أرضية خصبة لتوسع النفوذ الإيراني والإسرائيلي والتركي، وأبقت العرب متفرجين في صراعاتهم الخاصة.

 

العوامل الخارجية: القوى الدولية والاقتصاد العالمي

لا يمكن فهم الصراعات العربية بمعزل عن القوى الدولية:

• الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي: دعم عسكري وسياسي لإسرائيل، إدارة صراعات الطاقة.

• العولمة والأسواق الدولية: تقلبات النفط والغاز تضغط على السياسات العربية وتزيد هشاشة القرار الداخلي.

أي مشروع عربي ناجح يجب أن يوازن بين التحصين الداخلي وإدارة التفاعلات الخارجية بذكاء واستقلالية.

 

الخاتمة

الخطر الحقيقي في الشرق الأوسط ليس سقوط إيران أو بقاؤها، ولا التوسع الإسرائيلي أو النفوذ الإيراني، بل الفراغ العربي الذي يسمح لكل مشروع إقليمي بالتمدد فوق الجغرافيا العربية.

وحده مشروع عربي قائم على:

• دولة قوية،

• مؤسسات متينة،

• شبكة علاقات ندّية،

• تحالفات قائمة على الاحترام المتبادل،

• تحصين داخلي فعّال،

قادر على إعادة صياغة معادلة القوة.

أي نقاش يتجاهل هذه الحقيقة يظل إدارة للقلق لا تحليلًا للواقع. وكل ما يُبنى على وهم الحماية من الخارج سيعيد إنتاج الأزمات بدل أن يخلق التوازن. وكلما بُنيت القوة خارجيًا أو فوق هشاشة الداخل، طال أمد الأزمات وتأخرت ولادة المشروع العربي.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment